بنت صغيرة حكايات توتا
المحتويات
ينظر إليها.
ثم قال
إنتِ كبرتي بسرعة.
ردت
لأ.
ثم ضحكت
أنا بس بقيت أعرف إن الفلوس لما تساعد حد، قيمتها بتكبر.
جابر لم يجد ردًا.
أعاد لها الظرف.
خلي الفلوس باسمك.
ليه؟
لأن المشروع ده مشروعك.
ثم أضاف
وإحنا هنساعدك تكبريه، لكن مش هنملكك حاجة.
ابتسمت إيلي.
ومن يومها، أصبح هناك صندوق صغير داخل المركز مكتوب عليه
صندوق إيلي لكل طفل عنده فكرة ويحتاج فرصة.
وكانت القاعدة الأولى للصندوق واضحة
لا صدقات فرص.
كل طفل يقدم فكرة، ويتعلم كيف يحسب التكلفة، وكيف يبيع، وكيف يدخر، وكيف يكون أمينًا في حساباته.
أما جابر
فلم ينسَ أبدًا أول يوم قابل فيه إيلي.
كان وقتها يظن أنه هو الشخص الذي يملك كل شيء.
لكن بعد سنوات، عندما سأله أحد الصحفيين
ما أهم قرار اتخذته في حياتك؟
ابتسم وقال
قرار اشتريت فيه كوباية ليمونادة بدولارين.
ضحك الصحفي.
لكن جابر أكمل
لأنني في اليوم ده قابلت طفلة رفضت ثمانية عشر دولارًا، وعلّمتني أن قيمة الإنسان مش في اللي يقدر ياخده لكن في اللي يقدر يرفضه لأنه مش حقه.
ومن بعيد، كانت إيلي واقفة أمام كشكها الجديد.
اللافتة ما زالت كما هي
ليمونادة 2 دولار.
لكن تحتها أضافت جملة صغيرة
والباقي يرجع لصاحبه.
وظلت الجملة موجودة سنوات طويلة.
وكل شخص كان يقرأها كان يبتسم.
لأن قصة كوباية الليمونادة لم تكن في النهاية عن ملياردير وطفلة
كانت عن الأمانة، والحق، والفرصة، وعن إن قرارًا صغيرًا جدًا ممكن أحيانًا يغير حياة ناس كتير مرت خمس سنوات.
إيلي لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي تقف خلف كشك خشبي في الشارع.
أصبحت فتاة في الثانية عشرة من عمرها، ذكية، هادئة، ومهووسة بالأرقام.
لكن أغرب شيء فيها كان أنها ما زالت تحتفظ بدفتر الحسابات الأول.
الدفتر الذي بدأت فيه كتابة أول دولار كسبته من الليمونادة.
في صباح أحد الأيام، دخلت إيلي مكتب جابر وهي تحمل جهازًا لوحيًا.
قالت
عندي فكرة.
رفع جابر عينيه من الأوراق.
أخاف من الجملة دي.
ضحكت.
ليه؟
لأن آخر مرة قلتيها، عملنا صندوق أطفال كامل.
وضعت الجهاز أمامه.
المرة دي أكبر.
نظر جابر إلى الشاشة.
كانت خطة لمشروع لتدريب الأطفال على إدارة المشروعات الصغيرة، لكن بشكل إلكتروني.
قال
إنتِ اللي عملتي الخطة دي؟
أيوه.
لوحدك؟
أنا وماما.
قرأ جابر الأرقام.
ثم توقف عند نقطة.
إنتِ طالبة ميزانية كبيرة.
عشان المشروع يكبر.
وإنتِ متأكدة إنه هيشتغل؟
قالت بثقة
لو اشتغلنا صح، آه.
ابتسم جابر.
طيب.
ثم أغلق الملف.
ابدئي.
إيلي لم تتحرك.
يعني وافقت؟
أيوه.
من غير ما تناقشني؟
لأني عارف إنك مش بتطلبي حاجة من غير ما تكوني حسبتيها.
ابتسمت.
شكرًا.
لكن بعد شهر، ظهرت مشكلة.
شركة كبيرة دخلت السوق بفكرة مشابهة جدًا.
