حماتى عزمتنى على فرح جوزى
شنطتي...
حطيتها في صندوق الذكريات.
وكتبت عليها
اليوم الذي أنقذني من حياة لم أعد أريدها.
لأنني في النهاية اكتشفت إن أكبر هدية خرجت بيها من الفرح لم تكن فضيحة العروسة...
ولا رجوع خالد...
ولا حتى أوراق أبي.
كانت معرفتي بقيمتي.
ومن يومها، أي واحدة تسألني
أعمل إيه لو حد حسسني إن عمري خلص وإن قيمتي قلت؟
أقول لها
افتحي المراية... وبصي لنفسك كويس.
لأن قيمة الست مش في سنها، ولا في جوزها، ولا في فلوسه...
قيمتها في نفسها، وفي قدرتها إنها تبدأ من جديد مهما كان عمرها أيوه، نكمّلها بمفاجأة أخيرة تكون مختلفة وتوصل لنهاية قوية
بعد ما افتكرت إن كل حاجة خلصت، حصل موقف رجّعني لأول يوم في الحكاية.
كنت في مكتبي بالمؤسسة، ودخلت عليا موظفة صغيرة وقالت
مدام نيرمين، فيه سيدة كبيرة مستنياكي بره، وبتقول إن عندها حاجة تخص والدك.
خرجت لها.
كانت ست في السبعينات، ماسكة حقيبة جلد قديمة.
قالت
أنا كنت شغالة مع والدك زمان.
قعدت قدامها.
طلعت من الحقيبة دفتر حسابات قديم وقالت
أبوك طلب مني أحتفظ بيه، وقال لي ما أسلمهوش ليكي غير لما تبقي صاحبة قرارك.
فتحت الدفتر...
ولقيت أسماء وتواريخ ومبالغ.
وفي آخر صفحة كان فيه اسم خالد.
قلت
إيه ده؟
قالت
والدك كان بيتابع شغله من بعيد، وكان بيختبر أمانته.
اتصدمت.
يعني بابا كان بيراقبه؟
قالت
كان بيحاول يعرف هل خالد بيحبك فعلًا ولا شايفك طريق لمستقبل أفضل.
ثم مدت لي ورقة.
وده آخر تقرير كتبه والدك.
قرأت
خالد نجح في الاختبار... لكنه بعد ما ذاق النجاح، قد ينسى من وقف بجانبه. لذلك لا أعطي نيرمين الأوراق إلا إذا احتاجت إليها.
قفلت الدفتر.
لأول مرة حسيت إن بابا كان عارف إن المال ممكن يغير الناس.
رجعت البيت وحكيت لخالد.
قعد فترة ساكت.
وبعدين قال
أبوك كان عنده حق يخاف عليكي.
قلت
بس أنت اتغيرت فعلًا.
قال
أيوه... ودي أكتر حاجة ندمت عليها.
ثم فتح درج مكتبه، وطلع ملف.
قال
أنا من يوم رجعت لك، وأنا بعمل حاجة من غير ما أقولك.
فتحت الملف.
كان فيه مستندات نقل جزء من ملكية الشركة إلى اسمي، من غير أي شروط.
قلت
إيه ده؟
قال
أنا عايزك تبقي شريكتي فعلًا، مش مجرد زوجتي.
بصيت له وقلت
أنا مش محتاجة ورق علشان أثق فيك.
قال
وأنا محتاج الورق علشان أضمن إنك عمرك ما تضطري تعتمدي عليا.
سكتُّ.
الكلمة دي بالذات كانت هي اللي محتاجة أسمعها.
لأن خالد أخيرًا فهم الفرق بين إنه يحبني...
وإنه يضمن لي الأمان.
بعدها بأيام، عملنا اجتماع عائلي.
حماتي قعدت قدامي وقالت
أنا كنت فاكرة إن نيرمين هتفضل ضعيفة من غير ابني.
ابتسمت وقالت
طلعت أنا اللي كنت ضعيفة من غير عقلي.
ضحكنا لأول مرة سوا.
ومن يومها، ما بقاش فيه زوجة أولى ولا زوجة تانية.
كان فيه زوج وزوجة اختاروا يبدأوا من جديد، بعد ما اتعلموا الدرس بالطريقة الصعبة.
أما الفلاشة...
فما بقيتش رمز للفضيحة.
بقت رمز للحظة اللي نيرمين قررت فيها إنها مش هتسمح لأي حد يحدد قيمتها.
