مدير المستشفى

لمحة نيوز

لمّه يا دكتور وبالمرة انزل نضّف بالوعة المشرحة.
قالتها الدكتورة نادية الشناوي، مديرة مستشفى المنصورة العام، وهي بتبص للدكتور محمود حمدي قدام لجنة التفتيش.
كان محمود جرّاح معروف بالهدوء، عمره تلاتة وتلاتين سنة، وماكانش بيحب يدخل في مشاكل مع حد.
لكن خلال الشهور الأخيرة، بدأ يلاحظ حاجات غريبة في المستشفى.
ملفات ناقصة.
تقارير بتتغير.
وأسماء مرضى بتظهر في السجلات رغم إنهم ما دخلوش المستشفى أصلًا.
ولما حاول يسأل، اتقال له بوضوح
مالكش دعوة.
عشان كده، نادية كانت شايفاه مصدر إزعاج.
وقفت قدامه وقالت بسخرية
بما إنك بتحب تشتكي وتفتش ورا الناس، ورّينا شطارتك بإيدك كمان.
وأشارَت للبالوعة.
انزل نضفها ومن غير ما تعمل فيها دكتور كبير.
محمود بص لها بهدوء.
دي مش من اختصاصي.
ابتسمت وقالت
يبقى نكتب إنك رفضت تنفيذ التعليمات.
وبعدين أضافت بنبرة مقصودة
خصوصًا إن والدتك محتاجة جلسات الغسيل، ومصاريف علاجها مش قليلة.
الممر كله سكت.
محمود بص لها ثواني، وبعدها قال
هاتوا الممسحة.
أحد أعضاء لجنة التفتيش اعترض
يا دكتورة، مش شايف إن ده تصرف غير لائق؟
لكن نادية ردت بسرعة
مجرد إجراء تأديبي بسيط.
محمود ما جادلش.
نزل ناحية البالوعة.
فتح الغطاء، وبدأ يحاول يزيح المياه المتجمعة.
مرت ثواني.
وفجأة إيده لمست جسم صلب.
وقف.
حاول يسحبه.
كان مربوطًا بكيس أسود محكم الغلق.
شد محمود الكيس وطلعه.
نادية اتغير لون وشها.
إيه ده؟
محمود حطه على الترابيزة المعدنية.
مش عارف.
لكن لما فتحه، ظهرت قدامه مجموعة ملفات قديمة، وتقارير طبية، وفلاشة، وصور لأوراق رسمية.
محمود بدأ يقلب الملفات.
وفجأة توقف.
أول صفحة كانت تحمل اسم
فاطمة حمدي عبدالسلام.
والدته.
رفع عينيه ببطء.
أمي؟
مد إيده للصفحة التالية.
كانت عبارة عن تقرير طبي عمره أكتر من عشرين سنة.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
ثم رفع رأسه وقال
التقرير ده مستحيل يكون موجود هنا.
رئيس لجنة التفتيش قرب منه.
ليه؟
محمود أشار للتاريخ.
لأن أمي كانت وقتها بتتعالج في مستشفى تاني.
نادية حاولت تتدخل
واضح إن حد حط الملفات دي هنا عشان يعمل مشكلة.
لكن محمود قلب الصفحة.
وهنا ظهرت المفاجأة.
كان هناك توقيع طبيب قديم.
وتحت التوقيع ملاحظة بخط اليد
المريضة فاطمة حمدي لم تكن صاحبة الحالة المذكورة في التقرير.
المكان كله سكت.
محمود بص للجنة.
يعني تقرير أمي اتبدل.
رئيس اللجنة أخذ نفسًا عميقًا.
مين الطبيب اللي كتب التقرير؟
محمود بص للاسم.
وتجمد مكانه.
الدكتور حمدي عبدالرحمن.
نادية سألت بتوتر
وده مين؟
محمود رد
والدي.
الجميع بص لبعضه.
محمود كان فاكر إن والده مات من عشرين سنة من غير ما يسيب له أي أوراق أو أسرار.
لكن الملف كان بيقول حاجة مختلفة.
فتح باقي المستندات.
كانت هناك قائمة بأسماء مرضى، وكل اسم أمامه رقم ملف وتاريخ.
وبجانب عدد كبير منهم كلمة واحدة
مُستبدل.
رئيس اللجنة قال
معنى الكلام ده إن ملفات مرضى كانت بتتبدل؟
محمود رد
مش بس كده.
أشار إلى مجموعة التقارير.
واضح إن حد كان بيغير تشخيصات المرضى وبيحط تقارير مكان تقارير تانية.
نادية تراجعت خطوة.
الكلام ده اتهامات خطيرة.
