لما المرتبة
المحتويات
أسرع.
قال أخيرًا
أيوه.
سعاد فتحت الباب مسافة صغيرة، من غير ما تسمح له يدخل.
كان الراجل واقف لوحده، ماسك ملف أسود قديم.
أول ما شافته، قالت
إيه اللي في الملف؟
رفع الملف وقال
الحقيقة اللي محمود كان بيخاف توصلك.
سعاد مدّت إيدها، لكنه سحب الملف بعيدًا.
قبل ما تاخديه، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
محمود ما كانش ناوي يطلقك النهارده.
سعاد عقدت حواجبها.
يعني إيه؟
الورق اللي سابهولك... مش هو السبب الحقيقي اللي خلاه يخرج من البيت.
سعاد حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
أمال ليه عمل كده؟
عادل بص حواليه، وبعدين قال بصوت منخفض
لأن في ناس بدأت تسأل عن الفلوس اللي في المرتبة.
سعاد سكتت.
ناس مين؟
ناس لو عرفوا إنك عارفة مكان الفلوس، مش هيسيبوا لك فرصة تسألي محمود عن أي حاجة.
وفجأة...
رن موبايل عادل.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال
لازم أمشي.
سعاد مسكت ذراعه قبل ما يلف.
استنى! إنت جيت لحد هنا عشان تقول لي الكلام ده وتمشي؟
عادل طلع ورقة صغيرة من الملف وحطها في إيدها.
بصي على الاسم ده.
سعاد فتحت الورقة.
كان مكتوب عليها اسم شركة قديمة.
وتحت الاسم...
اسم شريك.
سعاد أول ما قرأت الاسم، شهقت.
لأن الاسم ده كان موجود في حياتها قبل 28 سنة.
وكان الشخص الوحيد اللي محمود كان بيرفض تمامًا إنها تسأله عنه.
رفعت عينيها لعادل
الشخص ده... مات من سنين.
عادل هز رأسه ببطء.
اللي مات هو الشخص اللي الناس كانت فاكرة إنه هو.
سعاد ما فهمتش.
فقال
لكن الحقيقة إن فيه شخص تاني عاش بنفس الاسم.
وقبل ما تسأله، سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت.
عادل بص من الشباك.
حد شافني.
سعاد قالت بسرعة
مين؟
رد وهو بيقفل الملف
الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميكي منه.
ثم خرج من الباب الخلفي واختفى.
سعاد فضلت واقفة في الصالة.
موبايلها رن مرة تانية.
المرة دي...
كان اسم محمود ظاهر على الشاشة موبايل سعاد فضل بيرن في إيدها.
اسم محمود كان ظاهر قدام عينيها.
بعد كل اللي حصل، مجرد رؤية اسمه خلتها تحس بغضب وخوف في نفس الوقت.
ردت.
إنت فين؟
ما جاش رد في الأول.
وبعدين سمعت صوته، لكن كان مختلف.
مرهق.
ومتوتر.
سعاد... اسمعيني كويس، وما تسألينيش أنا فين.
إنت عايز إيه مني؟
عايزك تعملي حاجة واحدة بس.
سكتت.
ما تثقيش في أي حد هييجي لك الليلة دي.
سعاد بصت ناحية الباب.
واحد اسمه عادل جه هنا.
الصمت اللي حصل بعدها كان مخيف.
عادل؟!
أيوه.
صوت محمود اتغير تمامًا.
هو دخل البيت؟
لأ.
الحمد لله.
سعاد رفعت صوتها
إنت تعرفه؟
أعرفه أكتر مما تتخيلي.
والملف اللي كان معاه؟
محمود ما ردش.
محمود!
قال بصوت منخفض
لو الملف لسه عندك، ما تفتحيهوش.
سعاد ضحكت بسخرية.
بعد إيه؟ بعد ما اكتشفت إنك سرقت فلوسي من أكتر من عشرين سنة؟ ولا بعد ما لقيت مئات الآلاف مخبيين في مرتبة؟
محمود قال بسرعة
الفلوس دي مش سرقة.