وكانت بتبيع البرنامج نفسه بسعر مرتفع.
جابر قال
ممكن نوقف المشروع.
إيلي هزت رأسها.
لأ.
المنافسة صعبة.
يبقى نخلي مشروعنا مختلف.
إزاي؟
أخرجت دفترها.
هم بيبيعوا المعرفة.
ثم أشارت إلى الشاشة.
إحنا هنعلم الأطفال وبسعر رمزي.
جابر ابتسم.
يعني مش هننافسهم بالفلوس.
هننافسهم بالقيمة.
وبالفعل، أطلقوا البرنامج.
وفي أول شهر، اشترك فيه مئات الأطفال.
ثم آلاف.
وبعد عام، أصبح البرنامج موجودًا في مدارس كثيرة.
لكن النجاح جلب مشكلة جديدة.
في يوم، وصل لجابر خطاب قانوني.
شركة منافسة تتهمه باستخدام فكرة مسجلة باسمها.
جابر قرأ الخطاب بهدوء.
ثم قال
متأكد إنهم أصحاب الفكرة؟
إيلي قالت
لأ.
ليه؟
أشارت إلى دفتر قديم.
لأن عندي إثبات.
فتحت الدفتر.
كانت قد كتبت فيه تفاصيل فكرتها قبل سنوات.
لكنها لم تعتمد فقط على الدفتر.
كانت قد أرسلت نسخة مؤرخة من الخطة إلى جهة رسمية لحفظ حقوقها.
جابر ابتسم.
عملتي كل ده؟
ماما قالتلي لو عندك فكرة، احفظي حقك زي ما بتحافظي على فلوسك.
وبالفعل، أثبتت المستندات أن الفكرة كانت موجودة عند إيلي قبل تسجيل الشركة المنافسة لها.
انتهت القضية لصالحها.
لكن بدل ما ترفع دعوى للحصول على تعويض ضخم، اتخذت قرارًا غريبًا.
قالت
أنا مش عايزة فلوس.
جابر نظر إليها.
أمال عايزة إيه؟
عايزة نعمل شراكة معاهم.
شراكة؟
أيوه.
بعد اللي عملوه؟
قالت
لو عندهم إمكانيات أكبر، وإحنا عندنا الفكرة، ممكن نوصل لعدد أطفال أكبر.
جابر سكت.
ثم ابتسم.
إنتِ عندك عقل أكبر من سنك.
وبعد مفاوضات طويلة، تم الاتفاق.
تحولت المنافسة إلى مشروع ضخم يخدم الأطفال في مناطق كثيرة.
وفي حفل إطلاق المشروع الجديد، وقف جابر أمام الحضور وقال
من خمس سنوات، طفلة صغيرة رفضت أن تأخذ مني ثمانية عشر دولارًا.
ضحك الحضور.
وأكمل
وقتها ظننت أنني أنا الشخص الذي سيعلمها شيئًا عن المال.
ثم نظر إلى إيلي.
لكن الحقيقة كانت العكس.
صفق الجميع.
إيلي وقفت بهدوء.
ثم قالت
أنا ما عملتش حاجة كبيرة.
جابر ابتسم.
كل حاجة كبيرة بدأت بحاجة صغيرة.
وبعد انتهاء الحفل، خرجت إيلي مع أمها.
كانت نورا تحمل حقيبة صغيرة.
إيلي سألتها
ماما، هنروح فين؟
قالت
البيت.
طب هنعمل إيه؟
ابتسمت نورا.
هنعمل ليمونادة.
ضحكت إيلي.
لسه؟
طبعًا.
وفي المساء، عادت إيلي إلى أول شارع بدأت فيه.
وضعت طاولة صغيرة.
وعليها لافتة قديمة احتفظت بها طوال السنوات الماضية
ليمونادة 2 دولار.
جابر وصل بعد دقائق.
نظر إلى اللافتة.
ثم قال
لسه السعر زي ما هو؟
ردت إيلي
الأسعار بتتغير.
أمال ليه دي لسه دولارين؟
قالت
عشان في حاجات مينفعش تتغير.
زي إيه؟
نظرت إلى صندوق الفلوس.
