لما المرتبة

لمحة نيوز

2002
ضغطت عليه.
وظهر تسجيل صوتي.
وبعد ثوانٍ...
سمعت صوت والدها.
صوت لم تسمعه منذ 24 سنة.
وكان أول شيء قاله
يا سعاد... لو بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى لازم تعرفي إن محمود ما خدش فلوسك...
ثم توقف التسجيل فجأة سعاد فضلت ساكتة للحظات، وهي بتسمع صوت والدها من التسجيل.
ضغطت على زر التشغيل مرة تانية.
الصوت رجع
يا سعاد... لو بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى لازم تعرفي إن محمود ما خدش فلوسك...
ثم حصل تشويش.
وبعده صوت والدها أكمل
هو أخدها بإذني... لكن أنا اللي طلبت منه يخبيها عنك.
سعاد فتحت عينيها على آخرهما.
بإذنك؟!
ضغطت على التسجيل.
صوت والدها استمر
كنت عارف إن اللي حصل لأموالك ممكن يعرّضك للخطر. عشان كده اتفقت مع محمود إنه يبدأ بيها مشروع، لكن كل جنيه يفضل محسوب باسمك.
سعاد حطت إيدها على فمها.
يعني محمود ما كانش بيدفن فلوسها لنفسه؟
التسجيل استمر
لكن بعد فترة اكتشفت إن في حد تاني دخل بينا... حد كان عايز ياخد الشركة كلها، مش الفلوس بس.
الصوت بدأ يضعف.
الشخص ده...
ثم انقطع التسجيل مرة أخرى.
سعاد ضربت على الفلاشة بإيدها.
لأ! مش دلوقتي!
حاولت تشغل الملف أكثر من مرة.
ولا حاجة.
فتحت الظرف القديم بسرعة، ووجدت ورقة صغيرة مكتوب عليها
الجزء الثاني من التسجيل موجود في المكان الذي بدأ منه كل شيء.
سعاد فهمت فورًا.
الفيوم.
البيت القديم.
لكنها كانت محتاجة تعرف الحقيقة قبل ما تروح.
فتحت الملف الأسود اللي عادل سابه.
في أول صفحة كان فيه كشف حساب قديم.
كل الإيداعات كانت باسمها.
وبجانب كل مبلغ توقيع محمود.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
فيها تحويل ضخم تم قبل سنوات.
والجهة المستلمة لم تكن شركة محمود.
كانت مؤسسة خيرية.
سعاد همست
محمود كان بيطلع الفلوس من الشركة ويحطها هنا؟
قلبت الصفحة.
وجدت قائمة بأسماء أشخاص.
أسماء أسر.
أطفال.
مرضى.
ومبالغ شهرية.
وفوق القائمة جملة بخط محمود
دي مش تبرعات... دي ديون.
سعاد ما فهمتش.
قلبت الصفحة التالية.
لم تجد شيئًا سوى رقم هاتف.
نفس الرقم الذي اتصل بها منذ قليل.
وفي أسفل الورقة كان مكتوبًا
لو حصل لي حاجة، اسألي عن الملف رقم 27 في مستشفى الفيوم.
سعاد قامت فورًا.
لكن قبل ما تتحرك، سمعت صوت سيارة تبتعد بسرعة من أمام البيت.
جريت ناحية الشباك.
لمحت شخصًا يدخل سيارة سوداء.
وقبل ما العربية تتحرك، رفع الشخص رأسه ناحية نافذتها.
سعاد تراجعت فورًا.
كانت المسافة بعيدة...
لكنها أقسمت إنها عرفت الشخص.
الشخص اللي شافته في الصورة.
حسن.
لكن حسن...
كان المفروض إنه مات من 24 سنة سعاد فضلت واقفة مكانها، وعينيها معلقة على الطريق اللي اختفت فيه العربية.
قلبها كان بيدق بسرعة.
حسن مات من 24 سنة.
هي نفسها حضرت جنازته وقتها، وشافت الناس وهي بتتكلم عن الحادثة اللي أنهت حياته.
إزاي شافته دلوقتي؟
رجعت للمكتب وقفلت الباب وراها، وبصت للصورة القديمة مرة تانية.
حطت إصبعها على صورة حسن.
مستحيل...
لكن فجأة لفت نظرها شيء صغير في الصورة.
على ساعة حسن كان فيه نقش واضح جدًا.
رقم 27.
نفس رقم الملف اللي كتبه والدها.
سعاد حست بقشعريرة.
مسكت تليفونها واتصلت بعادل.
المكالمة رنت طويلًا... مفيش رد.
