بنت صغيرة حكايات توتا
بنت صغيرة رفضت ال دولار الزيادة من ملياردير بعد ما باعته كوباية ليمونادة لكن اللي قالته بعدها خلّاه مش عارف ينطق!
جابر ستيرلينج كان واحدًا من أغنى رجال الأعمال في المدينة.
بدأ من الصفر تقريبًا، وبنى شركته خطوة وراء خطوة، لحد ما بقى اسمه مرتبطًا بالنجاح والصفقات الكبيرة.
كان عنده بيت ضخم، عربيات فارهة، وطائرة خاصة، ومواعيد لا تنتهي.
لكن رغم كل ده، كان جابر يعيش أغلب وقته وسط اجتماعات وأرقام وتقارير.
وفي عصر يوم سبت، قرر يخرج بعربيته من غير هدف واضح.
وأثناء مروره في شارع هادئ، لمح شيئًا غريبًا.
كشك صغير من الخشب، وفوقه لافتة مكتوب عليها
ليمونادة منزلية الكوباية بدولارين.
وخلف الكشك كانت قاعدة بنت صغيرة، عمرها حوالي سبع سنين.
قدامها صندوق فلوس صغير، وبجانبه ورقة وقلم، وكانت بتسجل كل عملية بيع بمنتهى الجدية.
ركن جابر عربيته ونزل.
رفعت البنت عينيها وقالت
تحب ليمونادة؟
ابتسم.
أيوه.
الكوباية بدولارين.
حاضر.
صبّت له الكوباية بعناية.
أخذ جابر رشفة.
اتسعت عيناه بإعجاب.
دي فعلًا حلوة.
ردت البنت بثقة
أنا عارفة.
ضحك جابر.
أخرج ورقة نقدية قيمتها عشرون دولارًا ومدها لها.
خدي الباقي ليكي.
البنت نظرت للورقة، ثم بدأت تعد النقود.
وبعد ثوانٍ، مدت له ثمانية عشر دولارًا.
اتفضل.
استغرب جابر.
قلت لك الباقي ليكي.
هزت رأسها.
مينفعش.
ليه؟
قالت بمنتهى الجدية
لأن الكوباية بدولارين.
جلس جابر على ركبته أمامها وقال
ولو أنا حبيت أديكيهم؟
أجابت
يبقى لازم يكون فيه سبب.
يعني إيه؟
يعني لو عايز تشتري عشر كوبايات، أبيع لك عشر كوبايات. لكن متدينيش فلوس زيادة من غير ما تاخد حاجة مقابلها.
ظل جابر ينظر إليها للحظات.
ثم سأل
مين علمك الكلام ده؟
قالت
ماما.
وفي نفس اللحظة، خرجت امرأة من البيت الصغير خلف الكشك.
كانت في أواخر العشرينات، ترتدي ملابس بسيطة، وفي يدها صينية عليها أكواب جديدة.
قالت
إيلي، خلصي الحسابات وبعدين ساعديني.
ثم انتبهت إلى جابر.
مساء الخير.
رد جابر
مساء النور.
قالت إيلي
ده الزبون اللي حاول يديني فلوس زيادة.
ابتسمت الأم وقالت
هي مابتقبلش زيادة من حد.
سألها جابر
واضح إنكم بتعلموها الاعتماد على نفسها.
ردت الأم
أنا بحاول أخليها تعرف إن الفلوس مهمة، لكن الأهم تعرف تيجي منين وتروح فين.
نظر جابر إلى الكشك.
بتبيعوا الليمونادة عشان تساعدوا البيت؟
سكتت الأم لحظة.
ثم قالت
لأ. إحنا مش بنبيعها عشان نطلب مساعدة من حد.
نظر إليها جابر باهتمام.
أمال ليه؟
ابتسمت إيلي وقالت
عشان عندي هدف.
