حماتى ست كبيره منال على
أنا اسمي نادية، ومتجوزة سامح بقالنا حوالي عشرين سنة.
حماتي، أم سامح، ست كبيرة عندها خمسة وسبعين سنة. من وقت ما صحتها بدأت تضعف، وأنا اللي بقيت مسؤولة عنها.
كنت بصحى الصبح أجهزلها الفطار، أديها دواها في مواعيده، أغير لها هدومها لو احتاجت، أنضف أوضتها، وأقعد جنبها أطمن عليها.
سامح كان شغله بياخده أغلب اليوم، وأحيانًا بيسافر أيام طويلة.
وعمري ما اعتبرت خدمة حماتي حمل.
كنت دايمًا بقول
دي أمي زي ما هي أم سامح.
وكانت حماتي بتقدر ده جدًا.
أما بنتها سلوى، فكانت بتزور أمها كل فترة، تقعد شوية وتسأل عليها وتمشي.
في يوم، كنت نازلة عند حماتي الصبح، لقيتها قاعدة على الكرسي وبتحاول تقوم لوحدها.
جريت عليها وقلت
استني يا ماما، متقفيش لوحدك.
ساعدتها وقعدتها، وبعدها جبت لها الفطار والدواء.
ابتسمت وقالت
ربنا يكرمك يا نادية. أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك.
ضحكت وقلت
متقوليش كده يا ماما، إنتِ من أهل بيتي.
بعدها رتبت الأوضة، وفتحت الشباك، وغيرت الملاية، وطلعت أجهز الغدا.
حماتي كانت إيديها بتترعش بسبب ضعفها، وعشان كده من فترة بقيت بحط أكلها في أطباق ورق خفيفة.
مش بخلًا عليها.
بالعكس.
كنت بخاف تمسك طبق تقيل يقع منها ويتكسر وتتعور.
وفي اليوم ده كنت مجهزة رز وفراخ وخضار وسلطة.
حطيت جزء من الأكل في طبق ورق، والعصير في كوباية ورق، وطلبت من بنتي تنزله لماما تيتة.
وفجأة سمعنا خبط على الباب.
فتحت
لقيت سلوى.
قالت
ماما فين؟
قلتلها
تحت، تعالي شوفيها.
نزلت معاها.
أول ما دخلت أوضة أمها، بصت حواليها.
الأوضة كانت نضيفة ومرتبة، هدوم أمها متعلقة، السرير متظبط، والأدوية كلها مترتبة حسب مواعيدها.
بصت لأمها وقالت
إزيك يا ماما؟
ردت حماتي
الحمد لله يا بنتي.
بعد شوية طلعت أنا وسلوى فوق.
وبينما أنا في المطبخ، بنتي دخلت بالصينية علشان تنزل أكل جدتها.
سلوى شافت الطبق والكوباية الورق.
اتغير وشها فجأة وقالت
إيه ده؟!
خرجت من المطبخ وقلت
في إيه؟
قالت بعصبية
إنتِ حاطة لماما أكل في طبق ورق؟!
قلتلها بهدوء
أيوه، علشان إيديها بتترعش. الطبق الورق أخف وأسهل عليها.
ردت
بس دي أمي! تاكل في طبق محترم.
قلتلها
يا سلوى أنا مش بقصد أقلل منها، أنا خايفة عليها.
قالت
كان ممكن تسأليني.
سكتُّ لحظة، وبعدها قلت
معاكي حق. لو ده مضايقك نغيره من النهارده.
لكن سلوى فضلت ساكتة.
بصت للصينية، وبعدها بصتلي وقالت
الغريب إنك طول السنين دي بتعملي كل حاجة لوحدك.
قلتلها
يعني إيه؟
قالت
ولا حاجة.
ونزلت لأمها.
بعد دقائق سمعت صوت سلوى من تحت
ماما، إنتِ عارفة إن نادية بتصرف من فلوسها على حاجات كتير تخصك؟
حماتي ردت
عارفة.
سلوى قالت
طب ليه سايبة الموضوع كده؟
سكتت حماتي فترة.
وبعدين قالت
علشان نادية طلبت مني ما أقولش لسامح.
وقتها اتصدمت.
نزلت بسرعة.
قلت
ماما إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
سلوى بصتلي وقالت
إنتِ اللي قولي.
قلتلها
أنا مش فاهمة.
حماتي أشارت لسلوى إنها تطلع من الأوضة.
