فى عز الليل
التفتت إلى مارتين.
إيه اللي حصل في الليلة الأخيرة؟
مارتين ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال
أبوكي ما ماتش من غير ما يسيب دليل.
إيه الدليل؟
مارتين أشار إلى الصندوق.
الدليل موجود هنا.
ثم فتح جزءًا مخفيًا أسفل الصندوق.
وأخرج تسجيلًا صوتيًا قديمًا.
ضغط زر التشغيل.
وجاء صوت والد لوسيا واضحًا رغم مرور سبع سنوات
لو بتسمعوا التسجيل ده يبقى أنا ما قدرتش أكمل.
سكت الصوت لحظة.
ثم قال
الشخص اللي خان ثقتي مش من بره العيلة
لوسيا حبست أنفاسها.
هو من أقرب الناس ليا.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
مارتين قال
باقي التسجيل موجود.
لوسيا سألت
فين؟
مارتين نظر إلى الباب.
عند الشخص اللي كان مع والدك في آخر ساعة من حياته.
وفي اللحظة نفسها
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف لوسيا.
لو عايزة تسمعي باقي التسجيل تعالي لوحدك.
لكن هذه المرة، الرسالة لم تأتِ من رقم مجهول.
ظهر اسم المرسل على الشاشة.
تريزا سالجادو لوسيا فضلت باصة للموبايل.
اسم حماتها كان ظاهر على الشاشة.
تريزا سالجادو.
قالت بصوت منخفض
حماتي هي اللي بعتت الرسالة؟
مارتين هز رأسه.
يبقى لازم تروحي لها.
ماوريسيو قال فورًا
مش لوحدك.
لكن لوسيا كانت بدأت تفهم إن الموضوع وصل لمرحلة ما ينفعش فيها الهروب.
هنروح كلنا.
وصلوا إلى بيت تريزا بعد دقائق.
كانت قاعدة في الصالة، وملامحها مختلفة تمامًا.
أول ما شافت لوسيا، قالت
اقفلي الباب.
لوسيا قفلته.
إنتِ اللي بعتّي الرسالة؟
تريزا أومأت.
أيوه.
وإنتِ عندك باقي التسجيل؟
تريزا سكتت.
ثم قامت واتجهت إلى دولاب قديم.
أخرجت صندوقًا صغيرًا.
والدك سلّمهولي قبل وفاته بيوم.
لوسيا اتصدمت.
بابا؟
أيوه.
فتحت تريزا الصندوق.
كان بداخله جهاز تسجيل قديم.
وقالت
قال لي ما أفتحهش إلا لو حصلت حاجة واحدة.
إيه هي؟
لو حد حاول يسرق حقك أو حق بنتك.
لوسيا أخذت الجهاز.
ضغطت زر التشغيل.
عاد صوت والدها
لوسيا لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى لازم تعرفي إن أكبر غلطة عملتها كانت إني وثقت في شخص قريب مني.
ثم سكت لحظة.
لكن الشخص ده مش أخويا مارتين.
لوسيا بصت لمارتين.
الصوت تابع
ومش زوج بنتي.
ماوريسيو رفع عينيه بدهشة.
زوج بنتك؟
تريزا قالت
والدك كان يقصدني.
لوسيا بصت لها.
إنتِ؟
هزت تريزا رأسها.
أنا كنت آخر شخص قابله أبوكي قبل ما يموت.
الصوت تابع
تريزا تعرف جزءًا من الحقيقة، لكنها لا تعرف كل شيء.
ثم جاء صوت ارتطام في التسجيل.
وبعده صوت والدها
لو حصل لي شيء، دوروا على الدفتر الأزرق.
انتهى التسجيل.
لوسيا قالت
الدفتر الأزرق؟
تريزا ردت
كنت فاكرة إنك هتلاقيه في مكتب والدك.
مارتين قال
أنا دورت عليه سنين.
المحامية سألت
هل حد غيركم كان يعرف عنه؟
تريزا سكتت.
