فتحت عينى رودى خالد
المحتويات
سمعوا صوت باب يُغلق خلفهم.
استدار الضابط بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكن المفتاح الصغير الموجود داخل الصندوق بدأ يضيء ضوءًا أحمر.
ثم صدر منه صوت قصير.
مايكل صرخ
ابعدوا عن الصندوق!
وفي نفس اللحظة، انفتح باب سري في الحائط.
ظهر خلفه ممر ضيق مظلم.
وعلى أول حائط داخله كانت هناك صورة ضخمة لصوفيا.
وتحتها تاريخ اليوم.
تاريخ وفاتها الرسمي.
لكن بجوار التاريخ كانت جملة واحدة
المرة الأولى فشلنا المرة الثانية لن تفشلي في الموت رجع مايكل لغرفة صوفيا وهو مش قادر يستوعب اللي شافه.
قفل الباب وراه، وبص لها بجدية
صوفيا أنا عرفت مين كان واقف قدام كاميرا المراقبة.
اتوترت فورًا.
مين؟
سكت مايكل لحظة، ثم قال
الدكتور ريتشارد مدير المستشفى.
صوفيا شهقت.
مستحيل!
إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها بسرعة.
هو نفسه اللي استلم ملف حالتي بعد الحادث.
سألها مايكل
وإيه اللي حصل؟
صوفيا بصت للأرض، وقالت
قبل الحادث بيومين، كنت بشتغل على أرشيف المستشفى. بالصدفة لقيت ملفات لمرضى مكتوب إنهم ماتوا لكن فيه أرقام دخول وخروج بتثبت إنهم خرجوا من المستشفى وهم أحياء.
اقترب مايكل منها.
يعني كانوا بيزوروا شهادات الوفاة؟
أيوه بس مش ده كل شيء.
فتحت صوفيا الحقيبة وأخرجت الذاكرة الإلكترونية.
أنا صورت الملفات كلها.
في اللحظة دي انطفأت أنوار الغرفة.
صمت تام.
ثم سمعا صوت خطوات في الممر.
اقتربت الخطوات من الباب.
مايكل أشار لصوفيا ألا تتحرك.
وفجأة
مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.
ثم جاء صوت من الخارج
صوفيا أنا عارف إنك هنا.
تجمدت في مكانها.
كان صوت الدكتور ريتشارد.
لكن مايكل لم يفتح الباب.
قال بصوت مرتفع
المريضة محتاجة راحة. ارجع بعدين.
جاء الرد
افتح يا مايكل الموضوع أكبر منك.
سكت مايكل.
ثم نظر لصوفيا وقال بهمس
عندك نسخة من اللي على الذاكرة؟
قالت
أيوه.
فين؟
في مكان محدش يعرفه.
ابتسم مايكل لأول مرة.
ثم قال
يبقى لسه عندنا فرصة.
فجأة انفتح الباب بقوة.
لكن لم يكن ريتشارد وحده.
كان معه اثنان من رجال الأمن.
قال ريتشارد ببرود
سلموني الذاكرة.
رد مايكل
مش معايا.
اقترب ريتشارد.
آخر مرة هطلبها منك.
وفجأة سمعوا صوت صفارات الشرطة في الخارج.
تغير وجه ريتشارد.
دخل ضابطان إلى الغرفة وأمسكا به وبالرجلين.
صرخ ريتشارد
مين بلغ الشرطة؟!
نظر مايكل إلى صوفيا.
لكن صوفيا لم تكن هي من اتصل.
الضابط أخرج هاتفه وقال
البلاغ اتبعت من جهاز موجود في مكتبك يا دكتور ريتشارد.
ارتبك ريتشارد.
ده مستحيل!
ثم نظر مايكل إلى صوفيا.
وفهم الحقيقة.
قبل انقطاع الكهرباء، كانت صوفيا قد ضغطت زرًا صغيرًا في الذاكرة الإلكترونية.
كان الجهاز متصلًا بنظام المستشفى، وأرسل نسخة من الملفات تلقائيًا إلى الشرطة.
لم يعد بإمكانهم حذف الحقيقة.
