رجع بعد 5 سنين
أيوه.
فتحناه.
كان جواه دفتر حسابات قديم، وصور لعقود، ومظروف مكتوب عليه
إلى آلاء... عندما تصبح قادرة على معرفة الحقيقة.
تجمدت.
اسمي؟
جاسر بصلي.
افتحيه.
فتحت المظروف.
وكانت الرسالة بخط واضح.
لكن المفاجأة إن الرسالة مش من جاسر.
كانت من والد جاسر.
بدأت أقرأ
يا آلاء، يمكن يومًا ما توصلك الرسالة دي. ولو وصلت، يبقى أنا مش موجود عشان أشرح لك بنفسي.
سكتُّ.
ثم كملت
أنا أخطأت في حقك وحق أسرتك، لكن أكبر خطأ عملته كان إني جعلت ابني يختار بين مستقبله وبين الإنسانة اللي بيحبها.
نظرت إلى جاسر.
كان واقفًا في صمت.
أكملت القراءة
جاسر لم يتركك لأنه لم يحبك. تركك لأنه خاف أن أؤذي عائلتك. لكنه كان صغيرًا وقتها، وأنا استغليت خوفه.
دموعي نزلت.
ثم كانت آخر جملة
لو عاد يومًا وطلب منك فرصة، فلا تعطيه إياها بسبب الماضي... أعطيه إياها فقط إذا أثبت لك أنه أصبح الرجل الذي يستطيع أن يحمي قراره بنفسه.
قفلت الرسالة.
رفعت عيني لجاسر.
كان ساكتًا.
قلت
دلوقتي فهمت.
قال
فهمتي إيه؟
ليه رجعت.
قال
رجعت عشان المرة دي أنا اللي أختار.
سكتُّ.
ثم قلت
وأنا كمان.
ابتسم.
وفي نفس اللحظة، دخلت ماما وقالت
خلاص يا ولاد، اتفقنا.
بصينا لها.
على إيه؟
قالت
كتب الكتاب بعد شهر.
حنين صرخت
شهر واحد بس؟!
ماما ضحكت
هو إحنا هنفضل مستنيين خمس سنين كمان؟
ضحك الجميع.
أما أنا...
فبصيت لجاسر.
كان بيضحك.
وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن قلبي مش خايف من المستقبل.
لكن اللي ماكنتش أعرفه...
إن الشهر ده هيحمل لنا أكبر اختبار في حياتنا.
اختبار مش هيكون بيني وبين جاسر...
لكن بين حلمنا الجديد وكل الظروف اللي هتحاول تمنع اكتماله بعد الفرح بأسبوع، جه يوم سفر جاسر.
كنت واقفة في المطار، لكن المرة دي ماكانش في دموع ولا خوف.
كنت بحاول أكون قوية، وهو كان بيحاول يطمني.
قال
متأكدة إنك مش زعلانة؟
ابتسمت
زعلانة إنك هتبعد، بس مش زعلانة منك.
وهتكملي شغلك؟
طبعًا. أنا تعبت عشان أوصل للي أنا فيه.
ابتسم وقال
وده أكتر شيء بحبه فيكي.
قلت
وإنت هتعمل إيه هناك؟
هخلص المهمة وأرجع.
وأنا هفضل هنا أكمل تخصصي.
قال
يعني كل واحد فينا هيبني مستقبله.
وإحنا بنبني مستقبلنا سوا.
قبل ما يمشي، قال
آلاء، لو الأيام ضغطت عليكي...
قاطعته
هتكلمك.
ولو حصل بينا خلاف؟
هنتناقش.
ولو اشتقتي؟
ضحكت
هتسمع صوتي.
ابتسم.
اتفقنا.
وسافر.
في البداية، الأيام كانت صعبة.
كنت بين المستشفى والمذاكرة والبيت.
وهو بين شغله والاجتماعات.
لكننا عملنا نظام بسيط.
كل ليلة، مهما كان اليوم طويل، نتكلم.
مش لازم كلام كتير.
أحيانًا كنا نحكي عن يومنا فقط.
وفي مرة قلت له
جاسر، أنا اكتشفت حاجة.
إيه؟
البعد مش أصعب حاجة.
