دخلت الشقة لمنى السيد
دخلت الشقة، وأول ما سمعت صوت حماتها جاي من جوه الأوضة، وقفت مكانها من غير ما تتحرك.
كان صوت الحاجة هدى مختلف تمامًا عن كل مرة سمعته فيها.
صوت قوي واضح مليان نشاط.
قالت هدى وهي بتضحك في التليفون
دي فاكرة نفسها بتخدمني من طيبة قلبها، وهي مش عارفة إني عاملة نفسي تعبانة!
منى بصت لجوزها أحمد بصدمة.
أحمد نفسه فضل ساكت للحظات، كأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه.
فلاش باك
حبيبي، إيه رأيك نروح لمامتك النهارده بدري شوية؟
قالتها منى وهي بتلم السفرة بعد الفطار.
ابتسم أحمد
ليه؟
نفسي ألحق أروق لها الشقة قبل الجمعة، وأعمل لها شوية محشي وشوربة خضار، وأحط لها أكل في الفريزر يكفيها كام يوم. هي يا حبيبي بقت كبيرة في السن، والسن له أحكامه.
أحمد بص لها بتقدير
لو عندك طاقة، أنا طبعًا معنديش مانع. ربنا يخليكي ليا.
منى ابتسمت.
كانت من النوع اللي لما يحب حد، يحب يساعده من غير ما يستنى مقابل.
وبعد الضهر، نزلت مع أحمد وهي شايلة أكياس خضار وفاكهة ومنظفات.
وصلوا شقة الحاجة هدى.
أحمد فتح الباب بالمفتاح بهدوء، عشان ما يزعجش أمه.
لكن أول ما دخلوا
سمعوا صوتها من داخل الغرفة.
أيوه يا لولو، أنا كويسة جدًا!
منى وقفت مكانها.
أحمد بص لها.
الصوت لم يكن صوت امرأة مريضة.
كان صوت امرأة مليانة حيوية.
وكمل صوت هدى
أنا بس بعمل نفسي تعبانة قدامهم.
منى حطت إيدها على فمها من الصدمة.
أما أحمد فكان بيبص ناحية باب الغرفة، وعينيه بدأت تتغير.
لكن قبل ما نعرف الحقيقة، لازم نرجع شوية لورا
قبل الجواز بشهور.
منى كانت فقدت الأمل تقريبًا إنها تتجوز.
كانت حياتها شغل وبيت ومسؤوليات، لحد ما ظهر أحمد في حياتها.
كان رجلًا هادئًا ومحترمًا، وأول ما اتكلم معاها حسّت إنه مختلف.
لكن كانت فيه عقبة واحدة
أمه، الحاجة هدى.
الحاجة هدى كانت امرأة قوية الشخصية، قضت عمرها في الإدارة، وبعد خروجها على المعاش فضلت شخصيتها كما هي.
في أول مقابلة بينها وبين منى، سألتها أسئلة كثيرة
بتشتغلي إيه؟
دخلك كام؟
أهلك فين؟
بتحبي تعيشي فين؟
منى جاوبت بأدب على كل سؤال.
وبعد المقابلة، أحمد اعتذر لها
معلش يا منى، أمي شخصيتها صعبة شوية.
ابتسمت وقالت
دي والدتك، وأنا مقدرة ده.
تم الزواج.
وبعد فترة قصيرة، بدأت الحاجة هدى تشتكي.
مرة تقول إنها مش قادرة تتحرك.
ومرة تقول إن ركبتها بتوجعها.
ومرة تدعي إنها مش قادرة تعمل الأكل.
وفي يوم، اتصلت بأحمد بصوت ضعيف
الحقني يا ابني أنا تعبانة ومفيش حد جنبي.
أحمد جري عليها.
ولما وصل، وجد أمه جالسة على الكرسي وتمسك عصا.
قال بقلق
مالك يا أمي؟
قالت
أنا مش قادرة أخدم نفسي. البيت محتاج تنظيف، والأكل مفيش، وأنا بقيت لوحدي.
أحمد اتأثر.
رجع لمنى وقال
ماما محتاجة حد يقف جنبها.
منى لم تتردد.
خلاص، نروح نقعد معاها فترة.
وهنا بدأت الحكاية.
منى كانت بتصحى من الفجر.
تطبخ.
تنظف.
تغسل.
ترتب.
تجهز أكل يناسب سن الحاجة هدى.
وتتابع مواعيد الأدوية.
وفي المقابل، كانت الحاجة هدى طوال الوقت تقول
رجلي وجعاني.
ضهري مش قادرني.
أنا مش قادرة أقف.
ومنى كانت تصدقها.
كانت تقول لنفسها
يمكن أنا ظلمتها في الأول يمكن فعلًا محتاجة حد يساعدها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كل صباح، بمجرد خروج أحمد ومنى من الشقة، كانت الحاجة هدى تغير ملابسها، وتقوم من مكانها بشكل طبيعي.
تدخل المطبخ.
تعمل قهوتها.
تفتح الثلاجة.
وتأكل الحلويات اللي كانت مخبياها.
ثم تجلس أمام التلفزيون وتقول لنفسها
خليهم يتعلموا إن البيت له صاحبة.
وفي المساء، كانت تعود لتمثيل دور المرأة العاجزة.
وفي يوم، قالت لها منى
يا حاجة هدى، لو مش قادرة فعلًا، نجيب لك ممرضة أو واحدة تساعدك.
