خلفت سبع مرات لزهرة الربيع

لمحة نيوز

إن واحداً من أولادي السبعة أعطاني سبباً جديداً للاستمرار.
بعدها قررت أرجع إلى غرفة السبعة.
فتحت الباب بعد سنوات من آخر مرة دخلتها.
الغرفة كانت هادئة.
على الحائط صور أولادي.
وعلى المكتب الملفات.
جلست وفتحت أول ملف.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
حتى السابع.
لكن وأنا بقلب في الملف الأخير، وقعت ورقة صغيرة على الأرض.
انحنيت وأخذتها.
كانت ورقة بخط يدي.
كتبتها في أول سنة بعد وفاة ابني الأول.
وكان مكتوباً فيها
لو ابني مات بسبب شيء ممكن نكتشفه، لازم أعرفه قبل ما أخلف تاني.
فضلت باصة للجملة وقت طويل.
وقلت
كنتِ عارفة من البداية إن لازم تدوري... بس الخوف كان أكبر منك.
وضعت الورقة في إطار صغير على المكتب.
ثم كتبت تحتها
لا تتوقفي عند أول إجابة.
بعدها بدأت أستقبل الأمهات اللي عندهم حالات متكررة.
مش بديهم تشخيص.
ولا أقول لهم علاج.
كنت فقط أساعدهم في ترتيب المعلومات، وأقول
خدي كل الأوراق معاكي للطبيب، واسأليه عن كل حاجة مش مفهومة.
وبمرور الوقت، أصبحت غرفة السبعة مكاناً معروفاً لكل أم تبحث عن تفسير لحالة غامضة.
وفي يوم، دخلت أم شابة وهي تبكي.
قالت
أنا خايفة على ابني... قرب يكمل سنة.
نظرت إليها.
ولأول مرة منذ سنوات، لم أشعر بالخوف عندما سمعت جملة يكمل سنة.
ابتسمت وقلت
السنة مش هي المشكلة.
ثم أشرت إلى الملفات أمامي.
المهم إننا نفهم اللي بيحصل قبل ما يتأخر الوقت.
جلست المرأة، وبدأنا نراجع كل التفاصيل معاً، ثم توجهت إلى الطبيب المختص.
وبعد أيام، اكتشفوا السبب مبكراً.
الطفل تلقى العلاج المناسب.
ومر عيد ميلاده الأول...
وهو بخير.
وصلتني صورته وهو واقف بجانب تورتة صغيرة عليها رقم 1.
فضلت أبص للصورة طويلاً.
ثم دخلت غرفة السبعة.
وقفت أمام صور أولادي.
وقلت
واحد تاني كمل يا ولادي.
ثم أضفت
وكل طفل هينجو من هنا، هيبقى جزء من حكايتكم.
أغلقت النور.
وقبل ما أقفل الباب، نظرت للصور مرة أخيرة.
سبعة أطفال رحلوا قبل أن يكبروا...
لكن قصتهم جعلتني أبحث، والبحث جعلني أتعلم، وما تعلمته ساعد أطفالاً آخرين على النجاة.
ومن يومها، لم يعد اسم الغرفة غرفة السبعة عندي يعني الموت.
بقى يعني شيئاً آخر
سبعة أرواح بدأت منها حكاية إنقاذ أطفال كثيرين.
وكانت تلك...
أجمل نهاية ممكنة لحكاية بدأت بسبع نهايات مؤلمة بعد شهور من آخر حالة ساعدت فيها، كنت قاعدة في غرفة السبعة أرتب الملفات.
كان اليوم هادئاً بشكل غريب.
وفجأة لقيت ظرفاً صغيراً مدسوساً خلف أحد الأدراج.
استغربت، لأنني كنت متأكدة إنني فتشت المكان كله من قبل.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة لطفلي الأول، ومعاها ورقة من المستشفى.
لكن الورقة لم تكن تقريراً طبياً.
كانت إيصالاً قديماً.