اتصلت مرة تانية.
المرة دي حد رد، لكن صوته ما كانش صوت عادل.
ألو؟
سعاد سكتت.
الصوت قال بهدوء
لو بتدوري على عادل، متتعبّيش نفسك.
إنت مين؟
الشخص اللي كان لازم محمود يحذرك منه من البداية.
حسن؟
سكت الطرف الآخر ثواني.
ثم قال
الاسم ده ما تنطقيهوش قدام حد.
سعاد قربت التليفون من ودنها.
إنت حسن؟
جاءها الرد
روحي مستشفى الفيوم... واسألي عن الملف 27 قبل الساعة تسعة الصبح.
وإنت فين؟
قريب منك أكتر مما تتخيلي.
ثم أُغلقت المكالمة.
سعاد بصت للساعة.
كانت الساعة 1143 بالليل.
قدامها أقل من عشر ساعات.
وفجأة سمعت صوت مفتاح بيلف في باب البيت.
تجمدت مكانها.
محمود؟
ولا الشخص اللي كان بيتصل؟
اتجهت ناحية الباب ببطء، لكنها قبل ما توصل، سمعت صوت خطوات في الصالة.
وبعدين صوت رجل بيقول
سعاد... أنا عارف إنك جوه.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
صوت شخص كانت فاكرة إنها دفنته من 24 سنة سعاد اتسمّرت مكانها.
الصوت جاي من الناحية التانية للباب، واضح وقريب جدًا.
سعاد... افتحي.
إيديها بدأت ترتعش، لكنها حاولت تتحكم في نفسها.
إنت مين؟
جاء الرد بعد لحظة
أنا الشخص اللي أبوكي وثق فيه قبل ما يموت.
سعاد قربت من الباب، لكن ما فتحتهوش.
لو كنت فعلًا الشخص اللي أبويا وثق فيه... قولّي حاجة محدش يعرفها.
ساد الصمت.
ثم قال الرجل
يوم ما أبوكي سلّم محمود الفلوس، كان فيه ظرف بني صغير مخبيه جوه كتاب الحسابات القديم. وإنتِ كنتِ واقفة جنبه، وكنتِ لابسة فستان أزرق.
سعاد شهقت.
المعلومة دي محدش تقريبًا يعرفها.
لكنها تراجعت خطوة.
حسن؟
صوت الرجل اتغير.
أنا مش حسن.
أمال مين؟
اسمي كمال... وأنا كنت الشاهد الرابع في الصورة.
سعاد بصت للصورة بسرعة.
فعلاً...
كان فيه أربعة أشخاص.
والرجل اللي قدام الباب هو نفسه اللي كانت بتفتكره حسن بسبب الظلام.
لكن السؤال الأخطر كان
فين حسن الحقيقي؟
كمال قال من ورا الباب
لو عايزة تعرفي، افتحي الباب.
سعاد مدت إيدها ناحية المفتاح...
ثم توقفت.
افتكرت كلام محمود
ما تثقيش في أي حد ييجي لك الليلة.
وفي نفس اللحظة، تليفونها اهتز.
رسالة جديدة من رقم مجهول
ما تفتحيش الباب. كمال مات من 2003.
سعاد بصت للرسالة، ثم للباب.
وصوت كمال رجع بهدوء
سعاد... لو فتحتي الباب، كل اللي عرفتيه عن أبوكي ومحمود هيتغير للأبد.
ثم سكت لحظة وأضاف
ولو ما فتحتيش... ممكن ما تلحقيش تعرفي الحقيقة أبدًا سعاد فضلت واقفة قدام الباب، والتليفون في إيدها، والرسالة لسه مفتوحة قدام عينيها
ما تفتحيش الباب. كمال مات من 2003.
بصت للباب، ثم قالت بصوت ثابت رغم خوفها
لو إنت كمال فعلًا... قولّي مين اللي كتب الرسالة دي؟
ما جاش رد.
ثواني طويلة عدّت.
وبعدين سمعت صوت خطوات بتبعد عن الباب.
سعاد جريت ناحية الشباك، لكنها ما شافتش حد.
فتحت كاميرا الموبايل وراجعت التسجيل اللي كانت عاملاه قبل شوية.
ظهر الرجل واقف قدام الباب.
وقفت الصورة عند وشه.
سعاد قربت الشاشة من عينيها.
وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
الرجل كان لابس نفس الساعة اللي كانت في صورة 2002.
لكن الساعة في الصورة كان محفور عليها رقم 27.
سعاد رجعت للمكتب، وفتحت الملف مرة تانية.
