خلفت سبع مرات لزهرة الربيع

لمحة نيوز

سحب المنتج من الأسواق لم تكن وصلت لكل الصيدليات والمناطق.
يعني أسر كثيرة كانت لسه بتشتريه وهي فاكرة إنه آمن.
كنت بقرأ التقرير ودموعي بتنزل.
سبعة أطفال...
سبع أرواح...
والسبب في النهاية خطأ كان ممكن يتمنع.
لكن التحقيق كشف مفاجأة ثانية.
المصنع لم يكن يعلم في البداية بحجم المشكلة، وبعد ظهور أول البلاغات، حدث تأخير كبير في إجراءات السحب والإخطار.
وبسبب ذلك، استمر المنتج في الوصول للمستهلكين لفترة أطول.
الموضوع تحول لقضية كبيرة.
وأصبح فيه عشرات الأسر بتقدم بلاغات.
أما أنا، فكنت في كل جلسة أضع صور أولادي السبعة أمامي.
لم أكن أريد الانتقام.
كنت أريد إجابة.
وفي إحدى الجلسات، سألني القاضي
إيه أكتر حاجة تتمني تحصل؟
بصيت له وقلت
مش عايزة فلوس ترجع أولادي، لأنها مستحيل تعمل كده. أنا عايزة بس طفل تاني مايدفعش نفس الثمن.
ساد الصمت في القاعة.
وبعد انتهاء القضية، صدر قرار بسحب المنتج بالكامل، وفتح تحقيق موسع في إجراءات الرقابة والتصنيع.
لكن بالنسبة لي، القضية لم تكن انتهت.
لأن في البيت كان فيه سر أخير...
سر ما اكتشفناه إلا بعد شهور.
كنت بنظف غرفة أولادي، ولقيت صندوقاً قديماً فيه أوراقهم.
وسط الأوراق، وجدت دفتر صغير كنت بكتب فيه مواعيد الأدوية لكل طفل.
فتحته.
بدأت أقارن التواريخ.
وفجأة اتجمدت.
كل طفل من أولادي السبعة...
بدأت تظهر عنده أول علامة تعب قبل الوفاة بحوالي ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر بالضبط تقريباً.
يعني المشكلة ما بدأتش عند السنة.
المشكلة بدأت قبلها بوقت طويل.
رفعت عيني عن الدفتر وقلت
إحنا كنا فاكرين إن اليوم ده هو البداية... لكنه كان النهاية.
وفي نفس اللحظة، قررت أعمل حاجة ما كنتش متخيلة إني أقدر عليها.
حولت غرفة أولادي إلى غرفة صغيرة لحفظ ملفاتهم وتقاريرهم وصورهم.
وسميتها
غرفة السبعة.
مش غرفة للحزن...
لكن غرفة للحقيقة.
وكل أسرة كانت تيجي تسأل أو تحكي عن طفل عنده أعراض غامضة، كنت أساعدها تجمع كل التفاصيل وتراجعها مع الأطباء المختصين.
ومع مرور الوقت، بدأت حالات جديدة يتم اكتشافها مبكراً.
أطفال اتلحقوا قبل ما تحصل كارثة.
وفي كل مرة كان طفل ينجو، كنت أفتكر أولادي السبعة.
وأقول لنفسي
يمكن هم ماقدروش يكملوا السنة... لكن قصتهم أنقذت عمر أطفال تانيين.
وبعد سنوات، كان فيه طفل صغير واقف قدام باب غرفة السبعة.
بص للصور المعلقة وسألني
هما كانوا إخواتي؟
ابتسمت رغم الدموع وقلت
أيوه.
قال
وكانوا سبعة؟
قلت
سبعة.
فكر شوية، وبعدين قال
يبقى أنا لازم أفتكرهم كلهم.
وقتها عرفت إن أولادي ما اختفوش من الدنيا.
هم سابوا وراءهم حكاية...
والحكاية دي أنقذت ناس.
وده كان الشيء الوحيد اللي قدر يخليني أكمل حياتي مرت خمس سنين على القضية.
كنت بدأت أتعلم أعيش من غير ما أكون طول الوقت مستنية كارثة.