في أعلى الإيصال اسم محل، وتحت الاسم تاريخ يرجع لأيام قليلة قبل ولادته.
بدأت أراجع الأشياء اللي اشتريناها وقتها.
سرير.
ملابس.
ألعاب.
زجاجات.
مستلزمات الأطفال.
وفجأة تذكرت شيئاً.
في تلك الفترة، كنا قد اشترينا مجموعة مستلزمات من محل واحد، وكان جزء منها موجوداً مع كل طفل من أولادي السبعة.
اتصلت بزوجي وقلت له
فاكر محل مستلزمات الأطفال اللي اشترينا منه حاجات الطفل الأول؟
قال
أيوه، ليه؟
قلت
عايزة أعرف إذا كان نفس المكان اللي اشترينا منه لأولادنا بعد كده.
بدأنا نراجع الفواتير القديمة.
والنتيجة كانت صادمة.
كل الأطفال السبعة كان عندهم منتج واحد مشترك تقريباً.
لم يكن دواءً هذه المرة.
كان منتجاً بسيطاً نستخدمه يومياً.
أخذنا عينة قديمة كانت ما زالت محفوظة، وسلمناها للجهات المختصة.
بعد فترة ظهرت النتيجة.
المنتج نفسه لم يكن هو السبب المباشر للوفاة، لكن كانت هناك مشكلة في تخزين دفعة قديمة منه، جعلته يتعرض لتلوث في ظروف معينة.
وهنا اكتشفنا أن القضية كانت أكثر تعقيداً مما ظننا.
المشكلة لم تكن شيئاً واحداً.
كانت سلسلة من الأخطاء
منتج ملوث...
بيئة منزلية غير مناسبة...
تعرض مستمر...
وتأخر في الربط بين الأعراض.
جلست أمام الملفات وأنا أشعر أنني أخيراً فهمت الصورة كاملة.
قلت
يعني كل مرة كنا بندور على سبب واحد... مع إن كان فيه أكتر من عامل بيشتغلوا مع بعض.
الدكتور أكد لي أن بعض الحالات المعقدة بالفعل تحتاج إلى جمع كل الظروف والتعرضات والتاريخ الطبي معاً، وليس النظر إلى نتيجة واحدة فقط.
بعد ذلك، تم توسيع التحقيق، وتحذير الأسر من استخدام المنتجات القديمة أو مجهولة المصدر، ومراجعة إجراءات التخزين والرقابة.
أما أنا، فقررت أن أحتفظ بالإيصال.
ليس لأنه كشف سر موت أولادي...
ولكن لأنه ذكرني بشيء أهم
التفاصيل الصغيرة ممكن تغير حياة كاملة.
وضعت الإيصال بجانب صورة طفلي الأول.
وكتبت تحتها
كان أول من علّمني أن السؤال لا يموت.
ثم وضعت صور إخوته الستة بجواره.
سبعة أطفال.
سبع حكايات.
وسبعة أسباب جعلتني لا أتوقف عن البحث.
وبعدها بأيام، جاءني اتصال من الطبيب.
قال
في أسرة جديدة محتاجة مساعدتك في جمع تاريخ الحالة.
سألته
طفل؟
قال
أيوه، عمره أحد عشر شهراً.
سكتُّ لحظة.
ثم قلت
هات الملف.
هذه المرة لم أكن المرأة الخائفة التي تنتظر بلوغ السنة.
كنت امرأة تعرف أن الخوف وحده لا ينقذ أحداً.
المعرفة هي التي تنقذ.
فتحت الملف الجديد.
وبدأت أقرأ أول سطر...
لكنني لم أكن أعرف أن هذه الحالة بالذات ستكشف معلومة جديدة ستعيد فتح ملف أولادي السبعة من البداية.
لأن الطفل...
كان يعيش في نفس المنطقة التي كنا نعيش فيها منذ سنوات لما عرفت إن الطفل الجديد عايش في نفس المنطقة، قلبي دق بسرعة.
لكن المرة دي ما سمحتش للخوف يسيطر عليّ.
