حماتي قالت لجوزي حكايات بسمه
بعيني.
رفعت الورقة قدامها
التوقيع المكتوب هنا مش توقيعي، وأنا عمري ما وافقت على الالتزام ده.
جوزي سكت.
سألته
إنت عملت إيه بالظبط؟
قال
أنا كنت مضطر.
كل مرة بتقول مضطر. مرة عشان أختك، ومرة عشان المحل طب إمتى كنت هتقول لي؟
اتنهد وقال
كنت ناوي أقولك لما الأمور تتظبط.
والأمور اتظبطت؟
ما ردش.
قعدت على الكرسي وقلت
طيب هات باقي الأوراق.
اتردد.
باقي أوراق إيه؟
ابتسمت
أهو إنت عارف إن فيه باقي.
حماتي بصت له بقلق.
جوزي دخل أوضته، وبعد دقائق رجع ومعاه ملف أسود.
حطه على الترابيزة من غير ما يبص في عيني.
فتحته.
كان فيه عقود، إيصالات، وتحويلات مالية.
بدأت أقلب فيهم واحدة واحدة.
لحد ما وصلت لورقة بتاريخ أقدم من كل اللي شفته.
وقتها بصيت لجوزي وقلت
إيه الورقة دي؟
وشه اتغير.
سيبيها يا سارة.
قلت
لأ.
قريت أول سطر
وفجأة فهمت ليه كان مصمم يبيع التلاجة.
لأن التلاجة ماكانتش هي الهدف أصلًا الورقة كانت عبارة عن عقد التزام مالي، والمبلغ المكتوب فيها كان كبير بشكل خلاني أرجع أقعد من الصدمة.
رفعت عيني لجوزي
إيه ده؟
قال بسرعة
سيبيه يا سارة.
لأ، هاتهالي.
حاول ياخدها، لكني بعدت الملف عنه.
إنت مضيت باسمي على التزام بالمبلغ ده؟
سكت.
جاوبني!
قال بصوت واطي
كنت فاكر إني هقدر أسدده قبل ما تعرفي.
ضحكت من الصدمة
يعني إنت ما اكتفيتش إنك استخدمت فلوسي إنت كمان حطيت اسمي في التزام أنا معرفش عنه حاجة؟
حماتي قالت
يا بنتي كان بيحل مشكلة كبيرة!
بصيت لها
مشكلة مين؟
سكتت.
قلبت باقي الأوراق، وفجأة لقيت مستند بتاريخ قبل شراء المحل بأيام.
قرأته مرة
وبعدين مرة تانية.
كان فيه بند واضح جدًا إن المحل لم يكن هو سبب الاقتراض أصلًا.
رفعت الورقة لجوزي وقلت
إنت قلت لي إنك دفعت الفلوس عشان أختك.
وشه اتغير.
أيوه.
يبقى ليه الورقة دي بتقول حاجة تانية؟
أخته قربت من الملف
هو إيه اللي مكتوب؟
جوزي وقف بسرعة وقفل الملف.
محدش يفتح الموضوع ده.
بصيت له بثبات
لا.
وأشرت للملف
دلوقتي أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.
في اللحظة دي، حماتي قامت ومشت ناحية الباب، وكأنها عايزة تخرج قبل ما الكلام يكمل.
ناديتها
استني يا حماتي.
وقفت مكانها.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة من البداية، صح؟
ما ردتش.
لكن سكوتها كان أوضح من أي اعتراف.
جوزي بص لها بغضب وقال
ماما، خلاص!
لفيت له وقلت
إنت بتخاف عليها من إنها تتكلم ليه؟
ما ردش.
وفجأة موبايله رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قفل المكالمة فورًا.
قلت
مين؟
قال
محدش.
بعد ثواني، الموبايل رن تاني.
المرة دي ظهر الاسم قدامي بوضوح.
البنك.
مديت إيدي ناحية الموبايل وقلت
رد.
اتردد.
فقلت
لأن لو البنك هو اللي بيتصل يبقى الموضوع وصل لمرحلة إحنا ماينفعش نستخبى منها أكتر رد جوزي أخيرًا، وصوته كان متوتر
ألو أيوه، أنا كريم.
سكت وهو بيسمع الطرف التاني.
ملامحه بدأت تتغير واحدة واحدة.
أنا فضلت واقفة قدامه، مستنية.
وفجأة قال
لا، استنى إزاي يعني؟
سكت تاني.
وبعدين قال
أنا محتاج مهلة.
قفل المكالمة.
بصيت له وقلت
إيه اللي حصل؟
قال
مفيش.
ضحكت
بعد كل اللي حصل ولسه هتقول مفيش؟
حماتي قربت منه
البنك قال إيه؟
جوزي بص لها، وبعدها بص لي.
قالوا إن فيه قسط متأخر.
سألته
قسط إيه؟
القرض.
اتنهدت.
أي قرض؟
ما ردش.
قربت منه وخدت الملف من إيده، وبدأت أقلب في الأوراق.
لحد ما لقيت عقد القرض.
قرأت الاسم.