غرفة السبعة بقت مكان صغير بنحتفظ فيه بكل التقارير والأبحاث والبيانات اللي ساعدت أسر كتير.
وفي يوم، جالي اتصال من طبيب كان بيتابع إحدى الحالات.
قال لي
محتاج أقابلك.
روحت له، ولقيته حاطط قدامه ملف.
قال
فاكرة الطفل اللي حكيت لك عنه من سنين؟
هزيت رأسي.
الطفل اللي كانت أسرته بتستخدم نفس المنتج؟
قال
أيوه. اكتشفنا حاجة جديدة.
فتح الملف.
كان فيه تحليل قديم لطفل من الحالات الأولى.
وقال
اكتشفنا إن المشكلة ما كانتش مرتبطة بالمنتج وحده.
اتصدمت.
يعني إيه؟
كان فيه عامل بيئي مشترك بين معظم الحالات.
حط قدامي خريطة.
وبدأ يشاور على المناطق.
بصي.
لقيت إن معظم الحالات كانت من مناطق معينة بتستخدم مصادر مياه قديمة.
سألته
المياه؟
قال
بالضبط. في بعض المناطق كانت المياه بتعدي من خلال مواسير قديمة جداً، ومع وجود المنتج الملوث، التأثير كان بيزيد.
يعني الحقيقة النهائية كانت أصعب من أي تفسير بسيط.
أولادي لم يموتوا بسبب سبب واحد.
كان فيه تداخل بين عوامل بيئية ومنتج ملوث، والتعرض المستمر هو اللي أدى إلى تدهور صحتهم من غير ما يظهر السبب بسهولة.
رجعت البيت وأنا حاسة إن آخر قطعة في اللغز مكانها.
فتحت دفتر أولادي.
بصيت على التواريخ.
وفهمت أخيراً ليه كنت بشوفهم كويسين معظم الوقت.
وليه كل شيء كان يبدو طبيعياً.
وليه الوفاة كانت مفاجئة.
وليه الأطباء الأوائل ما قدروا يحددوا السبب.
لأن الضرر كان بيتجمع بصمت.
اليوم اللي الطفل كان بيكمل فيه سنة لم يكن موعداً للموت.
كان مجرد نقطة وصلت عندها المشكلة إلى مرحلة خطيرة.
جلست أمام صور أولادي السبعة.
ولأول مرة، ما سألتش
ليه حصل ده؟
سألت
إزاي أخلي اللي حصل لهم ما يتكررش؟
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة.
اشتغلت مع مجموعة من الأسر والأطباء على حملة توعية عن مخاطر استخدام المنتجات غير الموثوقة، وعن أهمية فحص البيئة المحيطة بالأطفال، خصوصاً في الحالات اللي فيها أعراض متكررة أو غير مفسرة.
وفي أول ندوة حضرتها، وقفت أمام الناس.
كان صوتي بيرتعش.
قلت
أنا أم فقدت سبعة أولاد. سنين وأنا فاكرة إنهم كانوا بيموتوا عند عمر السنة. لكن الحقيقة إن المرض ما استناش السنة. إحنا اللي ما فهمناش الإشارات.
سكتُّ لحظة.
ثم أكملت
لو طفل عنده أعراض غريبة، أو أكتر من طفل في نفس البيت عنده نفس المشكلة، ما تقولوش صدفة بسرعة. اكتبوا كل التفاصيل، راجعوا الأطباء المتخصصين، وافحصوا البيئة اللي حواليكم.
بعد الندوة، جت لي أم شابة.
كانت ماسكة إيد ابنها الصغير.
قالت
ابني كان عنده أعراض مشابهة، ولما سمعت كلامك طلبت فحوصات إضافية.
قلبي توقف لحظة.
سألتها
والنتيجة؟
ابتسمت وقالت
اكتشفوا المشكلة بدري... والولد دلوقتي بيتعالج وبيتحسن.
وقتها دموعي نزلت.
مش عشان حزني.
لكن لأول مرة من سنين...
كانت دموعي فيها راحة.
رجعت البيت في نفس الليلة، ودخلت غرفة السبعة.
وقفت قدام صورهم.
وقلت
أنا ما قدرتش أنقذكم... لكن هحاول أنقذ غيركم.
ثم أغلقت الباب بهدوء.