طلبنا فحص شامل للطفل والبيت ومصدر المياه، وراجع الأطباء كل المنتجات التي يستخدمها.
وبعد أيام ظهرت النتيجة.
كان فيه مصدر تلوث بيئي ما زال موجوداً في جزء من المنطقة، لكنه هذه المرة اتكشف قبل ما يتسبب في كارثة.
تم إيقاف مصدر التلوث، وفحص الأطفال الموجودين في المنطقة، ومتابعة الحالات التي تحتاج إلى علاج.
والطفل الذي كان عمره أحد عشر شهراً؟
كمل السنة.
ثم كمل السنة الثانية.
ثم الثالثة.
كبر أمام عيني، وكنت كل مرة أسمع عنه أشعر أن واحداً من أولادي السبعة ما زال يرسل لي رسالة من بعيد
كمّلي... لسه فيه أطفال ممكن يتنقذوا.
مرت سنوات.
وفي أحد الأيام، أقيم احتفال صغير لتكريم الأسر والأطباء الذين ساهموا في اكتشاف المشكلة.
طلبوا مني أن ألقي كلمة.
وقفت أمام الناس، وفي يدي صورة أولادي السبعة.
قلت
أنا فقدت سبعة أولاد، وكل مرة كنت أسمع إن مفيش سبب واضح. في البداية صدقت إن الموضوع مجرد قضاء وقدر من غير ما أحاول أفهم. لكن لما تكرر الأمر، كان لازم نسأل ونبحث ونراجع كل الاحتمالات مع الأطباء.
ثم نظرت إلى الصورة.
أولادي ما رجعوش، ومفيش كلام يقدر يعوضني عنهم. لكن قصتهم ساعدت في اكتشاف خطر كان ممكن يأذي أطفالاً تانيين.
ساد الصمت في المكان.
ثم قلت
لو عندكم طفل مريض، ما تخافوش من السؤال. وما تعتمدوش على تشخيص واحد لو الحالة بتتكرر أو الأعراض مش مفهومة. اجمعوا كل المعلومات، وارجعوا للمتخصصين، وابحثوا عن السبب.
بعد الحفل، عدت إلى البيت.
دخلت غرفة السبعة للمرة الأخيرة.
وقفت أمام الصور.
الأول...
الثاني...
الثالث...
حتى السابع.
وضعت بجانبهم صورة الطفل الذي نجا بفضل اكتشاف المشكلة مبكراً.
لم يكن من أولادي.
لكنه كان بالنسبة لي دليلاً على أن قصتهم لم تذهب سدى.
قلت بهدوء
أولادي السبعة ما كملوش السنة... لكن طفل تاني كملها بسببهم.
ثم أغلقت الدرج.
وأطفأت النور.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي محسوبة بعدد الأطفال الذين فقدتهم.
أصبحت محسوبة بعدد الأطفال الذين تم إنقاذهم.
أما السؤال الذي عذبني سنوات
ليه كانوا بيموتوا عند سنة؟
فكانت إجابته في النهاية بسيطة ومؤلمة
لم يكن هناك يوم ملعون.
ولا لعنة.
ولا شخص يقتلهم.
كان هناك سبب صحي وبيئي معقد لم يُكتشف في الوقت المناسب، وتكرر التعرض له حتى أصبحت الأعراض خطيرة.
والأهم أن القصة علمتني شيئاً لن أنساه أبداً
لما حاجة غريبة تتكرر، ما تكتفيش بالخوف... دوري على النمط.
وأنا...
هفضل طول عمري أم السبعة.
لكن بدل ما أقول
ليه ربنا أخدهم؟
بقيت أقول
ربنا أعطاني القوة أحوّل وجعهم لسبب ينقذ غيرهم.
وهكذا انتهت الحكاية...
سبعة أطفال رحلوا مبكراً،
لكن ذكراهم بقيت حية،
وأنقذت أطفالاً لم نكن نعرف أسماءهم حتى.
تمت.

تم نسخ الرابط