وقالت
الأمانة.
جابر ابتسم.
وأخرج دولارين بالضبط.
واحدة.
أعطته الكوباية.
أخذ رشفة.
ثم قال
لسه أحلى ليمونادة.
ردت إيلي
عشان لسه معمولة في البيت.
جلس جابر أمام الكشك ينظر إلى المكان.
نفس الشارع.
نفس البيت.
لكن كل شيء تغير.
ثم قال
تعرفي إيه أغرب حاجة؟
إيه؟
أنا يومها كنت فاكر إني وقفت عشان أشتري ليمونادة.
ضحكت إيلي.
وأمال وقفت ليه؟
قال
يمكن عشان الحياة كانت عايزة توقفني شوية.
نظرت إليه باستغراب.
من إيه؟
قال
من الجري ورا الفلوس عشان أفتكر ليه أنا أصلًا كنت بجري.
وسكت الاثنان.
كانت الشمس بتغرب بهدوء.
والكشك الصغير مضاء بمصباح بسيط.
وعلى الطاولة، كان هناك دفتر جديد.
فتحه جابر.
وجد إيلي كتبت في أول صفحة
أول مشروع بدأ بكوباية ليمونادة.
وتحتها
وأول درس بدأ ب دولارًا.
ابتسم جابر.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر أن أكبر ثروة حصل عليها في حياته
لم تكن حسابًا مصرفيًا.
كانت فرصة إنه يعمل شيئًا له معنى.
أما إيلي، فكانت لا تزال محتفظة بأول قاعدة تعلمتها من أمها
خدي حقك كامل لكن ما تاخديش حاجة مش من حقك.
وكانت تلك القاعدة هي التي بدأت الحكاية كلها.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه جاية
لأن في اليوم التالي، ظهر أمام كشك الليمونادة رجل عجوز يحمل صورة قديمة جدًا.
وقال لنورا
أنا كنت أعرف والدك.
ثم نظر إلى إيلي.
وعندي لكِ شيء تركه أبوك قبل وفاته وكان ممنوع حد يسلمه لكِ إلا لما تكبري وتفهمي قيمته.
وهنا بدأت قصة جديدة تمامًا نورا بصت للرجل العجوز باستغراب.
إنت كنت تعرف بابا؟
الرجل ابتسم.
أكتر مما تتخيلي.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا.
كان عليه اسم إيلي بخط واضح.
إلى إيلي عندما تصبح قادرة على فهم معنى هذا.
إيلي مدت إيدها للظرف، لكن نورا أوقفتها.
استني.
ثم سألت الرجل
إنت مين؟
قال
اسمي حسان. كنت شريك والدك في أول مشروع اشتغل فيه.
جابر، الذي كان قد وصل في نفس اللحظة، اقترب منهم.
أول مشروع؟
حسان نظر إليه.
ثم ابتسم.
أيوه. وده سبب وجودي هنا.
فتحت إيلي الظرف ببطء.
وجدت بداخله ورقة وصورة قديمة.
الصورة كانت لرجل شاب يقف أمام محل صغير.
وبجواره رجل آخر.
نورا أمسكت الصورة.
وفجأة قالت
ده بابا.
حسان أشار إلى الرجل الثاني.
وده أنا.
جابر نظر للصورة ثم قال
إيه علاقة الصورة بالأرض؟
حسان رد
مفيش علاقة مباشرة.
ثم أضاف
لكن فيها حاجة أهم.
فتح إيلي الورقة.
كانت رسالة من والدها
لو وصلتك الرسالة دي، فمعنى كده إنك كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي إن النجاح مش معناه إن الإنسان يبقى غني.
إيلي بدأت تقرأ بصوت منخفض.
أنا ماقدرتش أسيب لك فلوس كتير، لكن سبت لك حاجة أهم طريقة تعيشي بيها.
توقفت لحظة.
ثم أكملت
اشتغلي بضمير. لو احتجتي، اطلبي المساعدة، لكن ما تسمحيش لحد يسلب منك حقك.
نورا وضعت يدها على فمها من شدة التأثر.
أما جابر فظل صامتًا.
ثم ظهرت ورقة ثانية.