وبعد ما بقينا لوحدنا، قالتلي
خلاص يا نادية، السر لازم يبان.
قلتلها
سر إيه؟
قالت
الفلوس اللي إنتِ بتصرفيها عليا من شهور.
سكتُّ.
قالت
أنا عارفة إن معاشي مش بيكفي علاجي ومصاريفي. وعارفة إنك كل مرة بتدفعي من مرتبك من غير ما تقولي لحد.
قلتلها
دي حاجة بسيطة يا ماما.
هزت راسها وقالت
مش دي المشكلة.
أمال إيه؟
قالت
المشكلة إن سامح كان عارف إن معاشي اتوقف من ست شهور، وكان المفروض هو اللي يتصرف.
اتجمدت مكاني.
سامح عارف؟
قالت
أيوه.
سلوى كانت واقفة عند الباب وسمعت الكلام.
دخلت وقالت
وأنا عرفت الموضوع من البنك.
بصيت لها باستغراب.
قالت
أنا مش جاية ألومك يا نادية. أنا جاية أعرف ليه أخويا سايب أمي من غير ما يسأل على مصاريفها، وإنتِ اللي شايلة كل حاجة لوحدك.
سكتنا كلنا.
وفي اللحظة دي دخل سامح.
كان راجع من الشغل بدري.
بص لنا وقال
في إيه؟
سلوى وقفت قدامه وقالت
في حاجة لازم نعرفها منك يا سامح.
سامح اتوتر.
حاجة إيه؟
قالت
ليه معاش ماما اتوقف من ست شهور، وإنت ما دفعتش مصاريف علاجها، ولا حتى سألت نادية كانت بتجيب لها الدوا منين؟
سامح بص للأرض.
وأنا لأول مرة حسيت إن فيه حاجة كبيرة هو مخبيها.
قال بهدوء
أنا كنت فاكر إن الموضوع هيتحل.
سلوى ردت
إزاي هيتحل وإنت ساكت؟
رفع سامح عينه وقال
أنا ما كنتش ساكت أنا كنت بحاول أتصرف.
حماتي قالت
تتصرف في إيه يا ابني؟
سامح أخرج ورقة من جيبه وحطها على الترابيزة.
وقال
أنا من ست شهور كنت مقدم طلب علشان معاش أمي يرجع، واترفض بسبب مشكلة في الأوراق.
سلوى قالت
وليه ما قلتش لنا؟
سامح رد
علشان كنت بحاول أحلها من غير ما أقلقكم.
وبعدين بص لي وقال
لكن نادية كانت بتصرف من مرتبها، وأنا كنت عارف وكنت ناوي أعوضها أول ما الموضوع يتحل.
أنا بصيت له وقلت
أنا مش زعلانة على الفلوس يا سامح أنا زعلانة إنك خليتني أشيل الموضوع لوحدي وأنا فاكرة إنك مش عارف.
سكت سامح.
وبعدين قرب من أمه وقال
أنا آسف يا أمي.
حماتي قالت
الاعتذار مش ليا لوحدي اعتذر لنادية.
سامح بصلي وقال
حقك عليا.
سلوى نزلت عينيها للأرض، وبعد لحظات قالت
وأنا كمان آسفة يا نادية.
استغربت.
قالت
أنا شفت طبق الورق وحكمت عليكي من غير ما أعرف إنك أصلاً بتحاولي تحمي ماما.
ابتسمت وقلت
ولا يهمك.
لكن حماتي قاطعتنا وقالت
استنوا لسه في حاجة.
كلنا بصينا لها.
قالت
أنا مش عايزة نادية تفضل تشيل مسئوليتي لوحدها.
سامح قال
يعني إيه؟
ابتسمت وقالت
من النهارده، رعايتي مسؤولية الكل.
وبالفعل، اتفقوا إن سلوى تزور أمها أسبوعيًا، وسامح يتولى العلاج والمصاريف، وأنا أساعد في الأمور اليومية اللي أقدر عليها من غير ما أشيل كل الحمل وحدي.
وبعد أيام، وصل خبر رجوع معاش حماتي.
أما طبق الورق
ففضل موجود.
مش لأنه أرخص.
لكن لأن حماتي قالت وهي بتضحك
هاتولي طبق الورق يا نادية ده أخف على إيدي، وأنا مرتاحة فيه.
ومن يومها، كل ما سلوى تيجي وتلاقي أمها بتاكل في طبق ورق، تضحك وتقول
أهو طبق الورق اللي علمني ما أحكمش على حد من شكله.
