مراتي كل جمعه حكايات زهرة
بص لها وقال
باسم أبوكي.
مراتي ابتسمت لأول مرة وسط كل الصدمة.
يبقى بكرة نروح البنك.
لكن خالها قال
مش بكرة.
ليه؟
لأن الخزنة اتقفلت من سنين.
ومين يقدر يفتحها؟
بص لها مباشرة.
إنتِ.
مراتي سكتت.
ليه أنا؟
قال
لأن أبوكي قبل وفاته بأسبوع غيّر بيانات الخزنة، وكتب اسمك باعتبارك صاحبة الحق الوحيدة.
مراتي مسكت المفتاح بقوة.
لكن قبل ما نمشي، لاحظت ورقة صغيرة ملزوقة أسفل الصندوق.
سحبتها.
كان مكتوب عليها
لو وصلتِ للخزنة، لا تفتحيها قبل أن تعرفي لماذا أمك أخذت أول مبلغ من حسابك.
مراتي بصت لأمها.
حماتي انهارت في البكاء.
وقالت
خلاص لازم تعرفي.
مراتي قربت منها.
تعرف إيه؟
حماتي رفعت عينيها وقالت
أول مبلغ سحبته من حسابك
وسكتت لحظة.
ماكانش عشان البيت ولا عشان العزومات. كان عشان أبوكي مراتي فضلت باصة للموبايل، وبعدين قالت
يعني ماما قالت إن الراجل ده مات وهو عايش؟
حماتي مسحت دموعها بسرعة.
أنا ما كنتش أقصد أكذب عليكِ.
أمال قصدك إيه؟
حماتي بصت لخالها، وقالت
أبوكي هو اللي طلب مني أقول كده.
مراتي اتجمدت.
بابا؟
أيوه.
ليه؟
حماتي اتنهدت.
لأن الراجل ده كان شريك أبوكي، وكان عنده ورق مهم جدًا يخص الشركة والبيت.
خالها قاطعها
وكان فيه ناس بتحاول تستولي على حق أبوكي.
مراتي بصت له
ناس مين؟
مش عايز أخوفك من غير دليل.
أنا مش خايفة. أنا عايزة أفهم.
خالها فتح الملف القديم.
أبوكي قبل ما يموت اكتشف إن فيه حسابات اتلخبطت، ومبالغ اتحولت من مكان لمكان بسبب خطأ في إدارة الشركة.
مراتي قالت
يعني مفيش حد خانه؟
لأ.
سكت لحظة، ثم أكمل
كان فيه سوء إدارة وخوف من ضياع فلوس العيلة، وكل واحد كان بيحاول يصلّح بطريقته.
مراتي بصت لأمها.
وإنتِ؟
حماتي نزلت عينيها.
أنا غلطت لما خبيت عنك الحساب ولما مضيت بدل منك. بس كنت فاكرة إني بحافظ على حقك.
مراتي قالت بحزن
وإنتِ بدل ما تحافظي عليه، خلتيني أضيّع من فلوسي على عزومات عشان أرضيكم.
حماتي ما ردتش.
أنا بصيت للورقة.
طب الرجل ده ليه رجع دلوقتي؟
في اللحظة دي موبايل مراتي رن تاني.
نفس الرقم.
ردت.
جاء صوت الرجل
أنا سمعت إنك عرفتي جزء من الحقيقة.
مراتي قالت
عايزة أعرف كل حاجة.
هتعرفي.
والدفتر؟
عندي.
هاته.
سكت الرجل لحظة، ثم قال
مش هديهولك إلا لما أقولك أهم حاجة.
إيه؟
قال
أبوكي ماخبّاش الدفتر عشان خايف من خالك
مراتي عقدت حواجبها.
أمال خبّاه ليه؟
صوته جاء هادئًا
لأنه كان خايف إن الفلوس تفرّق بينك وبين أمك.
مراتي بصت لأمها.
ثم قال الرجل
وعشان كده أبوكي كتب وصية أخيرة.
فين؟
في أول صفحة من الدفتر.
