سمعت امى

لمحة نيوز

عشان الفلوس.
قررنا وقتها ننفذ وصية جدي.
نرمم البيت القديم.
ونحول جزء منه إلى مركز تعليمي مجاني لأطفال القرية.
أما الأرض، فجزء منها يتباع لتمويل المشروع، والباقي يظل استثمارًا لكل واحدة من البنات حسب نصيبها.
بعد شهور، المشروع بدأ فعلًا.
سارة كانت مسؤولة عن أنشطة الأطفال.
وأنا توليت الحسابات والإدارة المالية.
وأبويا وعمي تابعوا الإجراءات.
وأمي كانت تهتم بالبيت والمكان.
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام الباب.
كان فوقه لافتة مكتوب عليها
مركز جدي للتعليم والمعرفة
بصيت للاسم وابتسمت.
سارة وقفت جنبي وقالت
تفتكري لو جدي كان موجود كان هيبقى مبسوط؟
قلت
أكيد.
وبعدين ضحكت وقلت
بس كان هيزعق لنا على موضوع الشقة.
ضحكنا.
وبعد الافتتاح، رجعنا البيت القديم.
أبويا طلع صندوق جدي مرة تانية.
وقال
لسه فيه حاجة.
بصيت له باستغراب.
إيه تاني؟
طلع ظرف جديد.
وعليه اسمي.
فتحته.
وكانت جواه رسالة قصيرة.
قرأت أول سطر
ندى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى حصل خلاف بينكم على شيء مادي...
وقفت.
ثم أكملت
ومتستغربيش... أنا كنت متوقع ده من زمان.
رفعت عيني لأبويا.
كلنا سكتنا.
لأن واضح إن جدي كان يعرف عيلتنا أكثر مما كنا نعتقد.
لكن السطر الأخير...
كان هو المفاجأة الحقيقية
ولو قدرتوا تحافظوا على بعض، يبقى أنتم كده حافظتم على أعظم ميراث تركته لكم.
قفلت الرسالة.
وبصيت لأختي.
المرة دي ما كانش فيه شقة بتتقسم.
ولا فلوس بتتوزع.
كان فيه شيء أهم.
عيلة اتعلمت إن الحق لا يُؤخذ بالسكوت، وإن المساعدة لا تكون على حساب حق شخص آخر.
أما الشقة؟
ندى لم تندم على بيعها.
لأنها اكتشفت أن قيمتها الحقيقية لم تكن في الحيطان...
بل في الدرس الذي جعلها تعرف قيمة نفسها وحقها.
ومن يومها، كل قرار يخص أي فرد في العيلة كان له قاعدة واحدة
نسأل صاحب الحق الأول.
وانتهت الحكاية...
لكن هذه المرة، انتهت العيلة وهي أقرب لبعض، من غير ما حد يخسر حقه بعد افتتاح المركز بشهرين، كنت فاكرة إن الحكاية خلصت.
لكن في صباح يوم جمعة، وأنا في شغلي، جالي اتصال من رقم غريب.
ألو؟
صوت رجل كبير قال
حضرتك ندى بنت الحاج أحمد؟
أيوه.
أنا محامي جدك القديم.
سكتُّ لحظة.
محامي جدي؟
أيوه. وعندي أمانة كان موصيني أسلمها لكِ شخصيًا.
قلت
أمانة إيه؟
رد
مش هقدر أقول في التليفون. لازم تيجي مكتبي.
روحت له في نفس اليوم.
أول ما دخلت، أخرج ملفًا بنيًا قديمًا.
قال
جدك سلّمني الملف ده قبل وفاته.
فتحته.
لقيت أوراق ملكية، وإيصالات، وصورًا قديمة للمركز قبل ما يتحول لمركز تعليمي.
لكن في آخر الملف كان فيه عقد غريب.
سألته
العقد ده خاص بإيه؟
قال
ده أهم مستند في الملف.
قريت العنوان.
كان مكتوب
منحة تعليمية باسم أحفاد الحاج محمود.
رفعت عيني
يعني إيه منحة؟
قال
جدك كان بيخصص جزءًا من أرباح ممتلكاته لتعليم أحفاده وأولادهم.
اتصدمت.
بس إحنا عمرنا ما عرفنا.
ابتسم المحامي
لأن جدك كان عامل شرط.
إيه الشرط؟
إن الفلوس دي ما تتصرفش على رفاهية أي حد. تكون للتعليم أو بداية مشروع أو شراء مسكن.
سكت شوية ثم قال
والجزء الأكبر من المبلغ لسه موجود.
قلبي دق بسرعة.
قد إيه؟
أعطاني كشف الحساب.