أما أنا، فتعلمت حاجة أهم
الخير اللي بنعمله في صمت ممكن محدش يشوفه لكن قيمته مش بتقل أبدًا مرت حوالي ثلاثة شهور بعد اليوم اللي اتغيرت فيه علاقتنا كلنا.
سلوى بقت تيجي تزور أمها كل أسبوع تقريبًا، وسامح بقى ملتزم بمصاريف العلاج والأدوية.
أما أنا، فكنت لسه بساعد حماتي زي الأول، لكن الفرق إن الحمل مبقاش كله على كتفي.
وفي يوم، وأنا بغير ترتيب دولاب حماتي، لقيت صندوق خشب صغير مستخبي ورا مجموعة هدوم قديمة.
سألتها
ماما، الصندوق ده بتاعك؟
بصتلي وسكتت.
وبعدين قالت
أيوه بس سيبيه مكانه.
استغربت.
فيه إيه؟
قالت
حاجات قديمة يا نادية.
سيبته فعلًا.
لكن بالليل، سمعت حماتي بتتكلم مع سامح بصوت متوتر.
لازم تعرف الحقيقة قبل ما يحصل أي حاجة.
سامح قال
مش وقته يا أمي.
ردت
لأ، وقته. أنا كبرت ومش عايزة أموت وأنا سايبة الموضوع ده.
تاني يوم الصبح، لقيت سلوى جاية ومعاها أوراق كتير.
دخلت وقعدت جنب أمها.
قالت
ماما، أنا جبت المستندات اللي طلبتيها.
حماتي بصتلي وقالت
نادية، اقعدي معانا.
قعدت وأنا مش فاهمة.
طلعت من الصندوق ورقة قديمة وحطتها قدامنا.
سلوى قرأت الورقة، وفجأة قالت
يعني البيت ده؟
حماتي هزت راسها.
أيوه.
بصيت لهم باستغراب.
بيت إيه؟
حماتي قالت
البيت اللي إحنا عايشين فيه أنا شاريه من زمان، وكان نفسي أضمن إنكم تفضلوا فيه بعد ما أموت.
سامح قال
ماما، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده.
ردت
اتكلمنا، لكني غيرت رأيي.
سلوى سألت
غيرتي رأيك في إيه؟
حماتي بصتلي وقالت
البيت هيكون باسم نادية.
أنا اتصدمت.
باسمي أنا؟!
سامح وسلوى سكتوا.
قلت بسرعة
لا يا ماما، أنا مش عايزة حاجة.
قالت
أنا عارفة. وعلشان كده اخترتك.
حاولت أرفض، لكنها قالت
سنين وأنا شايفة مين واقف جنبي وقت ما كنت محتاجة. مش عايزة أكافئك بفلوس أنا عايزة أضمن إنك ما تتعرضيش في يوم للظلم.
سامح قال
أنا موافق.
بصيت له.
فكمل
أمي عندها حق. وإنتِ طول عمرك بتفكري فينا قبل نفسك.
لكن سلوى كانت ساكتة.
وبعد لحظات قالت
ماما، أنا عندي طلب.
حماتي قالت
قولي.
قالت
أنا مش عايزة البيت يبقى كله لنادية.
حماتي بصتلها باستغراب.
سلوى ابتسمت وقالت
أنا عايزة يكون لنادية حق الانتفاع طول حياتها، وبعد كده يتقسم بيني وبين سامح بالتساوي.
سكت الجميع.
أنا بصيت لها بدهشة.
قالتلي
أنا غلطت في حقك يوم حكمت عليك من غير ما أفهم. ومش عايزة الفلوس أو البيت يفرقوا بيننا.
حماتي ابتسمت.
وقالت
أهو كده اطمنت.
لكن في نفس اللحظة، جرس الباب رن.
سامح قام يفتح.
كان رجل كبير واقف على الباب، وفي إيده ملف.
قال
أنا جاي بخصوص أوراق البيت.
سامح أخد الملف.
فتح أول ورقة
وفجأة وشه اتغير.
قال
ماما الورقة دي مش موجودة في الملف القديم.
حماتي قالت
إيه الورقة؟
سامح رفعها قدامها.
وبصوت متوتر قال
دي إيصال قديم يثبت إن جزء من البيت كان متسجل باسم شخص تاني.
سلوى قالت
مين؟
سامح قرأ