أمال إيه؟
إن الواحد يفضل شايل كلام جواه وميسأليش.
ضحك
واضح إن الخمس سنين علموكي كتير.
وعلموك إنت كمان؟
سكت لحظة.
ثم قال
أكتر مما تتخيلي.
مرت ستة شهور.
وفي يوم، وأنا في المستشفى، جالي اتصال من جاسر.
آلاء، أنا راجع مصر.
فرحت جدًا.
بجد؟
أيوه.
إمتى؟
بكرة.
لكن صوته كان غريبًا.
سألته
في إيه؟
لما أرجع هقولك.
رجع فعلًا في اليوم التالي.
لكن بدل ما ييجي البيت، طلب مني أقابله في بيت جدي.
استغربت.
ولما دخلت...
لقيت العيلة كلها موجودة.
والدي وماما وخالتي وحنين.
قلت
هو في إيه؟
جاسر وقف وقال
أنا رجعت مش عشان إجازة.
سكت الجميع.
ثم أخرج ملفًا.
رجعت نهائي.
فرحت.
يعني خلصت شغلك؟
قال
لأ.
ثم نظر لي وقال
قدمت استقالتي.
اتصدمت.
ليه؟
عشان جالي عرض تاني.
ورفضته؟
أيوه.
زعلت.
جاسر، إحنا اتفقنا إنك ما تضحيش بمستقبلك عشاني.
ابتسم وقال
استني تسمعي العرض.
فتح الملف.
الشركة عرضت عليا إدارة فرع جديد في مصر، وطلبوا مني أختار المكان.
بصيت له.
واخترت مصر؟
أيوه.
ثم أضاف
مش عشانك بس. عشان أنا اكتشفت إن النجاح مش لازم يكون بعيد عن الناس اللي بنحبهم.
والدي ابتسم.
حنين قالت
أخيرًا حد فهم!
ضحكنا.
لكن جاسر فجأة قال
وفي حاجة تانية.
بصيت له.
إيه؟
قال
أنا عايز نبدأ مشروع خاص بينا.
مشروع؟
عيادة طبية متخصصة.
سكتُّ من المفاجأة.
أنا وإنت؟
أيوه.
بس أنا لسه في بداية تخصصي.
وأنا عندي خبرة في الإدارة.
ابتسمت.
يعني ناوي تخليني شريكتك؟
قال
مش شريكتي بس.
ثم نظر إلى الأوراق وقال
المشروع هيكون باسمنا إحنا الاتنين، وكل واحد فينا له دوره.
أخذت الملف.
ولأول مرة، ما حسيتش إن جوازي من جاسر أوقف أحلامي.
بالعكس...
حسيت إنه بيكبرها.
وبعد شهور من العمل والتجهيز، افتتحنا العيادة.
وقفت أمام اللافتة.
كان مكتوبًا
مركز آلاء وجاسر الطبي
نظرت له وضحكت
كنت فاكرة إن قصتنا هتنتهي من خمس سنين.
قال
وأنا كنت فاكر إن القرار اللي أخدته وقتها هيحمينا.
لكنه وجعنا.
وعشان كده اتعلمنا.
سألته
لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل إيه؟
فكر قليلًا.
ثم قال
كنت هتكلمك.
ابتسمت.
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هقولك من أول يوم إني مش عيلة.
ضحك.
ثم نظر إلى اللافتة وقال
الحمد لله إننا ما استسلمناش للماضي.
دخلنا المركز.
وكانت أول مريضة تنتظر دورها.
بصيت لجاسر وقلت
جاهز؟
قال
طول ما إحنا بنتكلم، جاهز.
وبدأت أولى خطوات حلمنا...
مش كقصة حب بدأت من الطفولة.
لكن كقصة شخصين اتفرقوا، وكبروا، واتعلموا، ثم رجعوا لبعض وهم فاهمين معنى المسؤولية والاختيار.
وفي النهاية، آلاء ما أثبتتش لجاسر إنها كبرت...
هي أثبتت لنفسها إنها كانت قوية من البداية.
وجاسر؟
اتعلم إن الحب مش إنك تختار بدل الشخص اللي بتحبه...