محمود رفع الفلاشة.
عشان كده مش هنتهم حد.
وبهدوء شديد قال
هنشوف اللي على الفلاشة.
وصلها بأحد أجهزة اللجنة.
ظهرت ملفات مصورة.
أول ملف كان بتاريخ قديم جدًا.
الثاني أقدم.
الثالث
كان فيه اسم والده.
ثم ظهرت صورة من دفتر قديم.
وفي أسفل الصفحة جملة مكتوبة
لو حصل لي أي حاجة، الحقيقة موجودة في المكان اللي محدش هيدور فيه.
محمود حدق في الشاشة.
رئيس اللجنة سأله
والدك كان يعرف حاجة؟
محمود لم يرد.
لأنه فجأة بدأ يفتكر شيئًا من طفولته.
قبل وفاة والده بأيام، كان أبوه قد أعطاه مفتاحًا صغيرًا وقال له
لو في يوم سمعت إن أمك اتظلمت، دور على الدفتر الأزرق.
وقتها محمود كان طفلًا ولم يفهم الكلام.
لكن الآن
فهم أن والده كان يحاول يحذره.
فتح الملف الأخير.
ظهرت صورة لدفتر أزرق.
وتحت الصورة عنوان
مخزن المستشفى القديم الخزانة رقم 17.
رئيس اللجنة وقف فورًا.
نروح هناك.
نادية اعترضت
المخزن مقفول من سنين!
رئيس اللجنة بص لها.
يبقى نفتحه.
خرج الجميع من المشرحة.
أما محمود ففضل للحظة واقف قدام الكيس الأسود.
وبص للملفات.
ثم قال لنفسه
يا ترى يا أبويا إنت كنت بتحاول تحمي أمي من إيه؟
وبمجرد ما وصلوا للمخزن القديم، ظهرت المفاجأة الأولى
الخزانة رقم 17 كانت مفتوحة أصلًا.
والدفتر الأزرق لم يكن بداخلها.
لكن على أرضية الخزانة كان هناك ظرف أبيض.
وعليه اسم واحد فقط
محمود حمدي الجزء الثاني الظرف الأبيض
وقف محمود قدام الخزانة رقم 17، وبص للظرف الأبيض الموجود على الأرض.
اسمه كان مكتوب عليه بخط واضح
إلى محمود حمدي عندما تصبح مستعدًا لمعرفة الحقيقة.
مد إيده، لكن رئيس اللجنة قال
استنى يا دكتور. محدش يفتح الظرف لوحده.
محمود هز رأسه.
عندك حق.
أخذ رئيس اللجنة الظرف، وصوّرته من كل الجهات، ثم فتحه أمام الجميع.
كان جواه ورقة واحدة ومفتاح صغير.
رئيس اللجنة بدأ يقرأ.
يا محمود
لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايش.
أمك اتظلمت.
لكن الظلم الحقيقي مش في مرضها
الظلم إن ملفها الطبي اتغير عمدًا، واتحط اسمها في قضية مالهاش علاقة بيها.
أنا حاولت أوقف الموضوع.
ولما فشلت، خبّيت المستندات في مكان محدش هيشك فيه.
لكن أهم دليل مش هنا.
المفتاح اللي مع الورقة بيفتح الخزانة القديمة الموجودة في غرفة الأرشيف السفلي.
رقمها 31.
ولو فتحتها، هتعرف مين بدأ كل حاجة.
محمود رفع عينيه.
غرفة الأرشيف السفلي؟
أحد العمال قال
المكان ده مقفول من سنين يا دكتور.
رئيس اللجنة رد
هنفتحه.
لكن نادية كانت واقفة في الخلف، ووشها بدأ يتوتر بشكل واضح.
محمود لاحظ ده.
ولأول مرة سألها مباشرة
إنتِ عارفة إيه عن الخزانة دي؟
نادية ردت بسرعة
ولا حاجة.
متأكدة؟
طبعًا.
لكن قبل ما يكمل، صوت أحد أعضاء اللجنة قطع الكلام
يلا بينا.
نزلوا كلهم للدور السفلي.
كان المكان مهجورًا، مليان ملفات قديمة وأثاث مغطى بالتراب.
وصل محمود للخزانة رقم 31.
دخل المفتاح.
لفه.
لكن الخزانة ما اتفتحتش.
محمود حاول مرة تانية.
ولا حركة.
رئيس اللجنة قال
المفتاح غلط؟
محمود بص للمفتاح.
لأ ده مفتاحها.
فجأة لاحظ علامة صغيرة على جانب الخزانة.
فتحة ثانية.
قال
فيه قفل تاني.
بدأوا يدوروا على المفتاح الثاني.
