فتحت عينى رودى خالد
المحتويات
عندك دليل؟
ليلى نظرت لصوفيا.
عندي حاجة مستحيل حد يعرفها غيري.
ثم قالت
وإنتِ عندك سبع سنين، وقعتي من على السلم واتكسرت إيدك الشمال. فضلتِ تعيطي وتقولي إنك خايفة الدكتور يحط لك جبيرة لونها أبيض.
صوفيا بدأت تبكي.
كانت ذكرى قديمة جدًا.
شيء لا يمكن لأي غريب معرفته بسهولة.
لكن والدها ظل متشككًا.
الذكريات ممكن تتسرق.
ليلى نظرت إليه بحزن.
لسه بتشك فيا؟
قبل أن يرد، انطلقت صفارة إنذار من المبنى.
الضابط نظر إلى هاتفه.
كل مخارج المكان اتقفلت.
مايكل قال
حد قفلها من الداخل!
ليلى اقتربت من الحائط وضغطت على زر مخفي.
انفتح ممر جانبي.
من هنا.
قال الضابط
وإنتِ عارفة الممر ده إزاي؟
ردت
لأني أنا اللي بنيته.
ركض الجميع داخل الممر.
وفي منتصف الطريق، أخرجت ليلى مفتاحًا صغيرًا وسلمته لصوفيا.
خديه.
ده مفتاح إيه؟
هتعرفي لما توصلي لآخر الممر.
بعد دقائق وصلوا إلى غرفة صغيرة.
في وسطها صندوق زجاجي.
فتحت صوفيا الصندوق بالمفتاح.
وجدت بداخله ملفًا واحدًا.
على الغلاف كان مكتوبًا
الحقيقة الكاملة ممنوع الفتح.
فتحت الملف.
أول صفحة كانت صورة لوالدها ووالدتها منذ خمسة عشر عامًا.
لكن خلفهما كان يقف شخص ثالث.
صوفيا رفعت الصورة.
مين ده؟
ليلى قالت
الشخص اللي بدأ كل حاجة.
قلبت صوفيا الصفحة.
ثم تجمدت.
كان هناك اسم كامل وتوقيع.
رفعت عينيها ببطء.
مستحيل
مايكل سأل
إيه؟
قالت
الاسم ده موجود في كل الملفات.
الضابط أخذ الورقة.
قرأ الاسم.
ثم قال
ده مسؤول كبير سابق لكنه مات من سنين.
ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة.
دي هي الكذبة اللي صدقناها كلنا.
وفجأة سمعوا صوت باب يُفتح خلفهم.
التفتوا.
كان ريتشارد واقفًا عند المدخل.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان بجانبه رجل آخر.
نظر الرجل إلى صوفيا.
ثم قال بهدوء
كفاية لعب.
صوفيا تراجعت.
لأنها تعرف هذا الصوت.
لقد سمعته من قبل.
في تسجيل والدها.
وفي المشرحة.
وفي الليلة التي تعرضت فيها للحادث.
قال الرجل
سلّمي الملف.
سألته صوفيا
إنت مين؟
ابتسم.
أنا الشخص اللي كان أبوكي بيحاول يهرب منه من خمسة عشر سنة.
ثم خلع نظارته.
صوفيا شهقت.
لأنها تعرف وجهه.
لقد رأته عشرات المرات
في بيتها القديم.
في صور عائلتها.
وفي ألبومات طفولتها.
كان
خالها.
لكن والدها صاح
لا تصدقيه يا صوفيا!
اقترب الرجل خطوة.
وقال
اسألي أمك هي عارفة الحقيقة.
نظرت صوفيا إلى ليلى.
فقالت أمها بصوت مرتعش
أيوه أنا عارفة.
ثم أضافت
لأن خالك هو اللي دبّر موتي.
ساد الصمت.
لكن خالها ابتسم.
مش أنا اللي دبرت موتك يا ليلى.
ثم نظر إلى صوفيا وقال
أمك هي اللي طلبت مننا نعلن وفاتها.
صوفيا وضعت يدها على رأسها.
كل شيء كان ينقلب أمامها.
والدها حي.
أمها حية.
وخَالها متورط.
