القائد حكاية ليلى
القائد سكب العصير على رأس المجندة الجديدة ليذلّها أمام الشركة كلها... لكنه لم يكن يعرف من تكون!
من كام يوم، بدأت شائعات غريبة تنتشر داخل الوحدة العسكرية.
مجندة جديدة وصلت للوحدة، لكن محدش كان عارف عنها معلومات واضحة.
واحد يقول
دي جاية من وحدة تانية.
والتاني يرد
لأ، دي لسه متخرجة من الأكاديمية.
وثالث يقول
أنا سمعت إن ملفها سري.
لكن أكتر حاجة كانت محيرة للجميع...
إنها كانت بتتحرك وسط الوحدة بهدوء شديد، وكأنها عارفة المكان من زمان.
لا بتسأل كتير، ولا بتحاول تلفت الانتباه، ولا بتتكلم عن نفسها.
وفي يوم وقت الغدا، دخلت صالة الطعام وقعدت في آخر ترابيزة لوحدها.
كانت بتاكل بهدوء، بينما معظم الموجودين بدأوا يراقبوها.
في الناحية التانية من الصالة، كان قائد السرية مارك واقف بيتابعها.
مارك كان من النوع اللي بيحب يثبت سلطته على كل شخص جديد.
وكان مقتنع إن أول يوم لأي مجند في الوحدة لازم يكون درسًا في الطاعة.
اقترب من ترابيزتها وقال
إنتِ الجديدة؟
رفعت عينيها وقالت
أيوه يا فندم.
قال
اسمك؟
ذكرت اسمها بهدوء.
سألها
ورتبتك؟
ردت
موجودة في ملف خدمتي يا فندم.
مارك ضيق عينيه.
أنا بسألك هنا.
قالت
رتبة حضرتك أعلى مني، وأنا ملتزمة بكل التعليمات العسكرية.
رد عليها
واضح إن عندك كلام كتير.
ثم أضاف
عندنا في الوحدة أي فرد جديد لازم يعرف مين المسؤول عنه.
قالت
تمام يا فندم.
ثم عادت لأكلها.
مارك وقف لحظة.
كان منتظر إنها تقوم وتعتذر.
لكنها لم تفعل.
فقال بنبرة ساخرة
إنتِ فاكرة نفسك فين؟
رفعت رأسها مرة ثانية.
في وحدة عسكرية يا فندم.
بعض الجنود بصوا لبعض.
مارك شعر إن الموقف بدأ يفلت من إيده.
فقال
وأنا القائد هنا.
ردت بهدوء
وأنا عارفة.
طيب ليه مش واقفة؟
قالت
حضرتك مفيش عندك أمر مباشر إني أقف.
الصالة سكتت تمامًا.
مارك اتوتر.
كان ممكن ينهي الموقف بأمر رسمي، لكنه كان يريد أن يحرجها أمام الجميع.
مد يده إلى كوب العصير الموجود على أقرب ترابيزة.
وقال
واضح إنك محتاجة تتعلمي الأدب بالطريقة الصعبة.
ثم رفع الكوب...
وسكب العصير كله فوق رأسها.
توقفت الأصوات في الصالة.
العصير نزل على شعرها وملابسها.
مارك ابتسم وقال
يمكن كده تفهمي إنك مش أهم من باقي الناس.
انتظر أن تنهار.
لكنها لم تبكِ.
ولم تصرخ.
ولم ترد عليه بإهانة.
فقط رفعت رأسها ببطء.
مسحت العصير من على وجهها.
ثم أدخلت يدها في جيب بدلتها العسكرية.
وأخرجت بطاقة صغيرة مغلفة بعناية.
مدتها أمام مارك.
قالت
حضرتك محتاج تشوف دي.
مارك أخذ البطاقة.
قرأ السطر الأول...
فتغير وجهه.
قرأ السطر الثاني...
فابتلع ريقه.
أما الجنود، فلم يفهموا ما الذي يحدث.
مارك رفع عينيه إليها وقال بصوت منخفض
إنتِ...
قاطعته
أيوه يا فندم.
ثم أضافت
أنا مش مجندة جديدة.
ساد الصمت.
واحد من الجنود قال بصوت خافت
أمال هي مين؟
المجندة أخذت البطاقة من يد مارك، ورفعتها أمام الموجودين.
كان عليها شعار القيادة، وتحت الشعار اسمها ورتبتها الحقيقية.
ثم قالت
أنا العقيد المكلف بالتفتيش المفاجئ على الوحدة.
تجمد الجميع.
مارك ظل واقفًا في مكانه.
قالت
وجودي هنا من ثلاثة أيام كان جزءًا من مهمة رسمية.
