بنت صغيرة حكايات توتا

لمحة نيوز

يومها، لم تعد قصة إيلي وجابر مجرد قصة ملياردير وطفلة تبيع الليمونادة.
أصبحت قصة بدأت بكوباية قيمتها دولاران
وانتهت بمكان أعاد الأمل لآلاف الأطفال.
أما صندوق الفلوس الخشبي الأول، فقد احتفظت به إيلي داخل المركز.
ووضعت فوقه لافتة صغيرة
هنا بدأت الحكاية عندما رفضت طفلة 18 دولارًا لأنها لم تكن حقها.
وتحتها كتبت جملة واحدة
الأمانة ممكن تبدأ بموقف صغير لكنها قادرة تغيّر حياة كاملة.
وهكذا انتهت الحكاية.
ليس لأن إيلي أصبحت غنية
ولا لأن جابر كان مليارديرًا
ولكن لأن كل واحد منهما اكتشف أن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر في الشيء الذي يفعله عندما لا يكون مضطرًا إليه.
وكانت كوباية الليمونادة الصغيرة
أول درس بعد مرور عامين على افتتاح مركز نورا وإيلي للبداية، كان المكان بقى معروف في المدينة كلها.
أطفال كتير دخلوا المركز بفكرة صغيرة، وخرجوا منه بمشروع حقيقي.
أما إيلي، فكانت وقتها عندها أربعة عشر سنة، وبقت مسؤولة عن جزء كبير من البرامج.
وفي صباح يوم هادي، كانت قاعدة في مكتبها بتراجع دفاتر الأطفال.
فجأة دخل موظف الاستقبال وقال
إيلي، في راجل كبير بره بيسأل عنك.
رفعت عينيها.
مين؟
مش راضي يقول اسمه، بس قال إنه يعرف والدك.
إيلي سابت القلم من إيدها.
دخله.
دخل رجل في أواخر الستينات، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
وقف قدامها وقال
إنتِ إيلي؟
أيوه.
فتح الحقيبة وأخرج ملفًا قديمًا.
والدك ترك حاجة تانية.
إيلي اتصدمت.
بس إحنا استلمنا كل أوراقه.
الرجل هز رأسه.
لأ.
ووضع الملف أمامها.
دي اتخبّت سنين.
إيلي فتحت الملف.
كانت بداخله خريطة لمجموعة أراضٍ، وعقود قديمة، ودفتر حسابات.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة الأولى.
مكتوب
مشروعي الحقيقي لم يكن مركزًا واحدًا كان شبكة مراكز مجانية للأطفال.
إيلي بصت للرجل.
يعني بابا كان مخطط يعمل أكتر من مركز؟
كان عنده حلم أكبر.
في اللحظة دي دخل جابر.
شاف الأوراق وقال
إيه ده؟
الرجل رد
البداية الحقيقية.
جلس جابر وبدأ يراجع المستندات.
وبعد دقائق رفع رأسه.
الأراضي دي
إيلي سألت
مالها؟
قيمتها النهارده ضخمة جدًا.
الرجل قال
والدك اشترى أجزاء منها بأسعار بسيطة من أصحابها، وكان ناوي يخصصها لمراكز تعليمية.
نورا، التي دخلت للتو، قالت
طب ليه ماحدش عرف؟
الرجل تنهد.
لأنه كان خايف إن المشروع يتحول لمجرد استثمار.
جابر سأل
وإيه اللي كان موقفه؟
الرجل أخرج دفترًا صغيرًا.
الدفتر ده.
فتح جابر الصفحة الأخيرة.
وكان مكتوبًا بخط والد إيلي
لو بنتي قرأت الكلام ده يومًا، أتمنى ما تبنيش لنفسها قصر ابنِي مكانًا يقدر طفل فقير يقول فيه أنا أقدر.
ساد الصمت.
إيلي مسحت دمعة نزلت من عينها، ثم قالت
أنا عايزة أكمل حلمه.
جابر ابتسم.
وأنا معاكِ.
لكن إيلي هزت رأسها.
لأ يا جابر.
استغرب.
لأ؟
المرة دي مش عايزة فلوسك.