لكن السؤال الأكبر ظل بلا إجابة
لماذا اختارت أمها أن تختفي وتترك ابنتها وحدها كل هذه السنوات؟
وقبل أن تتكلم
أخرج خالها هاتفًا وشغّل تسجيلًا قديمًا.
وكان صوت أمها نفسها يقول
لو حصل لي أي حاجة ما حدش يقول لصوفيا الحقيقة إلا لما تتم 25 سنة.
صوفيا نظرت إلى أمها.
ليه استنيتي لحد دلوقتي؟
ليلى أغمضت عينيها.
ثم قالت
لأن الحقيقة يا بنتي
مرتبطة بيكي إنتِ.
وتحت التسجيل ظهر تاريخ قديم.
كان يوم ميلاد صوفيا.
ثم ظهرت كلمة واحدة
الوريثة وقفت صوفيا قدام الجملة وهي حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
دفنه وهو حي؟!
رد سامر بسرعة
دي مش جملة مجازية دي معلومة.
بص له الضابط بحدة
تقصد إيه؟
سامر قال
من خمسة عشر سنة، أبوها اختفى في مكان اسمه المبنى القديم مبنى تابع للمستشفى، واتقفل من سنين.
مايكل اتدخل
المبنى القديم؟! ده اتقفل بعد حريق كبير.
صوفيا بصت له
وإيه اللي حصل وقتها؟
سكت مايكل لحظة.
سبعة مرضى كانوا موجودين وقت الحريق اختفوا من السجلات.
اتسعت عينا صوفيا.
يعني الأسماء اللي في الملفات
هي نفس الأسماء.
فجأة فهمت.
الشبكة لم تكن تزور شهادات الوفاة فقط.
كانت تمحو أشخاصًا من السجلات، ثم تخفيهم بعيدًا عن العالم.
تحركت الشرطة فورًا ناحية المبنى القديم.
وصلوا بعد دقائق.
كان المكان مهجورًا، والأبواب مغطاة بالأتربة.
لكن بابًا واحدًا كان جديدًا.
قال الضابط
حد بيدخل هنا لحد دلوقتي.
فتحوا الباب.
في الداخل، وجدوا ممرًا طويلًا.
وفي نهايته غرفة واحدة عليها رقم
17
صوفيا وقفت أمامها.
كان الرقم نفسه الموجود في إحدى أوراق والدها.
فتحت الباب.
كانت الغرفة فارغة تقريبًا.
سرير قديم.
كرسي.
ومصباح صغير.
وعلى الحائط صورة لعائلة صوفيا.
والدها
والدتها
وصوفيا وهي طفلة.
لكن أسفل الصورة كان مكتوبًا
العائلة التي بدأت كل شيء.
اقتربت صوفيا.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها
صوفيا
استدارت.
رجل مسن كان واقفًا عند الباب.
لم يكن سامر.
ولم يكن الضابط.
كان أحد المرضى القدامى.
قال الرجل
أبوكي كان هنا.
صوفيا اقتربت منه.
شفته؟
أيوه.
فين دلوقتي؟
أشار الرجل إلى أرضية الغرفة.
تحتنا.
نظر الضابط للأرض.
ثم لاحظ قطعة معدنية صغيرة بين البلاط.
رفعها.
فتح جزء من الأرضية.
ظهر سلم ضيق يؤدي إلى الأسفل.
نزلوا بحذر.
وفي نهاية السلم، وجدوا غرفة سرية.
وهناك
كان والد صوفيا جالسًا على كرسي.
حيًا.
لكنه كان ضعيفًا ومتعبًا.
صرخت صوفيا
بابا!
رفع رأسه.
وعندما رأها، امتلأت عيناه بالدموع.
كنت عارف إنك هتوصلي.
اقتربت منه.
ليه عملت فيا كده؟ ليه خليتني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إنك مت؟
قال
عشان أحميكي.
وتحمي مين كمان؟
صمت.
ثم نظر إلى مايكل.
وقال
لأن اللي كان بيحصل ما كانش مجرد شبكة تزوير.
سأل الضابط
أمال كان إيه؟
والد صوفيا قال
كانوا بيستخدموا هويات الموتى علشان يخفوا جرائم أكبر.