الحب إنك تحترم اختياره، وتفضل صادق معاه مهما كانت الظروف مرت ثلاث سنين...
العيادة اللي بدأت بإمكانيات بسيطة، بقت من أشهر المراكز في المنطقة.
آلاء أنهت تخصصها، وجاسر نجح في إدارة المركز، وكل واحد فيهم كان شايف نجاح التاني كأنه نجاحه هو.
وفي يوم، رجعوا بيت جدي.
نفس البيت اللي بدأت فيه الحكاية من سنين.
وقفت آلاء في نفس المكان اللي قابلت فيه جاسر لأول مرة بعد غياب خمس سنين.
ضحكت وقالت
فاكر اليوم ده؟
جاسر ابتسم
مستحيل أنساه.
كنت فاكرني لسه عيلة.
وكنت أغبى واحد في الدنيا.
ضحكت.
عرفت متأخر.
قال
بس المهم إني عرفت.
دخلت حنين وهي بتقول
إنتوا لسه بتتكلموا عن نفس الموضوع بعد كل السنين دي؟
ضحكوا.
جلست العيلة كلها حولهم.
وكان الجد، قبل وفاته، قد ترك رسالة قصيرة لآلاء وجاسر.
فتحتها آلاء وقرأت
أجمل شيء في الحياة إن الإنسان يتعلم من أخطائه، لكن الأجمل إنه ما يسمحش لأخطائه تمنعه من بداية جديدة.
سكت الجميع.
آلاء بصت لجاسر وقالت
تعرف إيه أكتر حاجة أنا فخورة بيها؟
إيه؟
إني في اليوم اللي رجعت فيه، ما كنتش مستنية منك تختارني.
وعشان كده اخترتك.
ابتسمت وقالت
وأنا اخترتك... بس المرة دي وأنا عارفة أنا بختار مين وليه.
مرت لحظة هدوء جميلة.
ثم قالت حنين
طب بما إننا خلصنا قصة الخمس سنين دي... حد يفكرنا إحنا ليه اتجمعنا النهارده؟
جاسر ضحك
عشان نحتفل بافتتاح الفرع الجديد.
آلاء بصت له بدهشة
فرع جديد؟
قال
أيوه.
وإنت مخبي عليا؟
كنت مستني أشوف رد فعلك.
ضحكت وقالت
يعني لسه بتعمل مفاجآت؟
بس المرة دي من غير أسرار.
ضحك الجميع.
خرجوا إلى الحديقة.
كانت الشمس بتغرب بهدوء.
آلاء وقفت للحظة وبصت للبيت.
في نفس المكان ده، كانت من خمس سنين بنت صغيرة بتبكي لأنها افتكرت إنها ماكانتِش كفاية.
أما دلوقتي...
فكانت واقفة امرأة ناجحة، طبيبة، صاحبة قرار، وشريكة في حياة اختارتها بإرادتها.
قالت لنفسها
أنا ما كنتش محتاجة حد يرجع عشان يثبتلي قيمتي... أنا اكتشفت قيمتي بنفسي.
اقترب جاسر وقال
سرحانة في إيه؟
ابتسمت
بفتكر البداية.
قال
وأنا بفتكر أغبى قرار أخدته في حياتي.
ضحكت
وقرارك الأحسن؟
نظر لها وقال
إني لما رجعت، المرة دي ما هربتش.
رفعت رأسها وقالت
وأنا لما رجعت ليك، ما نسيتش نفسي.
وهنا انتهت الحكاية...
مش لأن الحياة
بقت من غير مشاكل.
لكن لأن آلاء وجاسر فهموا أخيرًا إن الحب الحقيقي مش وعد إن الحياة هتكون سهلة، لكنه وعد إن كل واحد فيهم هيحترم التاني، ويسمعه، ويدعمه، وما يتخلاش عن نفسه عشان العلاقة.
وبعد خمس سنين من الفراق...
بدأت قصتهم من جديد.
لكن المرة دي...
ماكانش فيها بنت صغيرة مستنية فارس ينقذها.
كان فيها دكتورة قوية اختارت شريك حياتها بنفسها...
ورجل عرف أخيرًا قيمة الإنسانة اللي كان فاكرها يومًا لسه عيلة.