ثم قالت
شخص واحد.
مين؟
تريزا بصت ناحية ماوريسيو.
أخوك.
ماوريسيو اتصدم.
أخويا؟
أيوه.
لوسيا قالت
يبقى لازم نواجهه.
لكن قبل ما تتحرك، وصل إشعار على هاتفها.
رسالة جديدة.
لو لقيتوا الدفتر الأزرق، كل حاجة هتظهر.
ثم رسالة ثانية
لكن الدفتر مش عند أي واحد منكم.
لوسيا سألت
أمال فين؟
جاء الرد فورًا
في المستشفى.
لوسيا تذكرت فجأة شيئًا.
الصندوق الذي استلمته من أرشيف المستشفى في اليوم السابق
كان فيه ملف ناقص.
الملف الذي يحمل رقم والدها.
قالت
الدفتر كان جوه الملف الطبي.
المحامية قالت
يبقى لازم نرجع فورًا.
خرجوا جميعًا.
لكن قبل ما لوسيا تركب السيارة، لاحظت شيئًا تحت باب بيت حماتها.
ورقة صغيرة.
التقطتها.
كان عليها اسم واحد فقط
فاليريا كروز.
لوسيا عقدت حاجبيها.
ليه اسم فاليريا هنا؟
ماوريسيو قال
يمكن ليها علاقة بالحادث.
لوسيا هزت رأسها.
لا.
ثم نظرت إلى الورقة مرة أخرى.
دي مش ورقة قديمة.
كانت مكتوبة بتاريخ اليوم.
وفي أسفلها جملة قصيرة
اسألي المريضة عن والدك.
لوسيا شعرت أن كل الخيوط التي كانت تبدو منفصلة بدأت تتجمع في نقطة واحدة.
الحادث.
الملف الطبي.
الدفتر الأزرق.
والرجل الذي ظل مختفيًا سبع سنوات.
لكنها لم تكن تعرف أن فاليريا نفسها كانت تحمل معلومة واحدة
معلومة لو قالتها، ستكشف أخيرًا من كان آخر شخص قابل والد لوسيا قبل وفاته رجعت لوسيا المستشفى بسرعة، لكن المرة دي ما راحتش للأرشيف مباشرة.
اتجهت إلى غرفة فاليريا.
كانت الشابة ما زالت تحت الملاحظة، وحالتها مستقرة.
لما شافت لوسيا، قالت
الدكتورة اللي أنقذتني.
لوسيا قعدت جنبها.
محتاجة أسألك عن حاجة مهمة.
فاليريا هزت رأسها.
اتفضلي.
لوسيا أخرجت الورقة.
إنتِ تعرفي اسم إدواردو هيريرا؟
وش فاليريا اتغير فورًا.
والد لوسيا؟
لوسيا اتجمدت.
إنتِ تعرفيه؟
فاليريا قالت
أيوه.
ماوريسيو كان واقف عند الباب، والمحامية بجواره.
لوسيا سألت
قابلتيه قبل كده؟
مرة واحدة.
إمتى؟
فاليريا سكتت قليلًا.
قبل سبع سنين.
لوسيا شعرت إن قلبها توقف لحظة.
فين؟
في نفس المستشفى.
ثم قالت
كنت وقتها متدربة في قسم الإدارة. والدك جاء قبل وفاته بيوم.
لوسيا سألت بسرعة
وكان معاه مين؟
فاليريا نظرت إليها.
كان معاه رجل.
مين؟
ما شفتش وشه كويس.
المحامية سألت
لكنك سمعتي كلامهم؟
أيوه.
فاكرة قالوا إيه؟
فاليريا أغمضت عينيها محاولة تذكر التفاصيل.
ثم قالت
والدك كان غاضب جدًا.
قال إيه؟
قال للرجل أنا هسلّم كل الأوراق للشرطة لو ما رجعتش اللي أخدته.
لوسيا وضعت يدها على فمها.