مراتي سألته
ومكتوب فيها إيه؟
الرجل رد
مكتوب إن الفلوس كلها ترجع لبنتي لكن بشرط واحد.
إيه الشرط؟
سكت ثواني.
ثم قال
إنها تسامح أمها بعد ما تعرف السبب الحقيقي اللي خلاها تخبي عنها كل حاجة.
مراتي فضلت ساكتة.
لكن خالها فجأة قال
لأ
مراتي بصت له.
في إيه؟
خالها كان باصص للظرف القديم، ووشه اتغير.
الوصية دي مستحيل تكون كاملة.
ليه؟
قال بصوت منخفض
لأن أبوكي كتب وصية تانية وأنا الوحيد اللي شفتها.
مراتي قربت منه
فين الوصية التانية؟
خالها رفع عينه وقال
مع الرجل اللي كلمك حماتي بصت لبنتها، ودموعها نزلت من غير ما تحاول تخبيها.
أبوكي قبل ما يموت كان تعبان أوي والدكاترة قالوا إن فيه علاج غالي جدًا ممكن يساعده.
مراتي اتسمرت مكانها.
وإنتِ سحبتي من فلوسي عشان علاجه؟
أيوه.
طب ليه ما قولتيليش؟
حماتي هزت راسها.
لأن أبوكي هو اللي منعني.
مراتي قربت منها.
منعك ليه؟
قال لي بنتي ما تعرفش، لحد ما نتأكد إن العلاج هيجيب نتيجة.
مراتي دمعت عينيها.
يعني بابا كان عارف إن فلوسي هتتصرف عليه؟
أيوه.
ووافق؟
هو اللي طلب.
سكتت مراتي لحظة، وبعدين قالت
طب العلاج نفع؟
حماتي بدأت تبكي أكتر.
لأ.
المكان كله سكت.
مراتي قعدت على الكرسي.
يعني الفلوس راحت؟
حماتي هزت رأسها.
جزء منها.
والباقي؟
حماتي بصت لخالها.
خالها قال
الباقي اتحط في الحساب اللي اكتشفناه.
مراتي رفعت رأسها بسرعة.
يعني الحساب ده اتعمل بعد ما بابا مات؟
لأ.
أمال إمتى؟
خالها فتح الدفتر القديم وقال
قبل وفاته بأسبوع.
مراتي بصت للتاريخ.
ثم فجأة لاحظت حاجة.
استنى
قربت الورقة من وشها.
التاريخ ده قبل سحب الفلوس بتلات أيام.
أنا قلت
يعني أبوكي فتح الحساب، وبعدها أمك سحبت المبلغ للعلاج.
خالها هز رأسه.
بالضبط.
مراتي سكتت.
ثم قالت
طب ليه أبويا كتب في الورقة إن الحساب مش هو الحقيقة؟
خالها ما ردش.
مراتي قامت.
أنا مش هروح البنك بس.
أمال؟
عايزة أعرف إيه اللي في الخزنة.
خرجنا من البيت، لكن قبل ما نركب، موبايل مراتي رن.
كان الرجل الغريب.
ردت.
أنا عرفت الحقيقة.
قال
لسه ما عرفتيش كل حاجة.
أمي قالت لي إن الفلوس كانت لعلاج بابا.
وده صحيح.
مراتي اتفاجئت.
إنت عارف؟
أنا اللي ساعدت أبوكي في فتح الحساب.
طب إيه السر؟
سكت الرجل لحظة.
ثم قال
السر إن أبوكي قبل وفاته بيوم واحد، غيّر المستفيد من الخزنة.
مراتي شهقت.
لمين؟
جاء صوته هادئًا
ليكي.
وبعدين؟
قال
وكتب تعليمات تمنع أي حد من سحب الفلوس بعد وفاته
سكت ثانية.
ثم أضاف
إلا إذا كان معاه المفتاح والورقة اللي أمك خبتها عنك الصمت نزل علينا كأنه حمل تقيل.