وبعد دقائق، وجده أحد العمال مخبأً خلف لوحة قديمة.
فتحوا الخزانة.
وهنا ظهرت الحقيقة الأولى.
كانت الخزانة مليانة ملفات قديمة.
لكن في منتصفها كان فيه دفتر أزرق.
محمود مسكه.
فتح أول صفحة.
وكانت مكتوبة بخط والده
سجل الحالات التي تم تعديلها.
بدأ محمود يقلب الصفحات.
أسماء عشرات المرضى.
تواريخ.
تشخيصات.
وتوقيعات.
وفي آخر كل مجموعة، اسم واحد بيتكرر.
الدكتور نادية الشناوي.
محمود رفع عينيه ببطء.
نادية كانت موجودة من زمان؟
رئيس اللجنة قال
حسب السجلات أيوه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصفحة الأخيرة.
كان هناك اسم والد محمود.
وبجانبه ملاحظة
رفض تنفيذ التعليمات، واحتفظ بنسخة من المستندات.
وتحتها
يجب إيقافه قبل أن يتحدث.
ساد الصمت.
محمود حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
يعني أبويا ما ماتش بسبب المرض؟
رئيس اللجنة بص للورقة.
التقرير الرسمي بيقول وفاة طبيعية.
محمود رد
وأنا عايز أعرف إذا كان التقرير ده صحيح.
فجأة سمعوا صوتًا من خلفهم.
مش هتعرف.
التفتوا جميعًا.
كانت نادية واقفة عند باب الأرشيف.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها رجل مسن يحمل مجموعة أوراق.
قال الرجل
لأن والدك هو اللي أخفى الحقيقة.
محمود بص له باستغراب.
حضرتك مين؟
الرجل رد
اسمي الدكتور سامي فؤاد.
ثم أضاف
وكنت آخر شخص اتكلم مع والدك قبل وفاته.
محمود اقترب منه.
قول الحقيقة.
الدكتور سامي تنهد.
والدك اكتشف إن بعض الملفات كانت بتتغير عشان المستشفى تقدر تصرف أموال على حالات غير موجودة، وتتحول مبالغ ضخمة لحسابات مختلفة.
رئيس اللجنة قال
يعني فساد مالي؟
كان أكبر من كده.
فتح الدكتور سامي إحدى الأوراق.
بعض المرضى كانوا بيتم تسجيلهم على إنهم محتاجين علاج معين، بينما العلاج الحقيقي كان مختلف.
محمود قال
وأمي؟
الدكتور سامي سكت.
محمود كرر
أمي مالهاش ذنب في أي حاجة.
عارف.
يبقى ليه ملفها اتغير؟
الدكتور سامي نظر إليه وقال
لأن والدك استخدم ملف والدتك لإخفاء مستند مهم.
محمود اتصدم.
إيه؟
أخرج الدكتور سامي ورقة قديمة.
المستند ده كان دليل على الحسابات اللي اتنقلت منها الأموال.
محمود أخذ الورقة.
وفي أسفلها كان يوجد توقيع واحد.
توقيع شخص لم يكن أحد يتوقعه.
رئيس مجلس إدارة المستشفى وقتها.
لكن المفاجأة
إن الاسم نفسه كان موجودًا في المستشفى حتى اليوم.
محمود رفع رأسه.
مستحيل.
رئيس اللجنة قال
مين؟
محمود أشار إلى الاسم.
والد الدكتورة نادية.
نادية لم تنكر.
لكنها قالت بهدوء
أيوه والدي كان رئيس مجلس الإدارة.
محمود بص لها.
وإنتِ كنتِ عارفة كل ده؟
نادية سكتت.
ثم قالت
عرفت جزء من الحقيقة بعد ما بقيت مديرة.
وليه سكتِ؟
نظرت إليه وقالت
لأنني كنت أحاول أوصل لباقي الحقيقة.
محمود ضحك بمرارة.
وإجبارك ليا أنضف البالوعة كان جزء من خطة البحث؟
نادية هزت رأسها.
لا.
ثم أشارت للملفات.
أنا اللي حطيت الكيس هناك.
الجميع اتصدم.
محمود قال
إنتِ؟
أيوه.
ليه؟
قالت نادية
لأنني عرفت إن في حد بيدور على الملفات. ولو سيبتها في الأرشيف، كانت هتختفي.
ثم نظرت إلى البالوعة التي كانوا قد جاءوا منها.
فخبيتهم في المكان الوحيد اللي كنت متأكدة إن محدش هيفتش فيه.
محمود سأل
طب ليه استنيتي كل السنين دي؟
نادية ردت
لأني كنت

تم نسخ الرابط