وبعد ساعات من التحقيق، بدأت الصورة الكاملة تظهر.
الحادث كان مدبرًا فعلًا.
لكن المفاجأة أن ريتشارد لم يكن الرأس الحقيقي للشبكة.
كان مجرد حلقة في سلسلة أكبر.
وفي آخر الليل، دخل ضابط التحقيق إلى غرفة صوفيا ووضع أمامها صورة.
وقال
إحنا قبضنا على ريتشارد لكنه اعترف بحاجة غريبة.
صوفيا نظرت للصورة.
تغير لون وجهها.
كان الرجل الموجود فيها هو نفسه الرجل الذي وقف بجوار طاولة التشريح.
قال الضابط
بيقول إن الشخص ده هو اللي أصدر الأمر بإنك تختفي.
صوفيا همست
أنا أعرفه.
مين؟
رفعت عينيها وقالت
الشخص اللي خلاني أعتقد طول السنين إن والدي مات في حادث.
ساد الصمت.
ثم أضافت
لكنه مش ميت.
نظر إليها الضابط بدهشة.
وإنتِ عرفتي منين؟
أجابت وهي تمسك الصورة
لأنه هو اللي بعتلي الذاكرة قبل الحادث وكتبلي عليها جملة واحدة
لو حصل لي حاجة دوري على الحقيقة.
في اللحظة دي رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
وبعد ثوانٍ، تغير وجهه تمامًا.
قال
صوفيا عندنا مشكلة.
إيه؟
الرجل اللي في الصورة اختفى من المستشفى.
ثم سكت لحظة وقال
والأغرب إن كاميرات المستشفى سجلته وهو خارج من المبنى.
توقفت صوفيا عن التنفس.
لأن الصورة التي كانت في يد الضابط
بدأت تهتز.
كان هناك شيء مكتوب على ظهرها لم يلاحظه أحد من قبل
أنا قريب منك وما زلت أراقبك صوفيا كانت واقفة مش قادرة تستوعب.
بصت للرجل اللي قدامها، وبعدين للشاشة اللي اختفى منها والدها.
قالت بصوت مرتعش
إنت مين؟
ابتسم الرجل.
اسمي سامر وأنا الشخص اللي أبوكي وثق فيه أكتر من أي حد.
الضابط رفع يده
حط إيديك على راسك وابعد عن الملف.
سامر نفذ الكلام بهدوء، لكن ابتسامته ما اختفتش.
أنا مش جاي أؤذيها. أنا جاي أقول لها الحقيقة.
صوفيا صرخت
الحقيقة إيه؟! أبويا عايش ولا لأ؟
سامر سكت ثواني.
ثم قال
عايش.
نزلت دموع صوفيا فورًا.
فين؟
في المكان الوحيد اللي ما قدرواش يوصلوا له.
خدني له!
مش هينفع.
ليه؟!
أخرج سامر هاتفًا قديمًا وشغّل تسجيلًا جديدًا.
ظهر والدها على الشاشة.
كان يتحدث بسرعة
صوفيا، لو سامر وصل لك، اسمعيه. أنا ما كنتش عارف أحميكي بنفسي، لكن لازم تعرفي إن الشخص اللي طاردك مش عايز يقتلك.
توقفت صوفيا.
أمال عايز إيه؟
ظهر والدها في التسجيل وهو ينظر حوله بقلق.
عايزك تسكتي عن ملف واحد.
سألته صوفيا عبر الشاشة وكأنها تنتظر منه إجابة
ملف إيه؟
قال
ملف أمك.
تجمدت صوفيا.
أمها كانت قد توفيت منذ سنوات طويلة، وكانت العائلة دائمًا تقول إن وفاتها كانت بسبب مرض مفاجئ.
همست
أمي؟
قال والدها
أمك ما ماتتش بسبب المرض اللي قالوه لك.
سقط الهاتف من يد صوفيا.
مايكل نظر إليها بصدمة.
إنتِ ما كنتيش تعرفي؟
هزت رأسها.
لأ
تابع التسجيل
أمك اكتشفت الحقيقة قبلي. وعشان كده حاولوا يسكتوها.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
قال الضابط
سامر، لازم تشرح لنا كل حاجة.