بصيت للرقم.
مليونان وسبعمائة ألف جنيه.
فضلت ساكتة.
المبلغ ده باسمنا كلنا؟
جزء منه لكِ، وجزء لأختك، وجزء مخصص لأولادها مستقبلًا.
رجعت البيت وأنا مش عارفة أقول لأهلي إيه.
لكن أول ما حكيت لهم، أبويا رفض ياخد أي جنيه.
قال
ده حقك وحق أختك. أنا مش هاخد منه حاجة.
سارة قالت
وأنا كمان مش عايزة فلوس زيادة.
بصيت لهم وقلت
يبقى نعمل حاجة أحسن.
سألوني
إيه؟
قلت
نوسع المركز.
وبالفعل، استخدمنا جزءًا من المبلغ لتجهيز قاعة كمبيوتر، ومكتبة، وفصول إضافية.
أما نصيب كل واحدة، فاحتفظنا به كما طلب جدي.
بعد عدة أشهر، أصبح المركز معروفًا في القرية.
وفي يوم الافتتاح الرسمي للتوسعة، جاء عدد كبير من الأهالي.
كان فيه أطفال دخلوا المكان لأول مرة، وكل واحد في إيده كتاب جديد.
وقفت بعيد أراقبهم.
فجاءت سارة وقالت
فاكرة يوم عربية النقل؟
ضحكت.
إزاي أنساه؟
قالت
أنا يومها كنت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتي إني مش لاقية شقة.
بصيت لها.
وأنا كنت فاكرة إن أكبر مشكلة عندي إن أهلي حاولوا ياخدوا شقتي.
سكتنا لحظة.
ثم قالت
طلع الموضوع كله كان بداية لحاجة أكبر.
هزيت رأسي.
أيوه.
في نفس اللحظة، أبويا نادانا.
كان واقف أمام لوحة كبيرة عليها صورة جدي.
قال
تعالوا.
ذهبنا إليه.
أشار إلى اللوحة.
وتحت الصورة كانت هناك جملة واحدة
الميراث الحقيقي هو ما تتركه في حياة الناس، لا ما تتركه في خزائنهم.
وقفت أمامها طويلًا.
وفهمت أخيرًا لماذا حدث كل شيء.
لو أهلي سألوني من البداية، كنت ممكن أرفض.
ولو رفضت، كان الخلاف ممكن يكبر.
لكن اللي حصل كشف لنا خطأ أكبر
كنا بنقيس الأمان بالبيوت والفلوس، بينما جدي كان بيقيسه بحاجة مختلفة.
بالثقة.
وبالعدل.
وبإن كل واحد يعرف حقه ويحترم حق غيره.
وبعد انتهاء الافتتاح، رجعت البيت.
لقيت ظرفًا صغيرًا على الترابيزة.
نفس خط جدي.
فتحت الظرف.
وكانت فيه جملة واحدة فقط
دلوقتي أقدر أقول إنكم فهمتوا.
ابتسمت.
وحطيت الرسالة داخل الدفتر القديم.
لكن وأنا بقفله...
لاحظت إن فيه صفحة لم نقرأها من قبل.
صفحة عليها تاريخ قبل وفاة جدي بأيام قليلة.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب
هذه آخر وصية... ولا تُفتح إلا إذا اجتمعت ندى وسارة معًا.
بصيت لسارة.
وقالت
واضح إن جدنا لسه مخبي لنا مفاجأة.
فتحنا الصفحة...
وكان أول سطر فيها
أنا عارف إن يومًا سيأتي وتختلفان على شيء...
ثم توقفنا عند السطر التالي.
لأن جدي كان كاتب اسم شخص ثالث...
لم يكن أحد منا يعرف أنه أحد ورثة العائلة أصلًا بصيت للاسم المكتوب في آخر الصفحة، وسألت أبويا
مين الشخص ده؟
أبويا أخذ الورقة من إيدي.
قرأ الاسم مرة.
وبعدين مرة تانية.
وشه اتغير.
مش معقول...
سارة قربت منه
مين يا بابا؟
قال بصوت منخفض
يوسف.
قلت
مين يوسف؟
أبويا سكت طويلًا.
ثم قال
ابن عم أبويا.
استغربت
بس إحنا عمرنا ما سمعنا عنه.
لأننا افتكرنا إنه مات من سنين.
عمي محمود كان واقف بعيد، وفجأة قال
لا.
كلنا بصينا له.
قال
يوسف عايش.
اتصدمت.
إنت متأكد؟
هز رأسه.
قابلته من حوالي عشر سنين، وبعدها انقطعت أخبارنا عنه.
سألته
وليه جدي كتب اسمه؟
عمي قال
لازم نعرف.