وقبل أن يكمل
سمعوا صوت تصفيق بطيء من آخر الغرفة.
تصفيق شخص كان مختبئًا في الظلام.
خرج رجل إلى النور.
صوفيا اتجمدت.
كان الدكتور ريتشارد.
لكن المفروض إنه كان مقبوض عليه.
قال بابتسامة
برافو يا صوفيا.
رفع الضابط سلاحه.
مكانك!
ضحك ريتشارد.
المشكلة إنكم لسه فاكرين إن أنا اللي بحرك كل حاجة.
ثم نظر إلى والد صوفيا.
هو الوحيد اللي يعرف مين الرأس الحقيقي.
صوفيا بصت لوالدها.
مين؟
والدها أغمض عينيه.
وبصوت مكسور قال
الشخص اللي كنت فاكره مات من خمسة عشر سنة
ثم فتح عينيه وقال
أمك.
ساد الصمت.
صوفيا لم تستطع الكلام.
لأن أمها
كانت المفروض ماتت من خمسة عشر سنة.
لكن والدها أضاف
أمك ما ماتتش.
ثم سمعوا صوت امرأة من خلفهم
وأنا كنت مستنياكي يا صوفيا.
استدار الجميع.
وكانت امرأة تقف عند باب الغرفة.
وجهها تغيّر من السنين
لكن صوفيا عرفتها فورًا.
أمها فضل الهاتف واقع على الأرض، وصوت المرأة لسه مسموع من السماعة.
مايكل رد عليّ.
مايكل كان واقفًا كأنه اتشل.
صوفيا قربت منه وقالت
مين دي؟
رفع عينيه ببطء.
اسمها نور.
بنتك؟
هز رأسه.
مش ممكن أنا ما عنديش بنت.
ليلى قالت بهدوء
عندك.
نظر إليها مايكل بصدمة.
إنتِ عارفة؟
أنا اللي طلبت منك تخبي وجودها.
سألها والد صوفيا
ليه؟
ليلى فتحت الملف الأخير.
لأن نور هي اللي كانت معاها النسخة الأصلية من كل الملفات.
صوفيا أخذت الملف.
وجدت صورة لفتاة صغيرة، ثم صورة لها وهي شابة.
وبجانب الصور كان هناك تقرير طبي.
لكن اسم الأب كان مكتوبًا مايكل.
قالت صوفيا
يعني نور كانت عايشة وسط كل ده؟
رد مايكل
أنا كنت فاكر إنهم أخدوها مني وهي طفلة وبعدها عرفت إنها كانت بتتخفى طول السنين.
رن الهاتف من جديد.
هذه المرة رد مايكل.
جاء صوت نور
أنا في محطة القطار القديمة.
قال مايكل
استني مكانك.
ما ينفعش. هما عرفوا مكاني.
ثم صمتت لحظة.
واللي معايا مش مجرد ملفات.
أمال إيه؟
دليل يثبت مين بدأ كل ده.
أغلقت الهاتف.
تحرك الجميع بسرعة إلى المحطة.
لكن عندما وصلوا، لم يجدوا نور.
وجدوا فقط حقيبة صغيرة على مقعد.
فتحها مايكل.
كان بداخلها القرص الإلكتروني الأصلي، ومعه رسالة
لو وصلتوا هنا، يبقى أنا اتقبض عليّ أو اختفيت.
صوفيا قالت
لازم نفتش المكان.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوتًا من مكبرات المحطة.
كان صوت نور.
صوفيا لو إنتِ سامعاني، متدوريش عليّ.
صوفيا اقتربت من السماعة.
نور!
تابع الصوت
كل اللي حصل ليكي كان هدفه إنك توصلي للحقيقة بنفسك.
ثم ظهرت على شاشة المحطة صور وملفات كثيرة.
أسماء.
تواريخ.
حسابات.
وتسجيلات.
وفي منتصف الشاشة ظهر اسم الشخص المسؤول عن كل العمليات.
صوفيا قرأت الاسم.
ثم بدأت ترتجف.
لا
والدها قال
عرفتيه؟
أومأت.
أيوه.
كان الاسم لشخص لم يكن غريبًا عليهم.
كان أحد أقرب الناس للعائلة.