ثم نظرت إلى ملابسها المبتلة وأضافت
وكل تصرف حصل من لحظة دخولي للوحدة تم تسجيله.
مارك حاول التماسك وقال
تسجيل إيه؟
رفعت جهازًا صغيرًا كانت تخفيه في جيبها.
وقالت
تسجيل التعامل مع الأفراد، واحترام اللوائح، واستخدام السلطة.
ثم أضافت
لكن اللي حصل من حضرتك من شوية... كان أهم دليل.
بدأ الجنود ينظرون إلى بعضهم.
أما مارك ففقد كل قدرته على الكلام.
قالت له
حضرتك مش هتتحاسب عشان العصير.
سكتت لحظة.
ثم قالت
هتتحاسب لأنك استخدمت رتبتك لإهانة فرد تحت قيادتك، واخترعت تعليمات غير موجودة، وحاولت إجبارها على تنفيذ أوامر لا أساس لها.
مارك قال بسرعة
أنا كنت باختبرها.
ردت
الاختبار العسكري له إجراءات واضحة.
ثم رفعت الملف الذي كان معها.
والإهانة مش واحدة منها.
بعدها دخل ضابطان من القيادة إلى الصالة.
أحدهما قال
العقيد، اللجنة جاهزة.
نظرت إلى مارك وقالت
وأنا كمان جاهزة.
ثم التفتت إلى جميع الجنود
وعايزة أوضح حاجة واحدة.
سكت الجميع.
قالت
الرتبة مسؤولية، مش وسيلة لإذلال الناس.
ثم غادرت الصالة برفقة الضابطين.
أما مارك...
فبقي واقفًا مكانه، بينما بدأ الجنود يستوعبون إن الشخص اللي حاول يهينه أمام الجميع...
كان في الحقيقة هو اللي وقع في الاختبار.
وفي اليوم التالي، وصل قرار رسمي إلى الوحدة.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في العقوبة...
بل في الشخص الذي اختارته القيادة بدلًا منه لإدارة السرية.
فهل تتوقعوا مين كان؟
يتبع... الجزء الثاني القرار اللي قلب الوحدة كلها
في صباح اليوم التالي، كانت الوحدة كلها واقفة في ساحة التجمع.
الجنود لاحظوا إن الجو مختلف.
مفيش هزار.
مفيش كلام جانبي.
وحتى الضباط كانوا واقفين بملامح متوترة.
وبعد دقائق، خرج ضابط كبير من مبنى القيادة، وفي إيده ملف أسود.
وقف أمام الجميع وقال
بناءً على تقرير لجنة التفتيش، تم إيقاف القائد مارك عن مهامه لحين انتهاء التحقيق.
انتشرت همهمات بين الجنود.
واحد منهم قال لصاحبه بصوت منخفض
يعني الموضوع طلع جد!
لكن الضابط كمل
وتم تكليف قائد جديد بإدارة السرية مؤقتًا.
ثم فتح الملف وقال
العقيد ليلى منصور.
الجنود بصوا لبعض بدهشة.
وبعد ثواني، ظهرت نفس المجندة التي سكب مارك العصير على رأسها في اليوم السابق.
لكن المرة دي...
كانت ترتدي الزي الرسمي برتبة العقيد.
الصالة كلها تقريبًا اتجمدت.
ليلى وقفت أمامهم وقالت
صباح الخير.
الجميع رد بصوت واحد
صباح الخير يا فندم.
نظرت إلى الصفوف.
ثم قالت
أنا مش جاية هنا عشان أعاقب حد.
سكتت لحظة.
أنا جاية أعرف الحقيقة.
أخرجت ملفًا وقالت
لأن التقرير الأول اللي وصل للقيادة فيه مشاكل أكبر من اللي حصل في صالة الطعام.
بدأت علامات القلق تظهر على وجوه بعض الضباط.
أحدهم سأل
مشاكل من أي نوع يا فندم؟
قالت
أوامر مكتوبة تم تعديلها بدون اعتماد.
ثم أضافت
تقارير تدريب ناقصة.
ثم رفعت ورقة أخرى
وبيانات عن معدات موجودة في السجلات، لكن مش موجودة فعليًا في المخزن.
الصمت أصبح ثقيلًا.
ليلى قالت
وده معناه إن اللي حصل معايا امبارح كان مجرد بداية.
ثم التفتت إلى مسؤول المخازن.
الرقيب سامح.
تقدم خطوة.
نعم يا فندم.
هات مفاتيح المخزن الرئيسي.
ارتبك الرجل.
دلوقتي يا فندم؟
أيوه، دلوقتي.
تحرك بسرعة.
وبعد دقائق، كانت ليلى داخل المخزن ومعها لجنة صغيرة.
بدأوا يطابقوا السجلات بالموجود فعليًا.