لكن قبل أن يتكلم، سمعوا صوت سيارات تتوقف أمام المنزل.
سامر نظر للضابط وقال
لقونا.
خرجت صوفيا من الغرفة، فرأت من النافذة عدة سيارات سوداء تحيط بالمنزل.
قال الضابط
الكل يفضل مكانه.
لكن سامر قال
لو فضلنا هنا، هنخسر الدليل.
أشار إلى الصندوق.
فيه نسخة كاملة من الملفات.
حمل الضابط الصندوق.
ثم بدأ الجميع يتحركون ناحية المخرج الخلفي.
لكن فجأة انطفأت الأنوار مرة أخرى.
صرخت صوفيا
مش تاني!
وسط الظلام، سمعت صوت شخص يهمس بالقرب منها
صوفيا
استدارت.
لم تجد أحدًا.
ثم أضاءت أنوار الطوارئ.
وكان سامر واقفًا أمامها.
لكن المفاجأة
أن الملف الأسود اختفى من يده.
قال الضابط
مين أخده؟
سامر بص للملف في ذهول.
كان في إيدي!
فجأة ظهر صوت من السماعة القديمة الموجودة في الغرفة.
صوت والد صوفيا.
الملف مش هو الدليل الحقيقي.
صوفيا اقتربت من السماعة.
بابا! إنت فين؟!
جاء صوته
في المكان اللي بدأت منه القصة كلها.
فين؟!
سكت لحظة.
ثم قال
المستشفى.
وانقطع الاتصال.
نظر الجميع لبعضهم.
مايكل شحب وجهه.
المستشفى؟
صوفيا فهمت فورًا.
يعني الشخص اللي بيدير الشبكة لسه جوه المستشفى.
وفجأة رن هاتف الضابط.
رد.
استمع لثوانٍ، ثم تغير وجهه.
قال
عندنا بلاغ من المستشفى.
إيه اللي حصل؟
قال الضابط
لقوا شخصًا مجهولًا في غرفة الأرشيف.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والشخص ده بيقول إنه والد صوفيا.
صوفيا فتحت عينيها.
بابا؟!
لكن الضابط هز رأسه.
المشكلة إنهم لما وصلوا له
ابتلع ريقه.
لقوا الغرفة فاضية.
وعلى الحائط كانت مكتوبة جملة واحدة
لو عايزة تلاقي أبوكي لازم تعرفي مين دفنه وهو حي تجمدت صوفيا مكانها.
كانت الجملة على الحائط كأنها حكم بالإعدام.
الضابط أشار للجميع بالتراجع، ثم أخرج مصباحه ودخل الممر بحذر.
محدش يتحرك لوحده.
مشوا عدة خطوات، لحد ما وصلوا لغرفة صغيرة تحت البيت.
الغرفة كانت مليانة ملفات وصور.
صور أشخاص كتير.
وبجانب كل صورة تاريخ.
بعضهم مكتوب أمامه توفي.
لكن الغريب إن بعض الصور كانت لأشخاص ظهروا بعد سنوات من تاريخ وفاتهم الرسمي.
قال مايكل
دي مش مجرد تزوير شهادات وفاة دي شبكة كاملة لمحو هويات ناس وإخفائهم.
وفجأة صوفيا لمحت صورة.
اقتربت منها.
وتوقفت تمامًا.
كانت صورة والدها.
لكن تحتها لم يكن مكتوبًا متوفى.
كان مكتوبًا
الحالة حي الموقع غير معلوم.
شهقت صوفيا
أبويا عايش!
قبل أن يرد أحد، انطلقت شاشة صغيرة في نهاية الغرفة.
اشتغلت تلقائيًا.
ظهر عليها رجل مسن.
كان وجهه متعبًا، وشعره أبيض.
صوفيا وضعت يدها على فمها.
بابا
كان هو فعلًا.
نظر إلى الكاميرا وقال
لو إنتِ بتشوفي التسجيل ده، يبقى قدرتي توصلي للمكان.
ثم ابتسم بحزن.