نظر إليها باستغراب.
أمال عايزة إيه؟
قالت
عايزاك تعلمني إزاي نعمل المشروع من غير ما نعتمد عليك.
جابر ابتسم لأول مرة منذ وقت طويل.
دي أحسن إجابة ممكن أسمعها.
وبدأت إيلي تشتغل.
لم تطلب من جابر تمويلًا مباشرًا.
أنشأت فريقًا من المهندسين والمحاسبين والمعلمين.
عملوا دراسة كاملة.
وبعد شهور، اكتشفوا أن بعض الأراضي ما زالت مسجلة بأسماء أصحابها الأصليين، رغم أن والد إيلي كان قد دفع ثمنها.
كان ممكن يحصل نزاع طويل.
لكن إيلي اختارت حلًا مختلفًا.
ذهبت بنفسها إلى أصحاب الأراضي، وشرحت لهم حلم والدها.
وقالت
أنا مش جاية آخد أرض حد.
أنا جاية أعرف لو ممكن تساعدونا نكمل حلم بدأ من سنين.
واحد من أصحاب الأراضي قال
وإيه اللي يضمن إن المشروع مش هيتحول لشركة وتبيعوا الأرض؟
إيلي أخرجت ورقة.
العقد الجديد هيكون واضح. الأرض مخصصة للتعليم فقط، وممنوع بيعها أو تحويل نشاطها.
الرجل قرأ الورقة طويلًا.
ثم قال
والدك كان راجل محترم.
وبعد أيام، وافق معظم أصحاب الأراضي.
وهكذا بدأت المرحلة الثانية.
مركز جديد.
ثم مركز آخر.
ثم ثلاثة مراكز في مناطق مختلفة.
وفي كل مكان، كانت توجد نفس الجملة
علّم الطفل كيف يصنع الفرصة.
وفي يوم افتتاح المركز الرابع، وقفت إيلي أمام الأطفال.
قالت
أنا كنت فاكرة إن أكبر درس في حياتي كان لما رجعت 18 دولار.
ضحك الأطفال.
لكن اكتشفت إن الدرس الحقيقي كان بعدها.
سألها طفل
إيه هو؟
نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط.
ثم قالت
إن الفلوس ممكن تفتح باب لكن اللي يخلي الباب يفضل مفتوح هو إنك تستخدمها صح.
ومن بعيد كان جابر واقف يسمع.
اقترب منها وقال
أبوك لو كان شايفك دلوقتي، كان هيبقى فخور بيك.
إيلي ابتسمت.
يمكن.
ثم نظرت إلى أول مركز.
بس لسه بدري.
ليه؟
قالت
لأن بابا كان كاتب شبكة مراكز.
ثم رفعت الدفتر.
وإحنا لسه عملنا أربعة.
ضحك جابر.
يعني هنكمل؟
ردت فورًا
أكيد.
ثم رفعت الكوباية التي كانت تحملها.
بس الأول
نظر إليها جابر.
إيه؟
قالت
ليمونادة؟
ضحك.
دولارين؟
دولارين بالضبط.
أخرج جابر النقود.
ناولها لها.
لكن قبل أن يأخذ الكوباية، نظر إليها وقال
فاكرة أول مرة؟
إيلي ردت
عمري ما هنساها.
وأنا كمان.
وفي آخر اليوم، علقت إيلي أول ورقة كتبتها وهي طفلة داخل المركز الجديد.
كانت تحتوي على حساب بسيط جدًا
كوباية ليمونادة 2 دولار.
وتحتها كتبت
ما كنتش أعرف وقتها إن الحساب الصغير ده هيقودني لحلم كبير.
ثم أغلقت الدفتر.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك صفحة أخرى في دفتر والدها لم يفتحها أحد حتى الآن
صفحة مكتوب فوقها
لو وصلتِ للمرحلة دي لازم تعرفي آخر سر.
وكانت تلك الصفحة هي بداية أكبر مفاجأة في حياتها في صباح اليوم التالي، كانت إيلي قاعدة في مكتبها لوحدها.
قدامها دفتر والدها القديم.