ومن يومها، لم يعد يوم ميلاد السنة الأولى بالنسبة لي مجرد ذكرى للموت.
بقى ذكرى لشيء آخر
سبعة أطفال رحلوا، لكن تركوا وراءهم سبباً جعل أمهات كثيرات ينتبهن قبل فوات الأوان.
وأخيراً...
فهمت أن بعض الحكايات لا تنتهي عندما يموت أبطالها.
أحياناً...
الحكاية الحقيقية تبدأ بعد رحيلهم بعد مرور عام كامل، حصل شيء لم أكن مستعدة له.
كنت قاعدة في غرفة السبعة براجع الملفات، لما سمعت جوزي بيناديني من الصالة
تعالي بسرعة.
خرجت له، لقيته واقف وفي إيده ظرف بني قديم.
قال
الظرف ده وصل النهارده.
أخدته منه.
كان عليه اسم عائلتنا، لكن التاريخ المكتوب عليه كان يرجع لأكثر من عشر سنوات.
فتحته.
جواه ورقة من معمل قديم، ومعاها نتيجة تحليل.
بصيت للورقة مرة...
واتجمدت.
التحليل كان يخص أنا.
مش أولادي.
أنا.
وكان مكتوب فيه إن عندي تعرضاً قديماً لمادة معينة، وإن مصدر التعرض يرجح أن يكون من البيئة المحيطة.
رفعت عيني لجوزي.
يعني إيه الكلام ده؟
قال
المعمل ده كان عامل دراسة على المنطقة زمان. والنتيجة دي كانت ضمن ملفات اتنقلت من مكان لمكان، وفضلت ضايعة كل السنين دي.
بدأنا نراجع التاريخ.
وفجأة ظهرت معلومة أخطر.
المشكلة لم تبدأ بعد ولادة أول طفل.
المشكلة كانت موجودة قبل زواجي أصلاً.
يعني أنا نفسي كنت اتعرضت للمصدر لسنوات.
لكن جسمي قدر يتحمل.
أما أطفالي، فكانوا أكثر عرضة للخطر في فترة معينة من النمو.
جلست على الكرسي وأنا أحاول أستوعب.
سبعة أطفال...
كلهم كانوا ضحايا سلسلة أخطاء متراكمة، وليس بسبب شخص واحد.
وفي اليوم التالي أخذنا الورقة للطبيب.
قرأها طويلاً ثم قال
في حاجة مهمة لازم نعملها.
إيه؟
لازم نعرف هل فيه أطفال تانيين في العيلة معرضين لنفس المشكلة.
بدأنا نفحص كل شيء من جديد.
وبعد أسابيع، ظهرت نتيجة لم نتوقعها.
كان فيه طفل صغير من أقاربنا يستخدم نفس بعض المنتجات القديمة التي كانت موجودة عندنا في البيت.
ولحسن الحظ، لم تظهر عليه علامات خطيرة.
اتعملت له الفحوصات فوراً، واتغيرت كل الأشياء المشكوك فيها، وبدأت متابعة طبية منتظمة.
ولأول مرة شعرت أنني فعلت شيئاً كان مستحيلاً بالنسبة لي قبل سنوات.
أنقذت طفلاً قبل أن يصبح رقماً جديداً في قائمة الضحايا.
بعدها قررت أن غرفة السبعة لن تكون مجرد غرفة لذكريات أولادي.
حوّلتها إلى أرشيف كامل.
كل ورقة.
كل تحليل.
كل تقرير.
كل معلومة.
وكنت أقول لكل أسرة تأتي إليّ
ما تسيبوش التفاصيل تضيع. أحياناً ورقة صغيرة قديمة ممكن تغيّر حياة إنسان.
وبعد سنوات، أصبحت القصة معروفة في المنطقة.
ليس كقصة أم فقدت سبعة أطفال فقط...
ولكن كقصة أم رفضت أن تظل الحقيقة مدفونة معهم.
وفي يوم من الأيام، دخلت الغرفة ووقفت أمام صورهم.
كان الصمت شديداً.
قلت
أنا فضلت سنين أسأل ليه.
ثم ابتسمت بحزن
دلوقتي عرفت إن السؤال الأهم كان إزاي
تم نسخ الرابط