صندوق وراء صندوق.
قطعة وراء قطعة.
وفجأة...
توقفت ليلى أمام رف معين.
قالت
الصندوق رقم 17.
فتح أحد الجنود الصندوق.
كان المفروض يحتوي على معدات كاملة.
لكن الصندوق كان شبه فارغ.
رفعت ليلى رأسها.
مين المسؤول عن استلام الصندوق ده؟
الكل سكت.
ثم قال أحد الجنود
التقرير بيقول إن القائد مارك بنفسه استلمه.
ليلى لم تتكلم.
طلبت نسخة من التقرير.
وبعد دقائق، لاحظت شيئًا غريبًا.
التوقيع الموجود على الورقة...
لم يكن توقيع مارك.
كان توقيعًا مزورًا.
رفعت الورقة وقالت
يبقى عندنا شخص تاني.
وفي اللحظة دي، دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
قال
يا فندم، لقينا حاجة مهمة في غرفة الأرشيف.
إيه؟
كاميرا قديمة كانت مركونة هناك.
شغالة؟
أيوه يا فندم.
ليلى قالت
شغلوها.
وبعد دقائق، ظهر تسجيل قديم على الشاشة.
كان يظهر فيه أحد الضباط وهو يدخل غرفة الأرشيف في وقت متأخر من الليل.
ثم يخرج ومعه ملف.
ليلى قربت من الشاشة.
الصورة لم تكن واضحة.
لكنها قالت
وقف هنا.
أوقف الجندي التسجيل.
كبر الصورة.
كبرها.
الضابط الموجود في التسجيل كان واضحًا بدرجة كافية.
واحد من الجنود شهق وقال
ده...
ليلى ردت
أيوه.
ثم نظرت إلى الموجودين.
ده نائب قائد السرية.
الكل اتصدم.
لكن المفاجأة لم تنتهِ.
لأن الهاتف الموجود على مكتب نائب القائد بدأ يرن في نفس اللحظة.
أحد الجنود رد.
ثم أعطى الهاتف لليلى.
يا فندم، المتصل بيقول إنه من القيادة المركزية.
أخذت الهاتف.
معاك العقيد ليلى.
جاءها صوت الرجل من الطرف الآخر
العقيد، لازم تسمعي الكلام ده بعيد عن باقي الموجودين.
ليلى سكتت.
ثم قالت
اتفضل.
صمت الرجل ثواني.
وقال
إحنا اكتشفنا إن فيه ملف كامل اختفى من سجلات الوحدة.
سألت
ملف إيه؟
قال
ملفك أنتِ.
تغيرت ملامح ليلى لأول مرة.
ملفي؟
أيوه.
ثم أضاف
والأغرب إن حد حاول يمسح كل البيانات المتعلقة بمهمتك هنا قبل ما توصلي.
ليلى نظرت إلى شاشة المراقبة.
ثم إلى نائب قائد السرية.
وقالت بهدوء
كده فهمت.
الرجل سأل
فهمتي إيه؟
قالت
إن اللي حصل معايا امبارح ماكانش مجرد تصرف فردي.
ثم أغلقت الهاتف.
وفي نفس اللحظة...
وصلتها رسالة على هاتفها.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي مين اللي مسح ملفك... دوري تحت مكتب القائد القديم.
ليلى رفعت عينيها ببطء.
ثم قالت
محدش يتحرك.
واتجهت مباشرة إلى مكتب مارك.
لكنها لم تكن تعرف أن تحت المكتب...
كان هناك شيء مخبأ من فترة طويلة.
شيء لو ظهر للقيادة...
هيغيّر القضية كلها الجزء الثالث السر المدفون تحت مكتب القائد
دخلت ليلى مكتب مارك، والضباط وراها.
قفلت الباب وقالت
محدش يلمس حاجة.
وقفت قدام المكتب وبصت تحته.
في البداية مفيش أي حاجة غريبة.
لكنها لاحظت إن واحدة من أرجل المكتب مختلفة عن التلاتة الباقيين.
انحنت ولمستها.
كانت بتتحرك.
قالت
هاتوا مفك.
بعد دقائق، فك أحد الجنود الجزء السفلي من المكتب.
وفجأة...
وقع صندوق معدني صغير على الأرض.
الكل سكت.
ليلى لبست قفازاتها وفتحت الصندوق.
جواه كان فيه فلاشة إلكترونية، ودفتر صغير، ومجموعة أوراق.
فتحت الدفتر.
أول صفحة كانت فيها أرقام وتواريخ وأسماء.
بدأت تقرأ.
ثم توقفت.
الأسماء دي مش كلها موجودة في الوحدة.
قال أحد الضباط
يعني إيه؟
ردت
يعني حد كان بيستخدم أسماء أفراد حقيقيين في سجلات مش حقيقية.