أمال إيه؟
دي فلوس كنت بحوشها عشان أرجعهالك.
سعاد سكتت.
ليه؟
قبل ما يرد، سمعت صوتًا خلفه.
كأن بابًا اتفتح.
ثم صوت رجل آخر
محمود، خلصت المكالمة؟
سعاد قربت الموبايل من ودنها.
مين ده؟
محمود تجاهل السؤال وقال
سعاد، اقفلي الباب كويس. واقفلي كل الشبابيك. وما تخرجيش من البيت.
ليه؟
لأنهم عرفوا إن المرتبة وصلت لك.
مين هم؟
لكن المكالمة اتقطعت.
سعاد فضلت واقفة.
ثم جاءتها رسالة.
فتحتها.
كانت من محمود.
صورة قديمة.
في الصورة كان محمود شابًا، واقف أمام مبنى قديم في الفيوم.
وبجانبه رجل آخر.
سعاد قربت الصورة من عينيها.
الرجل كان أكبر من محمود بحوالي عشرين سنة.
لكن ملامحه...
كانت مألوفة بشكل مرعب.
فتحت الصورة أكثر.
وتحتها رسالة قصيرة
بصي كويس للرجل اللي واقف جنبي... ده مفتاح كل اللي حصل سنة 2002.
سعاد كانت لسه بتحاول تفهم.
وفجأة سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب البيت.
حد كان بيحاول يفتح الباب من الخارج.
ثم جاءها صوت رجل
مدام سعاد... إحنا عارفين إنك جوه.
سعاد جريت وقفلت الباب بالمفتاح.
رجعت للخلف.
وبصت للمرتبة.
ثم للظرف.
ثم للصورة.
وفي اللحظة دي لاحظت تفصيلة صغيرة في الصورة...
الخاتم اللي كان في إيد الرجل الواقف جنب محمود.
نفس الخاتم تمامًا اللي شافته سعاد قبل 28 سنة...
في إيد الشخص اللي سلّمها أوراق ميراث والدها سعاد فضلت واقفة قدام باب البيت، وعقلها مشغول بالصورة.
الرجل اللي جنب محمود...
والخاتم.
نفس الخاتم اللي شافته يوم استلمت أوراق ميراث والدها.
لكن قبل ما تستوعب، سمعت صوت المفتاح بيتحرك تاني في الباب.
رجعت بسرعة للخلف.
مين هناك؟!
جاءها صوت من الخارج
افتحي يا مدام سعاد، إحنا مش جايين نعمل مشكلة.
سعاد ما ردتش.
وبصت ناحية السلم.
الفلوس لسه في مكانها.
لو اللي بره دخلوا، هيبقوا أول حاجة يدوروا عليها.
وفجأة لمعت في دماغها فكرة.
جريت ناحية المرتبة، وسحبت منها رزمة صغيرة، وحطتها داخل درج قديم في الصالة.
ثم رجعت للمرتبة وغطتها بالمفرش.
الخبط على الباب زاد.
مدام سعاد، إحنا عارفين إن محمود ساب لك أوراق مهمة.
قالت بصوت ثابت رغم خوفها
محمود مش هنا.
رد الرجل
عارفين.
أمال جايين ليه؟
سكت لحظة.
ثم قال
عشان نعرف إنتِ عارفة إيه.
سعاد قربت من الباب.
وأنا لو مش عارفة حاجة؟
ضحكة قصيرة جاءت من الخارج.
ساعتها هنمشي.
سعاد فتحت الباب فجأة.
كان أمامها رجلان.
الأول في أواخر الأربعينات، والثاني أصغر منه قليلًا.
لكن أول ما شافت الرجل الأول...
اتسمرت.
كان لابس ساعة قديمة.
ساعة سعاد كانت شافتها قبل كده.
في صورة زفافها.
كانت الساعة في إيد الرجل الواقف خلف والدها.
نفس الرجل اللي كانت تفتكره مجرد موظف في مكتب المحامي.
رفعت عينيها له.
إنت...
الرجل تغيرت ملامحه.