وفي آخر ليلة من السنة، قعدت أنا وخالد قدام الشباك.
قال لي
إنتِ عارفة إن أكتر حاجة ندمت عليها؟
قلت
إيه؟
قال
إني احتجت أخسرك علشان أعرف قيمتك.
ابتسمت وقلت
وأنا أكتر حاجة ندمت عليها إني صدقت إن خسارتك معناها خسارتي.
بص لي وقال
يعني سامحتيني؟
قلت
من زمان.
سأل
طب ليه ما قولتيش؟
قلت
علشان كنت عايزة أشوف هل أنت فعلًا اتغيرت... ولا بس خايف تخسرني.
ابتسم.
وسكتنا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن بعض العلاقات مش بتحتاج تنتهي علشان تبدأ من جديد...
أحيانًا بتحتاج تنكسر صورتها القديمة علشان يتبني مكانها شيء أقوى.
وهكذا كانت حكاية نيرمين وخالد...
بدأت بفرح كان المفروض يكون إعلان نهاية زواج...
وانتهت ببداية جديدة، فيها احترام قبل الحب، وكرامة قبل أي شيء.
أما الهدية اللي كانت في شنطتي يوم الفرح، فكانت أول وآخر مرة استخدمت فيها الحقيقة كسلاح... وبعدها تعلمت إن أقوى سلاح عند الإنسان هو إنه يعرف قيمته، وما يسمحش لحد يقلل منها نقدر نقفل الحكاية بمشهد أخير مؤثر ومفاجأة بسيطة
عدّت خمس سنين، وكنت فاكرة إن كل أسرار الماضي اتقفلت...
لحد ما في يوم، جالي اتصال من المحامي.
قال لي
مدام نيرمين، فيه شخص طلب يقابلك بخصوص الفلاشة.
اتوترت.
قلت
الفلاشة؟! دي معايا.
قال
عارف... لكن الشخص ده بيقول إن اللي عليها مش هو كل الحقيقة.
روحت له، وهناك لقيت شاب في أوائل الثلاثينات.
بصيت له باستغراب.
قال
أنا ابن صاحب أول مشروع اشتغل فيه خالد.
اتصدمت.
قال
أبويا قبل ما يموت سلمني جواب، وقالي ما أديهولكيش إلا لما أتأكد إن خالد ونيرمين بقوا عايشين كويس.
فتح الجواب.
وكان مكتوب
أنا كنت شاهد على بداية خالد ونيرمين. خالد كان عنده طموح، ونيرمين كانت عندها إيمان بيه. لكن النجاح أحيانًا بيختبر الإنسان أكتر من الفقر.
ثم كانت المفاجأة
لو وصلت الرسالة دي، فاعرفوا إن المشروع الأول ما كانش صدفة. كان فيه شخص ثالث ساعد خالد من بعيد، ورفض يظهر اسمه.
بصيت للشاب وقلت
مين؟
ابتسم وقال
أبوكي.
سكتُّ.
لكن خالد، لما سمع الكلام، نزلت دموعه.
قال
كنت عارف إنه ساعدني... بس ما كنتش أعرف إنه كان موجود في كل خطوة.
ثم أعطاني الشاب مفتاحًا صغيرًا.
قال
أبوك سايب لك حاجة.
رجعنا البيت وفتحنا الصندوق.
كان فيه دفتر قديم وصور من أول أيامنا، وصورة ليا وأنا صغيرة، وتحتها جملة
نيرمين مش محتاجة حد ينقذها... أنا بس عايز أضمن إنها لما تقع، تلاقي طريق تقوم منه.
انهرت في البكاء.
وخالد قال
أبوك كان شايفك أقوى مننا كلنا.
ومن اليوم ده، قررت أعمل حاجة باسمه.
أسست مؤسسة صغيرة لمساعدة الستات اللي عايزين يبدأوا مشاريعهم من الصفر.
وخالد شاركني فيها.
حماتي كانت أول واحدة تبرعت للمشروع.
ومحمود اشتغل معانا بعد ما أصلح أخطاءه.
وبعد سنوات، بقى المشروع كبير، وساعد مئات الأسر.
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام الناس وقلت
أنا بدأت حياتي وأنا فاكرة إن قيمتي في البيت اللي بعيشه، وبعدين افتكرت إن قيمتي في جوزي، وبعدها اكتشفت إن قيمتي في الفلوس...