الصفحة التي ظلت مقفولة سنين كانت أمامها.
وفوقها جملة واحدة
لو وصلتي للمرحلة دي لازم تعرفي آخر سر.
إيلي أخذت نفسًا عميقًا وفتحت الصفحة.
لم تجد أرقامًا
ولا عقودًا
ولا أسماء شركات.
وجدت عنوانًا واحدًا
الرجل الذي ساعدني في البداية.
وتحت العنوان اسم
جابر ستيرلينج.
إيلي اتجمدت مكانها.
جابر؟
في نفس اللحظة دخل جابر المكتب.
صباح الخير.
إيلي رفعت الدفتر.
إنت كنت تعرف بابا قبل ما أعرفك؟
جابر سكت.
ثم قال
لأ.
متأكد؟
جابر اقترب ونظر للصفحة.
وبمجرد ما قرأ الاسم، تغيرت ملامحه.
أنا عمري ما شفت الكلام ده.
إيلي قلبت الصفحة.
وكان هناك خطاب قديم من والدها
إلى الشخص الذي سيقرأ هذا بعدي
ثم
قبل وفاتي بسنوات، حاولت أبدأ مشروعي الأول. كنت أملك الفكرة، لكن ماكانش عندي رأس المال الكافي.
في الوقت ده، ظهر شاب صغير اسمه جابر ستيرلينج.
إيلي بصت لجابر.
إنت كنت صغير؟
قال
جدًا.
أكملت القراءة
جابر لم يعطني مالًا.
استغربت إيلي.
إزاي؟
جابر قال
يمكن قابلت والدك فعلًا بس أنا مش فاكر.
إيلي أكملت
لكنه أعطاني شيئًا أهم.
توقفت.
ثم قرأت
أعطاني أول فرصة.
جابر جلس ببطء.
إيلي سألت
إيه الفرصة دي؟
قال جابر
مش عارف.
لكن أسفل الكلام كان هناك رقم هاتف قديم.
وبجانبه ملاحظة
لو أردت معرفة الحقيقة، اسأل جابر عن أول مشروع خسره.
جابر رفع رأسه فجأة.
أول مشروع خسرته؟
إيلي قالت
عندك مشروع زي ده؟
ظل جابر صامتًا.
ثم قال
أيوه.
كان مشروعًا صغيرًا بدأه عندما كان في بداية حياته العملية.
خسر فيه كل مدخراته تقريبًا.
لكنه لم يكن يتذكر والد إيلي.
أخرج هاتفه، واتصل بمديره القديم.
محتاج كل الملفات الخاصة بمشروع ستيرلينج للتوريدات من أول سنة.
بعد ساعات وصلت الملفات.
جلسوا جميعًا يراجعونها.
وفجأة وجدت نورا مستندًا قديمًا.
استنوا!
وضعت الورقة أمامهم.
كان عليها توقيع والد إيلي.
جابر أخذها.
قرأ السطر الأول.
ثم قال
والدك هو اللي أنقذ المشروع.
إيلي اتفاجأت.
إزاي؟
جابر شرح
وقتها أنا كنت داخل في صفقة كبيرة، وكل الموردين رفضوا يشتغلوا معايا لأن شركتي كانت جديدة.
ووالدك كان واحدًا من الموردين.
لكنه وافق يورد لي البضاعة من غير ما يطلب المبلغ كاملًا مقدمًا.
نورا قالت
يعني هو وثق فيك؟
جابر هز رأسه.
أيوه.
ثم سكت لحظة.
وأنا نجحت بعدها.
إيلي ابتسمت.
يعني بابا ساعدك من غير ما يعرف إنه بيبني مستقبلك؟
جابر قال
وأنا ماعرفتش إنه كان محتاج مساعدة بعدها.
إيلي نظرت إلى الخطاب مرة أخرى.
في آخره كانت جملة
لو قابلت جابر يومًا، لا تطلبي منه أن يعوضك عن شيء.
توقفت إيلي.
ثم قرأت
لأن الخير الحقيقي لا يتحول إلى فاتورة.
جابر أنزل عينيه.
ولأول مرة منذ بداية القصة، لم يعرف ماذا يقول.