كانت عبارة عن مستند تأسيس مشروع صغير.
حسان قال
والدك كان عنده حلم.
إيه هو؟ سألت إيلي.
كان عايز يعمل مركز لتعليم الأطفال الحرف والمشروعات الصغيرة.
جابر نظر إلى نورا.
يعني كان سابق عصره.
حسان ابتسم.
جدًا.
ثم قال
لكنه ماقدرش يكمل.
سألت إيلي
ليه؟
حسان أجاب
لأنه توفي قبل ما يبدأ.
ساد الصمت.
ثم قال
والدك طلب مني أحافظ على الأوراق لحد ما تكبري.
جابر سأل
والمشروع؟
حسان قال
موجود.
وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
والدك كان مستأجر مكانًا قديمًا، ودفع إيجاره لسنوات مقدمًا.
نورا لم تصدق.
المكان لسه موجود؟
أيوه.
في اليوم التالي، ذهبوا جميعًا إلى المكان.
كان مبنى صغيرًا قديمًا، لكنه متماسك.
فوق الباب لوحة باهتة كتب عليها والد إيلي منذ سنوات
مركز البداية.
إيلي وقفت أمام الباب.
ثم قالت
بابا كان عايز يعمل هنا مدرسة؟
حسان هز رأسه.
مدرسة للحياة.
دخلوا.
كان المكان فارغًا تقريبًا.
لكن على أحد الجدران كانت هناك سبورة قديمة.
وعليها جملة مكتوبة
علّم الطفل كيف يصنع الفرصة بدل ما تعطيه فرصة مؤقتة.
جابر قرأ الجملة أكثر من مرة.
ثم قال
أنا هكمل المشروع.
نورا نظرت إليه.
باسم مين؟
قال
باسم والد إيلي.
لكن إيلي هزت رأسها.
لأ.
الجميع نظر إليها.
قالت
نخليه باسم بابا وماما.
نورا ابتسمت.
ليه أنا؟
إيلي ردت
عشان إنتِ اللي علمتيني كل حاجة.
جابر قال
يبقى الاسم يكون
فكرت إيلي.
ثم كتبت على السبورة
مركز نورا وإيلي للبداية.
حسان ابتسم.
كده والدك هيكون مبسوط.
وبدأ العمل.
جابر تكفل بتجهيز المكان.
نورا تولت الإدارة.
وإيلي بدأت تساعد الأطفال في الحسابات والمشروعات.
لكنها أصرت على قاعدة واحدة
مفيش فلوس مجانية.
كل طفل يحصل على فرصة يتعلم.
كل طفل عنده فكرة يكتبها.
وكل مشروع ناجح يرجع جزء من أرباحه للمركز حتى يساعد طفلًا آخر.
بعد عام، أصبح المركز ممتلئًا بالأطفال.
وفي يوم الافتتاح الرسمي، وقف جابر أمام الحضور.
قال
أنا بدأت الحكاية دي بكوباية ليمونادة.
ضحك الحضور.
لكن الحقيقة إن الكوباية دي فتحت بابًا على قصة أكبر بكتير.
ثم أشار إلى نورا وإيلي.
امرأة علمت ابنتها الأمانة، وابنة قررت تحول الدرس ده إلى مشروع يساعد غيرها.
صفق الجميع.
ثم تقدمت إيلي.
كانت تحمل كوب ليمونادة.
وقفت أمام جابر.
عايز؟
ضحك.
طبعًا.
قالت
دولارين.
أخرج جابر دولارين بالضبط.
أخذ الكوباية.
ثم قال
المرة دي مش هحاول أديكي زيادة.
ضحكت إيلي.
اتعلمت أخيرًا.
هز جابر رأسه.
أيوه.
ثم نظر إلى المركز خلفها.
بس إنتِ كمان علمتيني حاجة.
إيه؟
إن أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان مش الفلوس.
سألته
أمال إيه؟
قال
إنه يسيب وراه حاجة كويسة تكمل بعده.
نظرت إيلي إلى الأطفال الموجودين داخل المركز.
ثم قالت
يبقى إحنا لسه بنبدأ.
ابتسم جابر.
بالضبط.
ومن
متابعة القراءة