وديت امي تتعشي
ودّيت أمي تتعشى في مطعم شيك، وفجأة اتجمدت مكاني لما شفت طليقتي واقفة برّه المطعم، جنبها طفل عنده حوالي سبع سنين بيغني للناس عشان ياخد كام جنيه.
بصيت للولد وسألتها
هو مين ده؟
بصتلي في عيني وقالت جملة خلت الدم يهرب من وشي
أنا حاولت أقولك من تمان سنين.
بصيت لأمي
في اللحظة دي بالذات، شنطتها وقعت من إيدها على الأرض.
وساعتها فهمت إن أمي مخبية عني سر أخطر بكتير مما كنت متخيل.
الجزء الأول
مين اللي علّمك الأغنية دي؟
كان أحمد عبد الرحمن لسه حاطط الشوكة والسكينة على الترابيزة، وفجأة قام بسرعة لدرجة إن أمه، الحاجة نوال، كانت هتقلب كباية المية عليها.
برّه المطعم، في شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين، كان فيه طفل عنده حوالي سبع سنين واقف قدام سماعة صغيرة، وبيغني للناس مقابل شوية فلوس.
الأغنية نفسها ماكانتش معروفة.
وده بالذات اللي خلّى أحمد يتسمّر مكانه.
لأن الأربع سطور اللي الولد كان بيغنيهم
هو اللي ألّفهم بنفسه من حوالي تلاتاشر سنة، أيام ما كان لسه متجوز مراته وقتها، مريم، وكانوا عايشين في شقة صغيرة في إمبابة.
مالك يا ابني؟ سألت الحاجة نوال.
أحمد ما ردش.
وهو عنده اتنين وأربعين سنة، بقى صاحب شركة مقاولات ونقل كبيرة، عنده مخازن وعربيات نقل شغالة في أكتر من محافظة.
والنهارده كان واخد أمه يتعشوا سوا احتفالًا بافتتاح فرع جديد للشركة.
بس أربع سطور من أغنية قديمة
كانوا كفاية يمسحوا من دماغه كل السنين اللي فاتت.
الولد خلّص غُنا، وجري ناحية ست كانت بتلم الفلوس اللي الناس رمتها له.
أحمد حس إن نفسه اتقطع.
مريم
الست رفعت عينيها.
وفجأة، تمن سنين كاملين من غير ما يشوفوا بعض اختفوا في ثواني.
مريم حسن كانت أنحف بكتير.
لابسة بلوفر بسيط، وشعرها مربوط ورا، وملامحها باين عليها التعب.
لكن عينيها
لسه فيهم نفس القوة اللي أحمد كان فاكرها كويس أوي.
بقالنا كتير ما اتقابلناش قالت بهدوء.
وفي اللحظة دي خرجت الحاجة نوال من المطعم.
أول ما شافت مريم
وبعدين شافت الولد
إيدها ارتخت.
والشنطة وقعت على الأرض.
أحمد لفّ لها بسرعة.
أمه، اللي عمره ما شافها بتتلخبط حتى في أصعب المواقف، كان وشها أبيض زي الورق.
ماما؟
أنا دوخت شوية.
لكن أحمد كان عارف أمه كويس.
دي ما كانتش دوخة.
دي كانت صدمة وخوف.
قرب أحمد من الولد.
اسمك إيه يا حبيبي؟
الولد بص لمريم الأول، كأنه مستني منها الإذن، وبعدين قال
يوسف مريم.
أحمد اتوتر.
عندك كام سنة؟
مريم شدّت ملامحها وقالت بسرعة
أحمد، مالك وماله؟ سيبه في حاله.
لكن الولد رد بعفوية
سبع سنين وخمس شهور.
أحمد حس إن صوت العربيات حواليه اختفى.
سبع سنين وخمس شهور
هو ومريم اتطلقوا من تمن سنين.
وفجأة افتكر آخر ليلة بينهم قبل الطلاق.
خناقة كبيرة
عيطوا
واتكلموا كتير
وفي الآخر حضنوا بعض، وهما الاتنين عارفين إنهم لسه بيحبوا بعض، بس بقوا مش عارفين يعيشوا مع بعض.
أحمد بص للولد تاني.
ركز في عينيه.
وبعدين في طريقته وهو بيكشر لما يبقى مش فاهم حاجة.
وبعدين الطريقة اللي بيميل بيها راسه سنة وهو بيسمع حد بيتكلم.
نفس الحركة اللي أحمد نفسه كان بيعملها وهو صغير.
قلبه بدأ يدق بعنف.
بص لمريم.
مريم يوسف ده ابنه مين؟
ضحكت ضحكة قصيرة، بس كانت مليانة مرارة.
بجد؟ بعد تمن سنين جاي تسألني السؤال ده؟
يعني إيه؟
مريم بصت له بثبات.
يعني إني حاولت أقولك من تمن سنين.
أحمد حس بقشعريرة في جسمه.
وبص من غير ما يقصد ناحية أمه.
الحاجة نوال كانت ماسكة شنطتها بإيدين مرتعشين، وضاغطة عليها جامد لدرجة إن صوابعها ابيضّت.
وقتها أحمد بدأ يحس إن فيه حاجة غلط.
حاجة كبيرة.
وفجأة ظهر راجلين من الناحية التانية من الشارع.