سألها جابر
إيه هو؟
قالت
عايزة أجيب لماما هدية في عيد ميلادها.
ابتسم جابر.
وإيه الهدية؟
ردت
مش هقول.
ضحك جابر.
سر؟
أيوه.
ثم عادت تعد النقود.
جابر أخذ كوباية الليمونادة ووقف.
كان المفروض يمشي وينسى الموقف كله.
لكنه قبل أن يركب عربيته، سأل الأم
اسمك إيه؟
قالت
نورا.
وأنا جابر.
هزت رأسها بهدوء.
تشرفنا.
ركب جابر سيارته وانطلق.
لكن بعد دقائق، اكتشف أنه لا يفكر في الصفقة التي كان ذاهبًا إليها.
كان يفكر في طفلة رفضت ثمانية عشر دولارًا.
وفي أم علمت بنتها أن المال لا يصبح حلالًا لمجرد أن الشخص الآخر غني.
في تلك الليلة، جلس جابر في مكتبه.
فتح جهاز الكمبيوتر.
أمامه عشرات الملفات، لكنه لم يستطع التركيز.
فجأة تذكر شيئًا.
هو كان قد مر في تلك المنطقة لأنه كان يبحث عن مكان جديد لإقامة مشروع ضخم.
وكان هناك عقار قريب جدًا من بيت نورا.
فتح ملف المشروع.
تجمد مكانه.
العقار الذي تنوي شركته شراءه كان هو نفسه المكان الذي تعيش فيه نورا وابنتها.
وكان هناك قرار نهائي تقريبًا بإخلاء عدة بيوت قديمة في المنطقة لإقامة مشروع تجاري ضخم.
جابر ظل صامتًا.
لأول مرة، لم يرَ العقار كقطعة أرض على خريطة.
رأى الكشك الصغير.
والبنت.
وال دولارًا التي رفضتها.
في صباح اليوم التالي، اتصل بمدير المشروع.
وقف كل الإجراءات المتعلقة بالمنطقة دي.
المدير اتفاجئ
لكن يا أستاذ جابر، الصفقة قربت تخلص.
قلت توقف.
في سبب معين؟
جابر سكت لحظة.
ثم قال
أيوه. عايز أعرف كل بيت هناك، وكل أسرة موجودة فيه، قبل ما ناخد أي قرار.
وبعد ساعات، وصلته التقارير.
كانت هناك مفاجأة أكبر.
المنطقة كلها لم تكن مجرد بيوت قديمة.
كان فيها مجموعة من أصحاب المشروعات الصغيرة، وأسر تعيش هناك منذ عشرات السنين.
والأغرب أن إحدى الوثائق القديمة أثبتت وجود خطأ قانوني في ملكية جزء من الأرض.
جابر بدأ يحقق في الموضوع.
كلما قرأ مستندًا، اكتشف أن هناك شيئًا غير طبيعي.
وفي اليوم الثالث، طلب من محاميه أن يراجع ملفًا قديمًا يعود إلى أكثر من عشرين سنة.
وبين الأوراق وجد اسمًا جعله يتوقف تمامًا.
والد نورا.
اتصل جابر بالمحامي فورًا.
الاسم ده موجود هنا ليه؟
رد المحامي
لأنه كان شريكًا في الأرض زمان.
جابر عقد حاجبيه.
شريك بنسبة كام؟
فتح المحامي الملف.
ثم قال
خمسين بالمئة.
جابر لم يتكلم.
والنصف الآخر؟
قال المحامي
كان باسم والد حضرتك.
ساد الصمت.
جابر شعر أن القصة أكبر بكثير من كشك ليمونادة.
في اليوم التالي، عاد إلى نفس الشارع.
كانت إيلي واقفة خلف الكشك.
أول ما شافته، قالت
رجعت؟
قال
أيوه.
عايز ليمونادة؟
ابتسم جابر.
المرة دي عايز أتكلم مع مامتك.