وأنا عارف إن أول سؤال هتسأليه ليه سبتك كل السنين دي؟
صوفيا بدأت تبكي.
تابع والدها
ما سبتكيش يا بنتي. كنت بحاول أحميكي.
ثم كشف الحقيقة.
قبل خمسة عشر عامًا، كان والد صوفيا يعمل في إدارة ملفات إحدى المؤسسات الكبيرة، واكتشف شبكة بتزوّر سجلات الوفاة والاختفاء بهدف الاستيلاء على أموال وحقوق أشخاص لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
حاول يبلغ السلطات.
لكن قبل ما يفعل، تم تهديده.
ولحماية صوفيا، اضطر للاختفاء.
قال في التسجيل
الشخص اللي كان بيدير الشبكة مات من سنين لكن حد تاني استلم مكانه.
صوفيا اقتربت من الشاشة.
مين؟
تغير وجه والدها.
شخص إنتِ بتثقي فيه.
وفجأة توقف التسجيل.
قال الضابط
لازم نخرج من هنا فورًا.
لكن صوفيا لم تتحرك.
كانت تحدق في الملفات.
ثم قالت
أنا عرفت.
نظر إليها الجميع.
عرفت مين؟
رفعت ملفًا قديمًا.
كان يحتوي على توقيعات وتقارير من خمسة عشر عامًا.
قالت
الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة كل الملفات وقتها
قلبت الصفحة.
ثم همست
كان عمي.
ساد صمت ثقيل.
مايكل قال بدهشة
عمك؟
هزت صوفيا رأسها.
أيوه أخو أبويا.
لكن الضابط هز رأسه.
استني. عمك توفى من عشر سنين.
رفعت صوفيا عينيها ببطء.
لأ.
ثم أشارت إلى صورة حديثة كانت داخل الملف.
ده مش عمي.
أمال مين؟
اقتربت من الصورة.
وقالت
ده الشخص اللي كان واقف في المشرحة.
في اللحظة نفسها، وصل صوت خطوات من أعلى السلم.
الضابط رفع سلاحه.
الجميع سكت.
الخطوات اقتربت.
ثم ظهر رجل عند مدخل الممر.
كان يحمل ملفًا أسود.
نظر لصوفيا وقال
أخيرًا عرفتي الحقيقة.
صوفيا تراجعت خطوة.
الرجل ابتسم.
بس لسه فيه جزء واحد ما تعرفيهوش.
إيه؟
رفع الملف أمامها.
وقال
أبوكي هو اللي طلب مني أخليكي تعتقدي إنه مات.
صوفيا شهقت.
كداب!
فتح الملف وأخرج ورقة.
ثم قال
اسأليه بنفسك.
وفي اللحظة نفسها
اشتغلت الشاشة من جديد.
لكن هذه المرة لم يظهر والدها وحده.
ظهر بجانبه رجل آخر.
صوفيا أول ما شافته
انهارت على الكرسي.
لأن الرجل الثاني كان
والدها نفسه، واقفًا حيًا أمام الكاميرا.
وقال
صوفيا لازم تسمعيني كويس.
ثم نظر للرجل الواقف أمامها وقال
ما تصدقيش أي كلمة هيقولها لك.
وتوقف التسجيل.
أما الرجل فابتسم وقال
دلوقتي بقى نبدأ الجزء الحقيقي من الحكاية صوفيا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة حتى ترمش.
بصت للمرأة قدامها، ثم لوالدها.
ماما؟
المرأة أومأت برأسها، ودموعها نزلت.
أيوه يا صوفيا.
اندفعت صوفيا ناحيتها، لكن والدها قال بسرعة
استني!
توقفت.
ليه؟
والدها نظر لأمها بحذر.
لأنها مش الشخص اللي فاكرينه.
المرأة تغيرت ملامحها.
بعد كل السنين دي ولسه مش واثق فيا؟
قال الأب
أنا مش واثق في أي حد.
الضابط تدخل
محدش يتحرك.
وجه سلاحه ناحية المرأة.
عايز أعرف اسمك بالكامل.
قالت
اسمي ليلى.
سألها
ولو إنتِ والدة صوفيا فعلًا،
متابعة القراءة