إحنا مش قولنالك قبل كده؟ لو هتغني هنا يبقى تدفعي اللي عليكي.
واحد منهم مد إيده وحاول ياخد من مريم الكيس اللي كانت حاطة فيه الفلوس.
سيب إيدي!
الولد جري وقف قدام أمه.
ماتاخدش فلوس ماما!
الراجل مد إيده عليه.
لكن أحمد مسك إيده قبل ما تلمسه.
إيدك بعيد عنه.
الراجل بص له بتحدي.
وإنت مالك؟
أحمد قرّب منه وقال بهدوء يخوف أكتر من الخناق
ابعد عنهم بدل ما الموضوع يكبر.
وأشار لكاميرات المطعم، وطلب من مدير المكان يتصل بالشرطة.
الراجلين أول ما حسوا إن الموضوع دخل في سكة قانون، رجعوا لورا وهما بيشتموا ويهددوا، ومشوا.
بعد ما اختفوا، أحمد بص لمريم.
تعالى أوصلكم.
مريم لمّت السماعة، ومسكَت إيد يوسف.
مش محتاجة.
مريم، أنا بس عايز
قاطعت كلامه
أنا عرفت أرجع لوحدي تمن سنين.
أحمد سكت.
كانت هتمشي، لكنه ناداها
مريم
وقفت، من غير ما تبص له.
لو عايز تعرف يوسف ده ابنه مين بجد
وبعدين لفت وشها وبصت له مباشرة.
ابدأ بسؤال أمك عن الحاجة اللي أنا سلّمتها لها من تمن سنين.
أحمد حس إن الأرض اتحركت من تحته.
بص لأمه ببطء.
الحاجة نوال كانت واقفة ساكتة
ومش قادرة حتى ترفع عينيها في عينه.
في اللحظة دي، أحمد فهم إن الإجابة كانت موجودة في بيته طول السنين دي.
وإن أمه كانت عارفة حاجة هو مايعرفهاش.
لكن اللي ماكانش يعرفه
إن الحقيقة اللي هتظهر بعدها، كانت أبشع بكتير من مجرد سر عن طفل.
يتبع
عايزة تعرفي إيه اللي حصل من تمن سنين؟ وإيه الحاجة اللي مريم سلّمتها لأم أحمد؟ وهل يوسف فعلًا ابنه؟
أحمد فضل واقف مكانه، عينه بين أمه وبين مريم، ومش قادر يقرر مين فيهم يسأل الأول.
ماما... مريم قصدها إيه بالحاجة اللي سلّمتها لك؟
الحاجة نوال بلعت ريقها، وبصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعهم.
مش هنا يا أحمد.
لأ... هنا. أنا عايز أعرف دلوقتي.
مريم كانت واقفة بعيد، ماسكة إيد يوسف، وبتبص له من غير ما تتدخل.
نوال قربت من ابنها وقالت بصوت منخفض
الحاجة دي أنا احتفظت بيها كل السنين دي... عشان وعدتها.
وعدتي مين؟
نوال سكتت.
أحمد كرر
وعدتي مريم؟
هزت راسها.
أيوه.
وإيه الحاجة؟
نوال فتحت شنطتها بإيد مرتعشة، وطلعت مفتاح صغير قديم.
أحمد بص للمفتاح باستغراب.
مفتاح إيه ده؟
ده مش مفتاح بيت.
أمال إيه؟
قبل ما ترد، موبايل مريم رن.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
قفلت المكالمة بسرعة.
أحمد لاحظ.
مين؟
محدش.
مريم، أنا شفت وشك.
قلت لك محدش.
يوسف شد إيد أمه.
ماما... هو الراجل ده بابا؟
السؤال نزل على أحمد كأنه صدمة.
مريم سكتت.
يوسف بص لها مستني الإجابة.
لكن قبل ما تتكلم، الحاجة نوال قالت بصوت مرتجف
أيوه يا يوسف... ده أحمد.
أحمد حس إن قلبه وقف.
يوسف بص له شوية، وبعدين قرب خطوة.
أنت بابا؟
أحمد ماعرفش يرد.
كان طول عمره فاكر إن أكبر خسارة في حياته كانت طلاقه من مريم.
لكن دلوقتي، قدامه طفل عنده سبع سنين...
طفل بيناديه لأول مرة في حياته بابا.
مد إيده ناحية يوسف، لكن مريم وقفت بينهم.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأنك لسه ماعرفتش الحقيقة كلها.
أحمد بص لأمه.
الحقيقة كلها إيه؟
نوال أخدت نفس طويل.
من تمن سنين، مريم جت لي وهي حامل.
أحمد اتجمد.
حامل؟
أيوه.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
كنت عارفة.
ليه ماقولتيليش؟
نوال دموعها نزلت.
لأنها طلبت مني ماقولكش.
أحمد بص لمريم بذهول.
ليه؟
مريم فتحت بؤها عشان ترد، لكن صوتها اتقطع.
وفي اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
رقم غريب.
رد.
جاله صوت راجل كبير
لو عايز تعرف ليه مريم اختفت من حياتك... اسأل أمك عن اللي حصل في الليلة اللي اتطلقتوا فيها.
أحمد سكت.
مين إنت؟
لكن الخط اتقفل.
بص لأمه.
مين كان موجود ليلة طلاقي