هدى رفضت بسرعة
لا! أنا مش عايزة غريبة في بيتي.
منى لم تشك.
لكن في ذلك اليوم
كان كل شيء سينكشف.
عاد أحمد ومنى إلى الشقة قبل موعدهما المعتاد.
دخل أحمد بالمفتاح.
وفجأة سمعا صوت أمه.
دي فاكرة نفسها بتخدمني من طيبة قلبها!
سكتت لحظة ثم ضحكت.
وهي مش عارفة إني عاملة نفسي تعبانة.
منى شعرت بصدمة كبيرة.
ثم سمعت هدى تقول
خليها تنظف وتطبخ براحتها. أنا طول عمري شايلة البيت، دلوقتي دوري أرتاح!
أحمد لم يتحمل.
فتح باب الغرفة وقال
خلاص يا أمي ارتاحي.
هدى انتفضت.
أحمد!
قال بهدوء شديد
أيوه يا أمي أحمد. وسمعت كل حاجة.
سكتت هدى.
منى كانت واقفة خلفه، ولم تتكلم.
قال أحمد
أنا مش زعلان إنك محتاجة مساعدة. أنا زعلان إنك كذبتي عليا وعلى مراتي.
هدى حاولت تبرر
أنا كنت بخاف أخسرك.
رد أحمد
وإيه علاقة منى بده؟
من يوم ما اتجوزت وهي بقت أهم واحدة في حياتك.
منى قالت بهدوء
يا حاجة هدى، أنا عمري ما طلبت من أحمد يبعد عنك. بالعكس، أنا كنت دايمًا اللي بشجعه يزورك ويسأل عليك.
هدى سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض
أنا كنت بختبرك.
منى سألتها
تختبريني في إيه؟
هدى ردت
كنت عايزة أعرف هتفضلي مع ابني ولا هتزهقي مني.
منى هزت رأسها بأسى
كنتِ تقدري تعرفي ده بالكلام، مش بالخداع.
أحمد قال بحسم
من النهارده كل حاجة هتتغير.
هدى نظرت إليه بقلق.
يعني هتسيبني؟
لا يا أمي. أنا مش هسيبك. لكن مش هسمح إنك تظلمي منى.
ثم أكمل
لو محتاجة مساعدة، هنجيب لك واحدة تساعدك. ولو عندك مشكلة صحية، هنروح للدكتور. لكن التمثيل انتهى.
منى قالت
وأنا مش هزعل منك لو اعتذرتي بصدق.
هدى ظلت صامتة طويلًا.
ثم قالت
أنا غلطت.
كانت أول مرة تعترف فيها بذلك.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن اعتذار الحاجة هدى
لأن في اليوم التالي، وهي بتفتح درج قديم في غرفتها، لقت ورقة مكتوبة بخط يدها من سنين.
ورقة كانت مخبياها عن أحمد طوال حياته.
وعلى أول سطر منها كان مكتوب
لو في يوم ابني اتجوز لازم يعرف الحقيقة دي.
هدى قرأت الورقة، ووجهها تغير تمامًا.
لأن السر الموجود فيها لم يكن متعلقًا بمنى
بل كان متعلقًا بأحمد نفسه
الحاجة هدى فضلت واقفة قدام الدرج، والورقة بين إيديها، وإيديها بتترعش.
كانت فاكرة إن الورقة دي ضاعت من سنين.
لكنها ظهرت في أسوأ وقت ممكن.
دخل أحمد المطبخ وقال
ماما، إنتِ كويسة؟
قفلت هدى الدرج بسرعة.
أيوه يا ابني.
منى كانت بتجهز الشاي، لكنها لاحظت ارتباك هدى.
قال أحمد
إنتِ من إمبارح مش على بعضك. في حاجة؟
هدى بصت له طويلًا.
ثم قالت
أحمد لو قلت لك حاجة، توعدني إنك تسمعني للآخر؟
أوعدك.
سحبت الكرسي وجلست.
وقالت
الورقة دي كتبتها من أكتر من عشرين سنة.
أحمد عقد حاجبيه
ورقة إيه؟
هدى فتحت الدرج وأخرجتها.
ناولتها له.
أحمد بدأ يقرأ.
كل سطر كان بيغير ملامح وشه.
منى وقفت بعيد، وما حاولتش تقرأ.
وبعد لحظات، رفع أحمد عينيه
يعني إيه الكلام ده؟
هدى بلعت ريقها.
يعني إن أبوك قبل ما يتوفى كان سايب لك أمانة.
أحمد سأل بسرعة
فلوس؟
لأ.
أرض؟
لأ.
أمال إيه؟
هدى قالت
محل صغير في البلد كان أبوك شاريه باسمك وإنت لسه طفل.
أحمد سكت.
طب وإيه المشكلة؟
هدى تنهدت
المشكلة إن المحل ده كان عليه خلاف كبير بين والدك وشريكه. والدك مات قبل ما يخلص الموضوع.
منى سألت بهدوء
يعني المحل لسه موجود؟
هدى أومأت.
موجود.
أحمد قام واقفًا
وليه مخبية عني كل السنين دي؟
هدى نزلت عينيها.
كنت خايفة عليك.
خايفة عليا من إيه؟
من الناس اللي كانت عايزة تاخد حق أبوك.
ثم قالت
وأنا غلطت لما خفت زيادة عن اللزوم. بدل ما أحميك، خبيت