لكن أسفل الصفحة كان هناك سطر آخر
أما آخر جزء من الحكاية، فليس لي إنه لإيلي.
قلبت إيلي الصفحة بسرعة.
كانت هناك خريطة.
خريطة لمدينة كاملة.
وعليها علامات حمراء في أماكن كثيرة.
نورا سألت
إيه دي؟
إيلي بدأت تقرأ الملاحظة الموجودة أسفل الخريطة
هذه ليست أراضي للمشروعات.
ثم السطر التالي
هذه أماكن يعيش فيها أطفال يحتاجون فرصة.
سكتت إيلي.
ثم فهمت.
والدها لم يكن يريد بناء مركز واحد.
ولا أربعة.
كان يريد الوصول إلى كل منطقة لا يجد فيها الأطفال مكانًا يتعلمون فيه.
إيلي رفعت رأسها وقالت
بابا كان عايز يعمل شبكة كاملة.
جابر ابتسم.
وإنتِ هتكمليها.
لكن إيلي هذه المرة لم تنظر إليه.
كانت تنظر إلى الخريطة.
وقالت
لأ.
جابر استغرب.
تاني لأ؟
ابتسمت.
إحنا مش هنكمل حلم بابا بس.
أمال؟
وضعت إصبعها على أول علامة في الخريطة.
هنخلي الحلم أكبر منه.
ثم أغلقت الدفتر.
وفي اليوم التالي، بدأت إيلي أول اجتماع لها.
لم تطلب ملايين.
ولم تطلب مباني فاخرة.
طلبت شيئًا واحدًا
ألا يكون هناك طفل لديه فكرة ولا يجد من يسمعه.
ومن هنا بدأت المرحلة التي لم يتوقعها أحد
مرحلة جعلت اسم إيلي معروفًا خارج مدينتها كلها.
لكن قبل أن يبدأ المشروع الجديد، وصل خطاب رسمي إلى المركز.
وكان المرسل
شركة دولية ضخمة.
والرسالة تحتوي على عرض بمبلغ مالي هائل.
لكن الشرط الموجود في آخر الصفحة جعل إيلي تقول فورًا
مستحيل أوافق أكيد، دي النهاية بشكل مقفول ومُرضي، من غير خيانة أو مشاهد مرفوضة.
إيلي فضلت ماسكة الخطاب وهي بتبص للشرط الأخير.
كانت الشركة عايزة تموّل كل مراكز الأطفال بمبلغ ضخم جدًا
لكن بشرط واحد
إنها تتحكم في المناهج، وتملك نسبة من أي مشروع يخرج من المركز.
إيلي قفلت الملف.
مستحيل.
جابر سألها
حتى بالمبلغ ده؟
ردت
أيوه.
ليه؟
قالت بهدوء
لأن الأطفال اللي بندربهم هنا مش منتجات لشركة.
سكت جابر.
ثم ابتسم.
كنت مستني منك الإجابة دي.
إيلي قالت
إحنا محتاجين فلوس، لكن مش لدرجة نبيع الفكرة اللي بنيناها.
وبدل ما ترفض العرض وتنتهي القصة، قررت تعمل حاجة أصعب.
جمعت أصحاب المشروعات الصغيرة، والمعلمين، وأولياء الأمور، وبدأت حملة تمويل مستقلة.
كل شخص ساهم باللي يقدر عليه.
واحد تبرع بمبلغ صغير.
واحدة قدمت أجهزة كمبيوتر.
ورجل مسن أعطاهم أول ماكينة قديمة كان بيشتغل عليها وقال
دي كانت سبب رزقي سنين، خليها سبب رزق لحد غيري.
وبعد شهور
نجح المشروع.
لم يصبح المركز ملكًا لشركة.
ولم يتحول إلى مشروع تجاري.
بل أصبح مؤسسة مستقلة لها فروع في مدن مختلفة.
والأجمل أن الأطفال أنفسهم أصبحوا جزءًا من إدارتها.
أما إيلي، فكبرت وهي محتفظة بنفس الدفتر القديم.
وفي يوم الاحتفال بمرور عشر
تم نسخ الرابط