لكن قبل أن تنطق اسمه، ظهر بث مباشر.
ظهر خالها.
وخلفه نور.
كانت محتجزة في غرفة، لكنها بدت بخير.
قال خالها
عايزين الحقيقة؟ الحقيقة إن كل واحد فيكم كان بيحاول يحمي نفسه.
نظر إلى صوفيا عبر الكاميرا.
لكنك الوحيدة اللي عندها كل الأدلة.
ردت صوفيا
انتهيت.
ضحك.
لأ إنتِ لسه في البداية.
وفجأة ظهرت الشرطة من كل الاتجاهات.
كان الضابط قد تتبع الإشارة.
تم القبض على خالها، وريتشارد، وباقي أفراد الشبكة.
أما نور فتم إنقاذها.
وبعد التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
والد صوفيا ووالدتها اختفيا لحمايتها، ومايكل ساعدهما في إخفاء الأدلة، بينما كانت الشبكة تستغل سجلات المرضى لإخفاء جرائم مالية واختفاءات قديمة.
أما حادث صوفيا، فكان محاولة لإسكاتها بعدما اقتربت من اكتشاف الحقيقة.
وبعد أيام
وقفت صوفيا أمام قبر اعتقدت طوال حياتها أنه قبر والدتها.
ثم وضعت عليه وردة.
لكن هذه المرة، لم تكن تبكي.
لأن أمها كانت واقفة بجانبها.
والدها أيضًا.
ومايكل كان واقفًا مع نور.
قالت صوفيا
أغرب حاجة في كل اللي حصل إني افتكرت إن أصعب لحظة كانت لما فتحت عيني على طاولة التشريح.
ابتسم والدها.
وإيه الأصعب؟
نظرت صوفيا إلى عائلتها.
إني عشت سنين وأنا فاكرة إنكم موتى.
ثم أضافت
بس يمكن لو ما حصلش كده ما كناش هنكتشف الحقيقة أبدًا.
مرت أشهر.
أغلقت القضية رسميًا.
وعادت صوفيا لحياتها من جديد.
أما المشرحة، فظل مايكل يعمل فيها، لكن شيئًا واحدًا تغير.
كلما وصلت إليه حالة وفاة جديدة، كان يتأكد بنفسه من النبض والتنفس قبل أن يصدق أي ورقة.
وفي آخر يوم له قبل التقاعد، وقف أمام طاولة التشريح التي بدأت عندها كل الحكاية.
ابتسم وقال
أحيانًا الجثة اللي بنفتكر إنها نهاية القصة، بتكون هي أول سطر فيها.
وأغلقت صوفيا آخر ملف في القضية.
لكنها احتفظت بالورقة التي كانت سبب كل شيء.
الورقة التي كتب عليها والدها قبل خمسة عشر عامًا
لو وصلتي للحقيقة عيشي حياتك من غير خوف.
ومن يومها
لم تعد صوفيا تخاف من الموت.
لأنها عرفت أن أصعب شيء ليس أن يموت الإنسان
بل أن يعيش وهو يظن أن الحقيقة ماتت معه صوفيا فضلت تبص لكلمة الوريثة وهي مش فاهمة.
وريثة إيه؟!
ليلى قربت منها وقالت
أبوكي وأمك كانوا بيشتغلوا في مؤسسة خيرية كبيرة، وكان فيه صندوق أمانات باسمك من يوم ما اتولدتي.
صوفيا هزت رأسها.
وأنا مالي بكل ده؟
رد والدها
لأن الصندوق كان فيه مستندات تثبت جرائم الشبكة كلها.
رفع خالها حاجبه وقال
وكان لازم المستندات تفضل مخفية لحد ما صوفيا تبلغ السن القانوني.
الضابط سأله
وإنت كنت عايز المستندات ليه؟
ضحك خالها.
مش أنا الوحيد اللي عايزها.
وفجأة رن هاتفه.
نظر للشاشة، ثم تغير وجهه.
قال
اتأخرنا.
أشار ريتشارد إلى الباب.
لازم نمشي.
الضابط حاول إيقافهم، لكن انقطع التيار بالكامل.
وفي الظلام، اختفى خال صوفيا
متابعة القراءة