وبعدها؟
الرجل رد عليه لو عملت كده، هتخسر أكتر مما تتخيل.
ماوريسيو سأل
عرفتي صوت الرجل؟
فاليريا هزت رأسها.
وقتها لأ.
ثم نظرت إلى ماوريسيو.
لكن بعد ما كبرت، وسمعت صوته مرة تانية
سكتت.
لوسيا سألت
صوت مين؟
فاليريا أشارت إلى الباب.
صوت أخوك.
ماوريسيو تجمد.
مستحيل.
فاليريا قالت
أنا مش متأكدة مية في المية، لكن صوته هو الأقرب جدًا.
المحامية قالت
ده كفاية عشان نطلب تسجيلات المستشفى القديمة.
لوسيا وقفت.
لكن قبل ما تخرج، أمسكت فاليريا بيدها وقالت
في حاجة تانية؟
فاليريا أومأت.
والدك ترك عندي ورقة.
لوسيا اتصدمت.
ورقة؟
أيوه.
فين؟
كانت معايا كل السنين دي.
وأخرجت فاليريا ظرفًا صغيرًا من حقيبتها.
لوسيا فتحته.
كانت ورقة واحدة فقط.
عليها جملة بخط والدها
لو لوسيا وصلت للحقيقة، سلّميها هذا المفتاح.
ومع الورقة كان يوجد مفتاح صغير.
لوسيا بصت للمفتاح.
كان مكتوبًا عليه رقم
24
المحامية قالت
خزنة أخرى.
ماوريسيو قال
نعرف مكانها؟
لوسيا قلبت المفتاح.
على ظهره كان محفورًا اسم واحد
محطة القطار القديمة.
لوسيا فهمت فورًا.
والدها كان قد ترك آخر دليل في مكان لا يخطر على بال أحد.
لكن قبل ما يغادروا، رن هاتف ماوريسيو.
كان أخوه.
رد.
جاءه صوت أخوه مرتجفًا
ماوريسيو لازم تسمعني.
قول.
أنا ما سرقتش أي حاجة.
أمال كنت بتعمل إيه في البنك؟
كنت بدور على الدفتر الأزرق.
لوسيا أخذت الهاتف.
ليه؟
صمت للحظة.
ثم قال
لأن والدك كتب اسمي في الدفتر.
لوسيا شعرت بالصدمة.
كتب اسمك ليه؟
جاء الرد
لأن أنا الشخص اللي أنقذته في آخر يوم من حياته.
وقبل أن تسأله كيف، انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة إلى هاتف لوسيا
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، افتحي الخزنة رقم 24 قبل منتصف الليل.
لوسيا نظرت إلى الساعة.
كان باقي على منتصف الليل أقل من ثلاث ساعات.
أخذت المفتاح.
وقالت
هنروح دلوقتي.
لكنها لم تكن تعرف أن داخل الخزنة رقم 24
كان موجودًا الدليل الذي سيغيّر كل ما كانت تعرفه عن وفاة والدها أكيد، دي النهاية ونقفل كل الخيوط من غير خيانة أو أحضان.
وصلت لوسيا والمحامية وماوريسيو إلى محطة القطار القديمة قبل منتصف الليل بدقائق.
كان المكان شبه مهجور.
دخلوا إلى الممر الأخير، ووجدوا الخزائن المعدنية القديمة.
رقم 24.
لوسيا أدخلت المفتاح.
فتح الباب.
كان بداخل الخزنة دفتر أزرق، وفلاشة صغيرة، ومظروف باسمها.
فتحت المظروف.
كانت رسالة والدها.
لوسيا
لو وصلتي هنا، يبقى إنتِ عرفتِ إن مارتين ما كانش عدوك، وإن أخو ماوريسيو ما كانش الشخص اللي حاول يسرق حقك.
الحقيقة إن الشخص اللي بدأ كل ده كان مدير الحسابات.