مراتي بصت لأمها وقالت
الورقة اللي خبيتيها عني فين؟
حماتي مدت إيدها ببطء، وطلعت من شنطتها ظرف قديم.
أبوكي اداني ده قبل ما يموت، وقال لي ما تديهولهاش غير لما تبقى قادرة تعرف الحقيقة من غير ما تكرهني.
مراتي فتحت الظرف بإيد بتترعش.
جواه ورقة مكتوب فيها بخط أبوها
يا بنتي، الفلوس اللي في الخزنة مش تعويض عن حاجة دي أمانة. أمك هتضطر تستخدم جزء منها عشان علاجي، وأنا موافق. لكن باقي المبلغ حقك وحدك. متسمحيش لحد يخليك تحسي إنك مدينة للعيلة.
مراتي انفجرت في العياط.
مش عشان الفلوس
عشان أبوها كان فاكر فيها لآخر لحظة.
روحنا البنك في اليوم التالي، وفتحنا الخزنة رقم 17.
جواها كان فيه مبلغ كبير، ومعاه مستندات ملكية الشقة، وأوراق الحساب القديم، وإيصال بكل جنيه اتصرف من المبلغ.
والأهم
كان فيه ورقة أخيرة.
فتحتها مراتي، وقرتها بصوت مسموع
لو وصلتي للورقة دي، يبقى أمك أخيرًا قالت لك الحقيقة. متعاقبيهاش على إنها خافت عليكي. لكن كمان متسمحيش للخوف إنه يتحول لحق مش حقها.
مراتي فضلت ساكتة.
وبعدين بصت لأمها.
إنتِ غلطتي يا ماما.
حماتها نزلت عينيها.
عارفة.
بس أنا مش هقطعك من حياتي.
حماتها رفعت عينيها بسرعة.
بجد؟
آه بس من النهارده مفيش فلوس تتاخد من ورايا، ومفيش قرار يخصني يتاخد بدوني.
هزت أمها رأسها وهي بتعيط.
أما أختها، فرجعت لها الفلوس اللي كانت أمها دفعتها في مشروعها، وبدأت تسددها واحدة واحدة.
والخال باعت حصته من المشروع وسدد الجزء اللي كان عليه.
أما أنا
رجعت البيت في نفس اليوم، وبصيت على الغسالة القديمة اللي كانت سبب كل الحكاية.
مراتي ضحكت وقالت
فاكر لما قلت لك نبيع حاجتك ونجيب لأختي؟
ضحكت.
أيوه.
أنا دلوقتي فهمت إن المشكلة ما كانتش في التلاجة ولا الغسالة.
بصيت لها.
أمال كانت في إيه؟
قالت وهي بتبص للأوراق اللي في إيدها
كنت طول الوقت بحاول أثبت لأهلي إني ناجحة لحد ما نسيت أثبت لنفسي إني مرتاحة.
ومن يومها، بطلت عزومات الجمعة اللي كانت بتكسر ظهرنا.
بقينا نتجمع عادي.
طبقين تلاتة على السفرة، من غير منافسة، من غير استعراض، ومن غير ما حد يسأل التاني دفع كام.
أما الشقة
فمراتي سجلتها رسمي باسمها، واحتفظت بأوراق أبوها في مكان آمن.
وفي آخر جمعة من الشهر، أمها جت لنا ومعاها صينية أكل بسيطة.
حطتها على السفرة وقالت
المرة دي أنا اللي عازماكم.
ضحكنا كلنا.
مراتي بصت لي، وقالت
بابا كان عنده حق.
في إيه؟
ابتسمت وقالت
إن البيت مش حيطان البيت هو المكان اللي محدش فيه بيضطر يمثل عشان يحس إنه متقبل.
وساعتها فهمت إن أغلى حاجة خرجنا بيها من الحكاية كلها
ما كانتش الفلوس اللي لقيناها.
كانت الحقيقة.
إن أحيانًا أكبر كنز بنلاقيه مش بيكون مستخبي في خزنة
بيكون مستخبي جوه عيلة محتاجة تتعلم تقول الحقيقة لبعض.