فتحت ورقة أخرى.
كانت عبارة عن كشوف استلام معدات.
راجعتها بسرعة.
ثم قالت
الأرقام دي مطابقة للأرقام اللي اختفت من المخزن.
أحد الضباط سأل
يبقى مارك هو اللي عمل كده؟
ليلى هزت رأسها.
مش بالضرورة.
ثم أشارت إلى التوقيعات.
مارك غلطان في حاجات كتير، لكن التوقيعات دي مش توقيعه.
سألها الضابط
أمال مين؟
قبل ما تجاوب...
سمعوا صوت طرق قوي على الباب.
فتح أحد الجنود.
كان نائب قائد السرية واقفًا.
قال
عرفتوا إيه؟
ليلى بصت له.
تعالى.
دخل.
وحين رأى الصندوق المفتوح...
تغير وجهه.
ليلى لاحظت التغيير فورًا.
قالت
تعرف الصندوق ده؟
رد بسرعة
لأ.
قالت
غريبة.
ثم رفعت الدفتر.
لأن اسمك موجود هنا.
تجمد مكانه.
حاول يضحك وقال
أكيد تشابه أسماء.
ليلى فتحت صفحة أخرى.
واسمك موجود هنا كمان.
ثم صفحة ثالثة.
وهنا.
اختفت ابتسامته.
قال
أنا مش فاهم حاجة.
ليلى اقتربت من المكتب وقالت
طيب هنسأل سؤال بسيط.
ثم أشارت إلى الكاميرا الموجودة في الغرفة.
ليه التسجيل أظهر إنك دخلت الأرشيف في نفس الليلة اللي اختفى فيها الملف؟
لم يرد.
قالت
وليه بعد دخولك بدقائق اتفتح درج خاص بملفات القيادة؟
ظل صامتًا.
ثم قال
أنا كنت بنفذ تعليمات.
سألته
تعليمات مين؟
لم يجب.
كرر السؤال
تعليمات مين؟
قال أخيرًا
مش هقدر أقول.
ليلى ردت بهدوء
يبقى التحقيق هيخليّك تقول.
لكن قبل أن يأخذه الجنود...
وصل اتصال عاجل من القيادة.
ردت ليلى.
جاءها صوت متوتر
العقيد، عندنا مشكلة.
إيه؟
الفلاشة اللي عندك مهمة جدًا.
نظرت ليلى إليها.
ليه؟
قال
لأنها مش مجرد بيانات عن الوحدة.
سكت لحظة.
ثم قال
عليها نسخة من نظام الأرشيف العسكري بالكامل.
ليلى اتجمدت.
إزاي؟
لو الفلاشة اتفتحت على جهاز متصل بالشبكة، ممكن تتسبب في حذف أو تعديل سجلات مهمة.
ليلى نظرت إلى الفلاشة.
ثم قالت
محدش هيوصلها بأي جهاز.
وأعطتها لأحد أفراد اللجنة داخل ظرف خاص.
لكن في اللحظة نفسها...
سمعوا صوت إنذار في مبنى القيادة.
واحد من الجنود جرى ناحية النافذة وقال
يا فندم!
إيه؟
فيه حد بيخرج من البوابة الخلفية!
ليلى خرجت بسرعة.
وجدت سيارة تحاول مغادرة الوحدة.
أمرت الحراسة بإغلاق البوابة.
توقفت السيارة.
ونزل منها رجل بملابس مدنية.
اقتربت منه ليلى وقالت
بطاقتك.
أعطاها البطاقة.
نظرت إليها.
ثم رفعت عينيها بدهشة.
إنت مين؟
الرجل قال
الشخص اللي بعت لك الرسالة.
ساد الصمت.
ليلى سألته
إنت اللي حذرتني؟
قال
أيوه.
وإنت كنت بتراقب الوحدة من إمتى؟
قال
من قبل ما حضرتك توصلي.
ثم أضاف جملة جعلت ليلى تسكت تمامًا
لكن فيه حاجة أهم من كل اللي لقيتيه.
إيه؟
قال
القائد مارك ماكانش هو الهدف.
ليلى عقدت حاجبيها.
أمال مين؟
الرجل نظر حوله، ثم قال
الهدف الحقيقي...
هو أنتِ.
وفي اللحظة دي، انطفأت أنوار الوحدة بالكامل.
وساد الظلام.
ثم سُمع صوت إنذار آخر من داخل مبنى القيادة.
ليلى قالت فورًا
اقفلوا كل المخارج!
لكن قبل أن يتحرك أحد...
جاء صوت من جهاز الاتصال
يا فندم...
اتفضل.
الصندوق اللي كان في مكتب مارك...
ماله؟
قال الجندي