هو اللي زوّر المستندات، واستغل ثقة الناس فيه، وحاول يحمّل المسؤولية لأشخاص أبرياء.
أما أخو ماوريسيو، فاكتشف الموضوع متأخرًا وحاول يجمع الأدلة ضده.
ومارتين ساعدني في إخفاء المستندات.
أنا كنت عارف إن الحقيقة هتظهر يومًا ما، ولذلك قسمت الأدلة ووزعتها في أماكن مختلفة.
لوسيا قلبت الصفحة.
وجدت الجملة الأخيرة
لو كنتِ بتقري الرسالة دي، متدوريش على الانتقام.
خدي حقك بالقانون، واحمي بنتك، وسيبي كل شخص يتحمل نتيجة أفعاله.
لوسيا أغمضت عينيها.
وأخيرًا فهمت سبب كل شيء.
في صباح اليوم التالي، قدمت لوسيا كل المستندات للشرطة والجهات المختصة.
تم فحص التوقيعات والحسابات والتسجيلات.
وبعد التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
مدير الحسابات كان وراء عمليات التزوير واختلاس الأموال، وكان يستخدم بعض الأشخاص دون علمهم.
أما أخو ماوريسيو، فثبت أنه حاول الوصول إلى الدفتر الأزرق حتى يثبت براءته بعدما اكتشف أن اسمه موجود ضمن المستندات المزورة.
ومارتين عاد رسميًا إلى عائلته بعد سنوات طويلة من الغياب.
أما المحامي القديم، فثبت أنه أخفى بعض المستندات خوفًا من تهديدات مدير الحسابات، لكنه تعاون لاحقًا مع التحقيق.
وبعد أسابيع، صدر الحكم.
رجعت أموال الشركة إلى أصحابها.
وحُفظ حق لوسيا ودانييلا قانونيًا.
أما ماوريسيو
فبعد ما خرج من المستشفى، قعد مع لوسيا في هدوء.
قال
أنا كنت فاكر إنك خبيتي عني حاجات عشان مش واثقة فيا.
لوسيا ردت
أنا خبيت لأن كل اللي كان يهمني وقتها إني أحمي بنتنا وأعرف الحقيقة قبل ما أتكلم.
ودلوقتي؟
ابتسمت لوسيا.
دلوقتي مفيش حاجة مستخبية.
ماوريسيو قال
أنا مدين لك بحاجات كتير.
هزت رأسها.
مش عايزة منك دين.
أمال عايزة إيه؟
عايزة بيتنا يفضل مبني على الصراحة والقانون، مش على السكوت والخوف.
وافقها.
ومن اليوم ده، بدأ ماوريسيو يعيد ترتيب حياته باشلكامل، وابتعد عن إدارة الشركة لفترة حتى تنتهي كل المراجعات.
أما لوسيا، فاستمرت في عملها كطبيبة، ورفضت أي منصب إداري جديد عُرض عليها.
كانت شايفة إن أعظم انتصار حققته مش إنها كسبت قضية
لكن إنها قدرت تحمي بنتها من غير ما تظلم حد.
وبعد عدة أشهر، وقفت لوسيا أمام قبر والدها.
وضعت الدفتر الأزرق أمامه للحظة، ثم أخذته معها.
وقالت
فهمت رسالتك يا بابا.
ثم ابتسمت.
الحق ممكن يتأخر لكنه عمره ما بيضيع طول ما فيه حد بيدور عليه.
رجعت لوسيا إلى بيتها.
كان ماوريسيو ودانييلا في انتظارها.
وفي تلك الليلة، أغلقت لوسيا الملف الأسود للمرة الأخيرة.
لم تعد بحاجة إليه.
لأن كل الأسرار انتهت
وكل شخص أخذ حقه بالقانون
وبدأت لوسيا أخيرًا حياة جديدة، من غير خوف، ومن غير أسرار، ومن غير ما تسمح لأي شخص إنه يقرر مستقبلها أو مستقبل بنتها بدلًا عنها.
النهاية.