اتجوزت راجل
اتجوزت راجل معرفوش في المستشفى عشان مايموتش لوحده.
أيوه، زي ما قريتي بالظبط.
أنا كنت عندي ٢٩ سنة، ولسه بحاول أتعافى من وجع موت أمي، ولقيت نفسي بقضي معظم وقتي في المستشفى كمتطوعة، بابقى جنب المرضى اللي مالهمش حد يزورهم.
وفي يوم، قابلت حسن.
راجل عنده ٧٢ سنة، جسمه هزيل، وقلبه كان خلاص مش قادر يكمل.
في البداية كان مجرد مريض بقعد معاه شوية وأتكلم معاه.
لكن خلال كام يوم، بقينا نستنى قعدة بعض.
لحد ما في يوم، مد إيده ومسك إيدي وقال بصوت واطي
اتجوزيني يا سارة.
بصيتله وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
إنت بتتكلم جد؟ إحنا أصلًا منعرفش بعض!
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
أنا مش عايز آخر أيامي أقضيها وأنا مجرد رقم في ملف المستشفى نفسي أموت وأنا ليا زوجة، حتى لو لأيام قليلة.
مكنتش عارفة أقول إيه.
العقل كان بيقولي إن اللي بيحصل ده جنون
لكن قلبي كان شايف راجل وحيد، عايز حد يمسك إيده في آخر لحظاته.
وبعد يومين بس
اتجوزنا.
من غير فستان، من غير قاعة، من غير أهل ولا أصحاب.
حتى الدبلة مكنش عندنا.
فحسن شال حلقة معدنية من غطا زجاجة مشروب غازي، وحطها في صباعي وهو بيضحك.
فضلت جنبه سبع أيام كاملة.
لحد ما في اليوم السابع، وأنا ماسكة إيده، حسيت بأنفاسه بتضعف واحدة واحدة
لحد ما قلبه سكت.
بعدها قعدت لوحدي في أوضته، مش عارفة أعيط ولا أستوعب إزاي شخص عرفته من كام يوم بس قدر يسيب جوايا الفراغ ده كله.
لكن قبل ما أمشي، دخل راجل عجوز ماسك شنطة ظهر خضرا.
بصلي وقال
سارة؟
أيوه.
أنا محامي جوزك حسن سايبلك الشنطة دي.
مد إيده ودهالي.
أول ما مسكتها، حسيت إنها تقيلة بشكل غريب.
بصلي المحامي شوية، وبعدين قال بصوت واطي
حسن ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك اتجوزتيه يا سارة
وسكت لحظة قبل ما يكمل
فضلت قاعدة مكاني، والشنطة الخضرا على رجلي، وأنا مش قادرة حتى أمد إيدي وأفتحها.
كلام المحامي فضل بيرن في ودني
حسن ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك اتجوزتيه.
رفعت عيني له وقلت بتوتر
يعني إيه؟ حسن كان مين؟
المحامي ماجاوبش فورًا.
قعد قدامي، وحط إيده على طرف الكرسي، وقال
قبل ما أقولك أي حاجة... لازم تعرفي إن حسن طلب مني ما أديكيش الشنطة غير بعد وفاته.
بصيت للشنطة.
وليه؟
لأنه كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة وهو عايش... ممكن ترفضي تساعديه.
اتجمدت مكاني.
أساعده في إيه؟
المحامي بص ناحية باب الأوضة، وكأنه بيتأكد إن محدش سامعنا.
وبعدين قال
افتحي الشنطة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك السوستة.
أول حاجة ظهرت قدامي كانت صورة قديمة جدًا.
رفعتها.
كان حسن واقف فيها وهو أصغر بكتير، لابس بدلة أنيقة، وجنبه ست كبيرة في السن ماسكة طفل صغير.
قلّبت الصورة.
ولقيت مكتوب وراها بخط اليد
اليوم اللي ضاع فيه ابني... وأنا السبب.
قلبي دق بسرعة.
مين الست دي؟
المحامي سكت.
وبعدين قال
أم حسن.
بصيت للصورة تاني.
والطفل؟
المحامي قال
الطفل ده... هو سبب إن حسن اختارك إنتِ بالذات.
اتنفست بصعوبة.
أنا؟ أنا مالي بالموضوع؟
المحامي مد إيده وأشار للصورة.
بصي كويس في وش الطفل.
قربت الصورة من عيني.
وفي اللحظة دي، لاحظت حاجة خلت الدم ينسحب من وشي...
كان الطفل لابس سلسلة صغيرة جدًا في رقبته.
نفس السلسلة اللي شفتها قبل كده.
لكن مش مع الطفل...
كانت معلقة في رقبة أمي في آخر صورة ليها قبل وفاتها.
صرخت من غير ما أقصد
مستحيل!
المحامي اتغيرت ملامحه.
إنتِ شوفتي السلسلة دي قبل كده؟
هزيت راسي وأنا مش قادرة أتكلم.
كانت بتاعت أمي.
المحامي فتح درج صغير في الشنطة، وطلع منه ظرف أبيض عليه اسمي.
إلى سارة... لو أنا مت قبل ما أحكيلك.