في اليوم التالي، بدأنا نبحث عنه.
وبعد ساعات من الاتصالات، وصلنا لعنوانه.
كان يعيش في مدينة صغيرة في الصعيد، بعيدًا عن العيلة كلها.
سافرنا له.
لما فتح الباب وشاف أبويا وعمي، فضل واقف مكانه ثواني.
ثم قال
كنت مستني اليوم ده.
أبويا سأله
جدي كتب اسمك في وصيته.
يوسف ابتسم بحزن.
عارف.
اتصدمت.
عارف؟
قال
جدك كلمني قبل وفاته بأيام.
أخرج من جيبه دفترًا صغيرًا.
وسلمني ده.
فتح الدفتر.
كانت فيه حسابات قديمة، وأسماء ناس من العيلة.
وفي الصفحة الأخيرة كان فيه اسم ندى وسارة.
قلت
ليه أسماؤنا؟
يوسف قال
جدكم كان عايز يضمن إن كل واحدة فيكم يكون ليها حق مستقل، وما يحصلش اللي حصل بين إخوات العيلة زمان.
أبويا سأله
يعني إيه اللي حصل؟
قال يوسف
أبوك كان عنده أخ اسمه حسن.
أبويا اتجمد.
حسن؟
أيوه.
سارة سألت
هو فين؟
يوسف رد
مات من سنين.
ثم أضاف
لكن كان عنده بنت.
سكت الجميع.
قلت
بنت؟
يوسف أومأ.
أيوه. ودي آخر مفاجأة في وصية جدكم.
أخرج ورقة.
وقال
جدكم كان عارف إنها موجودة، لكنه ما قدرش يوصل لها وقتها.
أبويا أخذ الورقة.
وقرأ العنوان.
ثم رفع عينيه نحونا.
هي عايشة في القاهرة.
قلت
يعني عندنا قريبة وإحنا ما نعرفهاش؟
يوسف قال
وجدكم ترك لها حقًا في جزء من الممتلكات.
سارة سألت
طيب ليه ما قالش لنا؟
رد يوسف
لأنه كان عايز يتأكد الأول إنكم هتتعاملوا مع بعض بالعدل.
سكتنا.
وفجأة فهمت معنى الرسالة كلها.
جدي لم يكن يترك لنا مجرد أموال.
كان يحاول يصلح أخطاء قديمة امتدت لسنين.
وفي اليوم التالي، بحثنا عن ابنة عم أبي.
وبعد عدة محاولات، وجدناها.
كانت امرأة بسيطة اسمها مريم.
لما أبويا قال لها
أنا أحمد... ابن عم والدك.
سكتت.
ثم قالت
أبويا كان دايمًا بيقول إن ليه عيلة في القاهرة.
أبويا رد
وإحنا كنا فاكرين إنك مش موجودة.
قالت
أنا موجودة... بس محدش سأل عني.
الجملة دي وجعتني.
لأنها فكرتني باللي حصل معايا.
واحد يتقرر مصيره من غير ما حد يسأله.
أخرج أبويا الأوراق وقال
إنتِ ليكي حق قانوني في جزء من تركة جدك.
مريم رفضت في البداية.
لكن بعد مراجعة المحامي، اتأكدنا إن حقها ثابت.
وقتها قلت لها
ده حقك، ومحدش له فضل عليكِ فيه.
ابتسمت.
ولأول مرة، بدأت العيلة تكبر من جديد.
مش بالعدد...
لكن بالعدل.
وبعد أسابيع، اجتمعنا كلنا في مركز جدي.
وضعت صورة جدي في منتصف القاعة.
وقلت
يمكن أكبر غلطة عملناها إننا كنا فاكرين إن العيلة معناها إننا نقرر لبعض.
سارة قالت
لكن النهارده كل واحد عارف حقه.
أبويا أضاف
واللي حصل مع ندى كان درس لينا كلنا.
أما مريم فقالت
وأنا كنت فاكرة إني فقدت عيلتي من زمان.
نظرت إليها وقلت
العيلة ممكن تتأخر... بس لو فيها عدل، تقدر ترجع.
وفي نهاية اليوم، فتحنا آخر صفحة من وصية جدي.
وكان مكتوب فيها
لو وصلتم إلى هذه الصفحة، فاعلموا أن المال لم يكن الاختبار الحقيقي. الاختبار كان هل ستختارون الحق حتى عندما يكون ضد مصلحتكم؟
بصيت لأبي.
ثم لسارة.
ثم لمريم.
وكانت الإجابة واضحة.
أيوه.
لكن قبل ما نغلق الملف، لاحظت شيئًا
تم نسخ الرابط