وبعدين قرأت الضمانات.
وساعتها اكتشفت إن المصيبة مش بس إن اسمي موجود
كان فيه بند بيحمّلني مسؤولية السداد لو هو اتأخر.
رفعت الورقة قدامه وقلت
إنت كنت عايز تبيع تلاجتي عشان تسدد القرض ده؟
وشه اتغير.
ما ردش.
قلت
وعشان كده كنت مستعجل تبيعها؟
فضل ساكت.
لكن أمه فجأة قالت
ما هو كان لازم يسدد قبل ما الموضوع يكبر!
بصيت لها.
يعني كنتِ عارفة؟
سكتت.
لفيت لجوزي
وأختك كانت عارفة؟
أخته بدأت تبكي وقالت
أنا عرفت من فترة قريبة
جوزي قاطعها
خلاص يا نور!
قلت
لأ، خليها تتكلم.
نور بصت لأخوها، وبعدها قالت
أنا عرفت إن فيه مشكلة في القرض بس كريم قال لي إن كل حاجة هتتحل.
قعدت بهدوء.
طيب آخر سؤال.
بصيت لجوزي مباشرة.
المبلغ اللي أخدته من حسابي راح كله في المحل والقرض؟
سكت طويلًا.
ثم قال
لأ.
قلبي اتقبض.
أمال راح فين؟
رفع عينه لي وقال
في حاجة تانية أنا ماكنتش عايزك تعرفي عنها أبدًا رفعت عيني له وقلت
في حاجة تانية؟ بعد كل اللي عرفته لسه في حاجة تانية؟
كريم نزل عينه في الأرض وقال
أنا كنت بسدد دين قديم على ماما.
بصيت لحماتي، وشها اصفر.
دين إيه؟
ما ردتش.
كريم كمل بصوت مكسور
من سنين كانت ماما ضامنة حد في مبلغ كبير، والراجل اختفى، والدين رجع عليها. أنا خفت عليها وعلى البيت، فبدأت أتصرف من فلوسك من غير ما أقولك.
صرخت
من فلوسي؟! وإنت شايف إن ده حقك؟
قال
كنت ناوي أرجعهم.
ضحكت من القهر
وكنت هترجعهم إمتى؟ بعد ما تبيع شقتي كمان؟
سكت.
وسكوته كان اعتراف.
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.
التلاجة ماكانتشي المشكلة.
التلاجة كانت آخر محاولة.
كان عايز يبيع حاجة أنا دفعت تمنها من تعبي، عشان يغطي حفرة هو وأهله كانوا بيعمقوها كل يوم.
فتحت شنطتي وطلعت ورقة كنت مخبياها.
حطيتها قدامه.
ده إلغاء التوكيل اللي كان معاك على حسابي.
اتجمد مكانه.
إنتِ عملتي كده إمتى؟
قبل ما أعرف كل اللي عملته بأسبوع.
وبعدين طلعت ورقة تانية.
وده عقد شقتي.
حماتي قالت بسرعة
يعني هتسيبيه عشان فلوس؟
بصيت لها وقلت
لأ. أنا هسيبه عشان اكتشفت إن حياتي معاه بقت مشروع مفتوح لكل واحد في عيلته.
كريم قرب مني
سارة، أنا غلطت بس والله ما كنت أقصد أضيعك.
قلت له بهدوء
وأنا مش هضيع نفسي عشان أصلح أخطاء غيري.
تاني يوم الصبح، رحت البنك ومعايا كل الأوراق.
الموظف راجع الملف، وبعدين قال
مدام سارة، فيه مستند هنا محتاج يتراجع رسميًا لأن التوقيع الموجود عليه مش مطابق لتوقيعك المسجل عندنا.
وقتها حسيت إن الأرض ثبتت تحت رجلي.
الموضوع ماكانش مجرد فلوس اتسحبت من حسابي.
كان فيه مستند اتقدم باسمي من غير علمي.
قدمت كل المستندات، وبدأت الإجراءات الرسمية.
أما كريم، فكان واقف بعيد، لأول مرة مش قادر يستخبى ورا أمه ولا أخته.
وبعد أيام، رجعت شقتي.
دخلت المطبخ، وبصيت للتلاجة الجديدة اللي كنت حوشت تمنها سنين.
ابتسمت.
مش عشان التلاجة.
لكن عشان فهمت أخيرًا إن الحاجة اللي دفعت تمنها بتعبي، مش لازم أتنازل عنها عشان أثبت إني زوجة كويسة.
ومن يومها، أي حد كان بيدخل حياتي ويقول
العيلة أهم.
كنت برد عليه
العيلة مهمة بس الظلم مش اسمه عيلة.
وكريم؟
بعد ما خسر ثقتي، اضطر يواجه كل ديونه بنفسه، وبدأ يسدد اللي عليه من غير ما يمد إيده على جنيه واحد من فلوسي.
وأنا بدأت من جديد
من غير خوف، ومن غير إحساس بالذنب.
لأني أخيرًا فهمت إن الحفاظ على بيتي مش معناه إني أهدم نفسي عشانه.