دخلت إيلي تناديها.
خرجت نورا.
نظر إليها جابر وقال
ممكن نتكلم شوية؟
بدت على وجهها علامات القلق.
حصل حاجة؟
رد جابر
لأ. بالعكس أنا جاي أقول لك إن فيه حاجة لازم تعرفيها عن البيت والأرض دي.
ثم أخرج ملفًا من سيارته.
فتحت نورا أول ورقة.
وما إن قرأت الاسم الموجود عليها
حتى تغير وجهها تمامًا.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوت منخفض
الورقة دي كانت عند بابا.
قال جابر
عارف.
إنت عرفت منين؟
نظر إليها جابر وقال
لأن اسم أبويا موجود جنب اسم أبوكي في نفس العقد.
نورا لم تجد ما تقوله.
أما إيلي، فكانت واقفة بجوار أمها تنظر إلى الورقة دون أن تفهم كل التفاصيل.
ثم قالت فجأة
يعني البيت بتاعنا مش هيضيع؟
نظر جابر إليها.
وقال
لأ.
ثم أضاف
بس لسه فيه سر أكبر من موضوع البيت نفسه.
رفع الملف أمامهم.
وفيه شخص كان عارف بالحقيقة دي من سنين ومخبيها عنكم.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.
لأن جابر لم يكن يعرف أن البحث عن صاحب الليمونادة الصغيرة سيقوده إلى سر قديم يخص عائلته هو شخصيًا.
والأخطر
أن السر كان ممكن يغيّر ملكية الشركة والأرض وكل ما بناه طوال حياته نورا فضلت واقفة مكانها، والورقة في إيدها بتترعش.
قالت
أنا مش فاهمة حاجة بابا عمره ما قال لي إن ليه نص في الأرض دي.
جابر رد بهدوء
وأنا كمان عمري ما سمعت عن الموضوع ده من والدي.
بصت نورا للعقد مرة تانية.
يعني إيه نص الأرض؟
يعني إن والدك ووالدي كانوا شركاء فيها من زمان.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن فيه حاجة غلط.
إيه؟
العقد الأصلي بيقول إن الشراكة كانت مستمرة، لكن في سجلات الشركة الأرض اتنقلت بالكامل باسم والدي بعد وفاة والدك.
نورا شهقت
اتنقلت إزاي؟
ده اللي بحاول أعرفه.
في اللحظة دي، إيلي قربت من أمها وقالت
ماما يعني بابا كان عنده أرض كبيرة؟
نورا نظرت إليها، ولم تعرف بماذا تجيب.
والد إيلي كان قد توفي منذ سنوات، وكانت نورا دائمًا تحكي لابنتها أنه كان رجلًا بسيطًا يحب العمل ويترك لهم القليل.
لكنها لم تتخيل يومًا أن والدها كان شريكًا في أرض أصبحت تساوي ملايين.
جابر قال
أنا مش هآخد قرار واحد في الموضوع ده قبل ما نعرف الحقيقة.
نورا رفعت رأسها.
حتى لو الحقيقة هتخسّرك؟
أجاب فورًا
حتى لو خسرت كل الصفقة.
ثم أخذ الملف وعاد إلى سيارته.
لكن قبل أن يتحرك، سمع صوت إيلي
يا أستاذ جابر!
التفت.
قالت
نسيت حاجة.
مدت له ال دولارًا.
دي بتاعتك.
ضحك جابر لأول مرة من قلبه.
لسه فاكرة؟
طبعًا.
أخذها منها وقال
خليهم معاكي.
هزت رأسها.
لأ.
فكر لحظة، ثم قال
خلاص. بكرة أشتري منك تسع كوبايات ليمونادة.
حسبت إيلي بسرعة.
تسع كوبايات ب دولار.
بالضبط.
ابتسمت.
اتفقنا.
في اليوم التالي، بدأ جابر تحقيقه.