سكتُّ لحظة.
وقلت
لكن الحقيقة إن قيمتي كانت موجودة من البداية.
بصيت لخالد.
أنا بس احتجت أخسر حاجات كتير علشان أشوفها.
بعد الحفل، رجعنا البيت.
خالد قال لي
لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتروحي الفرح؟
ضحكت وقلت
آه.
قال
ليه؟
قلت
علشان لو ما رحتش، ما كنتش هعرف إن النهاية اللي خوفت منها كانت في الحقيقة بداية حياتي.
ابتسم.
وأنا حطيت الفلاشة في الصندوق وقفلت عليه.
المرة دي ما كانش عليها فضيحة.
كان عليها صورة واحدة لنا من أول يوم.
وكتبت تحتها
بدأنا من الصفر... لكننا لم نعد نفس الشخصين.
وهكذا انتهت الحكاية.
مش بانتصار نيرمين على خالد...
ولا بانتصارها على حماتها...
لكن بانتصارها على خوفها من إنها تبدأ من جديد.
وأحيانًا، أصعب قرار في حياتك... يكون هو أول خطوة في أجمل حياة دي نهاية مقفولة ومؤثرة للحكاية، من غير فتح أحداث جديدة
بعد كل اللي حصل، قررت نيرمين إنها ما تعيشش بقية عمرها أسيرة للي فات.
خالد أثبت لها بأفعاله، مش بكلامه، إنه اتغير فعلًا. رجّع لها كل حقوقها، ووقف أي تدخل من أهله في حياتهم، وبدأ معاها من جديد كأنهم لسه بيتعرفوا على بعض.
أما حماتها، فبقت تزور نيرمين بنفسها، وفي كل مرة كانت تعتذر لها عن اليوم اللي وقفت فيه في الفرح وقالت لها إن عمرها انتهى.
وفي آخر زيارة، قالت لها
سامحيني يا بنتي... أنا كنت فاكرة إن قيمة الست في سنها وشكلها، لكن إنتِ علمتيني إن القيمة في الأصل والجدعنة والوقفة وقت الشدة.
نيرمين ابتسمت وقالت
أنا سامحتك من زمان... بس أهم حاجة ما تظلميش واحدة تانية زي ما ظلمتيني.
هزت حماتها رأسها والدموع في عينيها.
وبعد سنة، وقفت نيرمين جنب خالد في افتتاح مشروع جديد كان اسمه
البداية من جديد.
المشروع كان بيساعد السيدات اللي فقدوا
شغلهم أو اضطروا يبدأوا حياتهم من الصفر.
خالد وقف قدام الناس وقال
أنا كنت فاكر إن النجاح هو إن يكون عندي شركات وفلوس... لحد ما خسرت أغلى إنسانة في حياتي، وعرفت إن النجاح الحقيقي إنك تحافظ على اللي وقف جنبك وإنت لسه ما عندكش حاجة.
بص لنيرمين وقال
دي مش مراتي بس... دي شريكتي من أول جنيه.
صفق الجميع.
ونيرمين ابتسمت.
أما الفلاشة اللي كانت في شنطتها يوم الفرح، ففضلت محتفظة بيها.
لكنها ما شغلتهاش تاني.
حطتها في صندوق قديم، وكتبت عليها
اليوم اللي عرفت فيه قيمتي.
لأن نيرمين فهمت في النهاية إن أكبر انتقام مش إنها تفضح اللي ظلمها...
ولا إنها تكسرهم...
أكبر انتصار إنها تعيش بكرامة، وتسامح من غير ما تنسى الدرس.
وخالد؟
فضل طول عمره يقول
أنا اتجوزت نيرمين مرتين...
فتضحك وتسأله
إزاي؟
يرد
المرة الأولى اتجوزت الست اللي حبتني وأنا فقير... والمرة التانية اتجوزت الست اللي عرفت قيمتها وهي غنية.
فتقول له
لأ يا خالد...
وتبتسم
إنت اتجوزت نفس الست... بس المرة التانية عرفت تحافظ عليها.
وتقفلت الحكاية على كده... لا انتقام، ولا كراهية، ولا ندم... بس درس واحد فضل عالق في قلب نيرمين
اللي بيقلل منك علشان سنك أو شكلك أو ظروفك، ما يعرفش قيمتك... لكن المهم إنك إنتِ تعرفيها.