وقلبت الأوراق بعصبية لحد ما وصلت لآخر صفحة.
كان فيه تقرير قديم من مستشفى الفيوم.
الاسم
كمال عبد الرحيم.
التاريخ
2003.
والحالة
وفاة.
لكن تحت خانة التوقيع كان فيه شيء جعل سعاد تسقط على الكرسي.
التوقيع لم يكن توقيع الطبيب.
كان توقيع والدها.
وتحته جملة قصيرة
لم يمت كمال... الذي مات هو الشخص الذي كان يحمل اسمه.
سعاد همست
يعني مين اللي مات؟
وفجأة وصلتها رسالة جديدة.
هذه المرة من محمود.
سعاد، لو لقيتي تقرير كمال، ما تروحيش المستشفى لوحدك.
ثم وصلت رسالة ثانية بعد ثوانٍ
لأن ملف 27 مش ملف مريض...
سعاد انتظرت.
وصلت الرسالة الثالثة
ده ملف الشخص اللي أبوكي كان بيحاول يحميه سعاد قعدت تقرأ الرسائل مرة واتنين، وكأن عقلها رافض يستوعب اللي بيحصل.
ملف الشخص اللي أبوكي كان بيحاول يحميه.
رفعت عينيها ناحية الصورة القديمة.
أبوها... محمود... حسن... وكمال.
أربعة أشخاص.
لكن لو كمال مات سنة 2003، وحسن كان المفروض مات سنة 2002...
يبقى مين الشخص اللي كان أبوها بيحاول يحميه؟
وفجأة افتكرت جملة والدها في التسجيل
اللي حصل لأموالك ممكن يعرّضك للخطر.
قامت بسرعة وفتحت درج المكتب، وبدأت تدور في الأوراق القديمة.
وبعد دقائق، لقت شهادة ميلاد قديمة.
لكنها لم تكن باسمها.
كانت باسم طفلة مولودة سنة 2001.
الاسم
سعاد محمود عبد الرحمن.
سعاد شهقت.
دي... شهادتي أنا!
لكن تاريخ الميلاد كان مختلفًا عن التاريخ اللي تعرفه.
وقبل ما تستوعب، لقت ورقة تانية تحتها.
ورقة من المستشفى، مؤرخة بعد ولادتها بأيام.
وفي أسفلها توقيع والدها.
قرأت السطر الأخير
تم تسليم الطفلة للأب بعد إثبات هويتها، مع ضرورة عدم إخبارها بالحقيقة قبل بلوغها سن الأربعين.
إيد سعاد ارتعشت.
أربعين سنة؟!
هي دلوقتي عندها ستة وخمسين.
يعني والدها كان محدد سنًا معينًا علشان تعرف الحقيقة...
لكن ليه؟
وفجأة سمعت صوت رسالة جديدة.
من نفس الرقم المجهول
لو قرأتي الورقة دي، يبقى محمود فشل في حمايتك.
وبعدها مباشرة وصلت صورة.
سعاد فتحتها...
وكانت صورة حديثة لمحمود.
واقف قدام باب مستشفى.
وفي إيده الملف رقم 27.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الصورة.
كان واقف جنبه شخص آخر.
سعاد كبّرت الصورة بيد مرتعشة.
ولما شافت وشه، وقعت منها الموبايل.
لأن الشخص اللي واقف جنب محمود...
كان والدها سعاد فضلت باصة للصورة، مش قادرة تاخد نفسها.
الصورة كانت واضحة جدًا، ومش مجرد صورة قديمة متعدلة.
والدها كان واقف جنب محمود قدام المستشفى...
لكن التاريخ المكتوب على الصورة كان
17 أبريل 2026.
سعاد شهقت
2026؟! إزاي؟!
فتحت تفاصيل الصورة، فلاحظت إن الصورة متصورة من كاميرا مراقبة، وفي زاوية الصورة ظهر رقم الغرفة
27.
في اللحظة دي، تليفونها رن.
رقم محمود.
ردت بسرعة
بابا عايش؟!
محمود سكت.
محمود! رد عليا!
قال بصوت مبحوح
كنت خايف اليوم ده ييجي.
مين اللي في الصورة؟
أبوكي.
إنت كنت معاه في 2026؟
أيوه.
يبقى أبويا عايش!
محمود أخذ نفسًا طويلًا.
سعاد... أبوكي مش عايش بالطريقة اللي إنتِ فاهمها.
يعني إيه الكلام ده؟!
لازم تروحي للفيوم.
ليه؟
لأن الحقيقة موجودة هناك... في البيت القديم.
سعاد قاطعت كلامه
والملف
تم نسخ الرابط