فتحت الظرف بسرعة.
وأول سطر قرأته كان
يا سارة، أمك كانت تعرف حسن قبل ما إنتِ تتولدي...قرأت الجملة مرة واتنين، لكن عقلي رفض يستوعبها.
يا سارة، أمك كانت تعرف حسن قبل ما إنتِ تتولدي...
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
بصيت للمحامي وقلت
تعرفه إزاي؟ وإيه علاقة أمي بحسن؟
قال بهدوء
كمّلي القراءة.
رجعت للورقة.
أمك كانت الشخص الوحيد اللي حسن وثق فيه في آخر فترة من حياته... لكنها أخفت عنك سر كبير، لأنها كانت بتحاول تحميكي.
إيدي بدأت تترعش.
تحميني من إيه؟
المحامي ما ردش.
كملت.
لو وصلتي للشنطة دي، يبقى حسن مات، وأنا كمان مش موجودة عشان أحكيلك. والحقيقة إن الطفل اللي في الصورة...
الورقة كانت متقطعة عند الجزء ده.
بصيت للمحامي بانفعال
باقي الورقة فين؟
قال
الجزء ده حسن هو اللي احتفظ بيه.
يعني إنت عارف الحقيقة؟
سكت.
إنت عارف الطفل مين؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
قربت منه وقلت
قولّي.
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت خبط قوي على باب الأوضة.
المحامي انتفض.
دخلت ممرضة بسرعة وقالت
أستاذ حسن كان طالب إن محدش يدخل الأوضة دي بعد وفاته... بس في راجل برّه مصمم يقابلك.
قلبي وقع.
راجل مين؟
الممرضة قالت
بيقول إنه كان أقرب شخص لحسن قبل ما يدخل المستشفى.
بصيت للمحامي.
وشه كان متغير تمامًا.
هو مين؟
المحامي رد بصوت منخفض
أخوه.
اتجمدت.
حسن كان له أخ؟
أيوه... لكن المفروض إن حسن ماكانش عنده أي إخوات حسب كل الأوراق الرسمية.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
ودخل راجل في أواخر الستينات.
وقف قدامي، وبص للصورة اللي في إيدي.
وأول ما شافها، وشه اصفر.
قال
إنتِ سارة؟
هزيت راسي.
بص للصورة تاني، وبعدين قال
يبقى حسن نفّذ اللي وعدني بيه.
سألته
وعدك بإيه؟
قرب خطوة وقال
إنه قبل ما يموت... هيوصلك للحقيقة.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا ووضعه أمامي.
ده مفتاح مكان حسن مخبيه من أكتر من أربعين سنة.
بصيت للمفتاح.
كان عليه رقم واحد بس
17
سألته
المكان ده فين؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
في بيت أمك القديم.
اتسعت عيني.
بيت أمي اتحرق من عشرين سنة!
قال
أيوه... وده بالضبط سبب إننا لازم نروح له قبل أي حد فضلت باصة للمفتاح في إيدي، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.
بيت أمي القديم اتحرق من عشرين سنة... إزاي يكون فيه حاجة لسه مستخبية هناك؟
الراجل رد بهدوء
النار حرقت البيت من فوق... لكن مش كل حاجة كانت تحته.
بصيت للمحامي، لقيته ساكت، وكأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.
قلت
أنا عايزة أفهم كل حاجة دلوقتي.
قال أخو حسن
هتفهمي... بس مش هنا.
خرجنا من المستشفى قبل الفجر، وأنا حاطة الشنطة في حضني، والمفتاح في إيدي.
طول الطريق، كنت بفكر في أمي.
ليه عمرها ما قالتلي إنها تعرف حسن؟
وليه صورتها موجودة في نفس الشنطة اللي حسن سابها لي؟
وليه الطفل اللي في الصورة لابس نفس السلسلة اللي كانت أمي محتفظة بيها؟
وصلنا لمكان البيت القديم.
كان مجرد أرض مهجورة، حواليها سور متهالك.
وقفت قدامه وقلت
هنا؟
أخو حسن أشار لجزء بعيد من الأرض.
أيوه... بس المكان الحقيقي مش ظاهر.
مشى لحد شجرة يابسة قديمة، وانحنى وشال شوية تراب وحجارة من جنبها.
ظهرت حلقة حديد صغيرة.
شدها.
واتفتح باب حديد نازل لتحت.
بصيت له بخوف.
إيه ده؟
قال
حسن بنا المكان ده من زمان جدًا.
نزلنا السلم.
كل خطوة كنت بحس إني بقرب من سر أمي أكتر.
في آخر السلم، لقينا باب خشب قديم.
وكان عليه رقم محفور
17
طلعت المفتاح.
دخلته في القفل.
لفيته...
الباب اتفتح ببطء.
دخلنا.
المكان كان مليان صناديق وملفات وصور قديمة.
لكن اللي شد انتباهي فورًا كان صندوق صغير فوق ترابيزة.
عليه ورقة مكتوب عليها
لسارة فقط.
قربت منه.
لكن قبل ما ألمسه، أخو حسن مسك إيدي وقال
استني.
بصيت له باستغراب.
قال
في حاجة لازم