استدعى المحامي القديم الذي كان يعمل مع والده.
الرجل كان قد تقاعد منذ سنوات، لكنه عندما رأى صورة العقد، تغير وجهه.
قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
جابر اتوتر.
كنت عارف إيه؟
أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا من درج مكتبه.
وقال
والدك سلّمني ده قبل وفاته.
فتح جابر الصندوق.
وجد داخله نسخة من العقد الأصلي، وإيصالًا قديمًا، ورسالة مكتوبة بخط يد والده.
قرأ جابر الرسالة.
كانت قصيرة
النصف الآخر من الأرض حق لشريك ابني، ولا يجوز لأحد أن يستولي عليه مهما حدث.
جابر رفع عينيه.
طيب ليه الأرض اتسجلت كلها باسم والدي؟
المحامي تنهد.
لأن والدك اكتشف إن فيه شخصًا كان بيحاول يغيّر الأوراق بعد وفاة شريكه.
مين؟
الرجل سكت.
لازم تقول لي.
الشخص ده كان مسؤولًا عن ملفات الشركة وقتها.
اسمه؟
قال المحامي
فؤاد منصور.
تجمد جابر.
فؤاد منصور كان من أقدم رجال الإدارة في شركته الحالية.
الرجل الذي وثق فيه والده لسنوات.
والرجل نفسه الذي أصبح مستشارًا لجابر بعد وفاة والده.
اتصل به جابر فورًا.
محتاج أشوفك.
جاء فؤاد إلى المكتب بعد ساعة.
وضع جابر العقد أمامه.
تعرف الورقة دي؟
فؤاد نظر إليها.
لم يجب.
جابر كرر
سألتك. تعرفها؟
قال فؤاد
دي أوراق قديمة جدًا.
بس أنت كنت مسؤول عنها.
سكت فؤاد.
ثم قال
والدك طلب مني وقتها أتعامل مع الموضوع.
تعاملت إزاي؟
نفذت تعليماته.
جابر ضرب بإصبعه على الورقة.
التعليمات كانت إن نصف الأرض يفضل باسم شريك والدي.
فؤاد قال
والدك كان عنده سبب.
إيه السبب؟
فؤاد لم يرد.
جابر وقف.
أنا مش هخرج من هنا غير لما أعرف الحقيقة.
بعد لحظات طويلة، قال فؤاد
والدك اكتشف إن شريكك القديم كان مديونًا.
وإيه علاقة ده؟
كان فيه دائنين بيحاولوا ياخدوا نص الأرض.
فوالدي سجّلها كلها باسمه؟
مؤقتًا.
جابر صمت.
مؤقتًا؟
أيوه.
وفضلت مؤقتًا عشرين سنة؟
لم يرد فؤاد.
وهنا فهم جابر أن الموضوع لم يكن مجرد خطأ إداري.
كان هناك سر تم دفنه لسنوات.
وفي نفس اليوم، ذهب جابر إلى نورا.
وضع أمامها الأوراق الجديدة.
قال
والدك كان شريكًا حقيقيًا في الأرض.
نورا قالت
وإيه اللي حصل؟
لسه بنعرف.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لكن فيه حاجة لازم تشوفيها.
كانت قائمة بمبالغ مالية.
نورا قرأت الأرقام، ثم رفعت عينيها بدهشة.
دي إيه؟
أرباح الأرض خلال السنوات الماضية.
سكتت.
جابر قال
نص الأرباح دي كان من حق والدك.
نورا لم تصدق.
يعني بابا كان له حق في كل ده؟
أيوه.
سألت بصوت مكسور
وحقه ضاع؟
رد جابر
لا.
ثم قال بحزم
حقه هيرجع.
نورا نظرت إليه طويلًا.
حتى لو ده هيأثر على شركتك؟
ابتسم جابر.
أنا بنيت الشركة عشان أكون صاحب قرار.
ثم نظر إلى