قال بهدوء
واضح إن ذاكرتك أقوى مما توقعت.
سعاد ما اتحركتش.
إنت كنت موجود يوم استلمت ورق ميراث أبويا.
أيوه.
وإنت اللي قلت لمحمود إن الإجراءات اتقفلت.
ابتسم.
كنت ببلغه باللي لازم يعرفه.
سعاد قبضت إيديها.
وإنت كنت عارف إن الفلوس بتاعتي هي اللي بدأت شركته؟
لم يرد.
لكن الرجل الثاني تدخل
إحنا مش جايين نتخانق.
سعاد قالت
يبقى اتفضلوا من غير كلام.
الرجل الأول نظر خلفها إلى داخل البيت.
ثم قال
محمود أخفى حاجة أهم من الفلوس.
سعاد ردت فورًا
إيه؟
سجلات قديمة.
سجلات إيه؟
اقترب خطوة.
سجلات تثبت إن الشركة اللي بناها محمود ما بدأتش بالطريقة اللي هو حكاها لك.
سعاد شعرت بقشعريرة.
أمال بدأت إزاي؟
الرجل لم يجب.
بدلًا من ذلك أخرج صورة قديمة من جيبه.
مدها لها.
سعاد أخذتها.
نظرت إليها...
فتغير وجهها تمامًا.
الصورة كانت من سنة 2002.
محمود واقف فيها.
والدها واقف بجانبه.
والرجل نفسه واقف خلفهما.
لكن المفاجأة لم تكن في الأشخاص.
كانت في الشخص الرابع الموجود في الصورة.
رجل صغير السن يقف على الطرف.
سعاد قربت الصورة من عينيها.
ثم همست
مستحيل...
الرجل قال
أيوه.
ده كان...
توقفت.
لأنها تذكرت شيئًا لم تفكر فيه منذ أكثر من عشرين سنة.
وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها سطر واحد فقط
لو عايزة تعرفي ليه محمود خبّى فلوسك، افتحي الدرج اللي تحت مكتبه سعاد فضلت ماسكة الصورة، وعينيها ثابتة على الشخص الرابع.
كانت بتحاول تفتكر اسمه.
فجأة...
افتكرته.
حسن...
قالتها بصوت خافت.
الرجل اللي واقف قدامها لاحظ التغيير في وشها.
افتكرتيه؟
سعاد رفعت عينيها له.
ده كان شغال مع أبويا.
الرجل ابتسم ابتسامة غامضة.
مش بالضبط.
سعاد شدّت الصورة من إيده.
إنتوا مخبيين عني إيه؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت عربية تانية توقفت قدام البيت.
الرجل بص ناحية الشارع، ووشه اتغير.
لازم نقفل الكلام دلوقتي.
سعاد قالت بعصبية
لأ! أنا مش هسمح لحد يدخل بيتي ويقولي نص الحقيقة ويمشي!
لكنه مد إيده بالملف الأسود.
افتحي الدرج اللي تحت مكتب محمود.
ليه؟
لأن محمود كان عارف إن اليوم ده هييجي.
ثم ترك الملف في إيدها، واستدار ومشى.
سعاد قفلت الباب بسرعة.
جريت ناحية مكتب محمود.
دخلت الأوضة اللي بقالها شهور تقريبًا ما كانتش بتدخلها.
المكتب كان مرتب بشكل مبالغ فيه.
فتحت الأدراج واحدًا وراء التاني.
مفيش حاجة.
سحبت الكرسي.
فتشت الرفوف.
ولا شيء.
بدأت تحس إن الرسالة كانت مجرد خدعة.
لكنها افتكرت جملة محمود
أنا كنت بحاول أحميكي.
رجعت للمكتب مرة تانية.
نزلت على ركبها، وبدأت تمرر إيدها تحت الخشب.
وفجأة...
سمعت صوت نقرة.
سعاد تجمدت.
ضغطت على جزء صغير أسفل المكتب.
جزء من الخشب اتحرك.
ظهر درج سري صغير.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحه.
جواه كان فيه مفتاح قديم.
وفلاشة صغيرة.
وظرف عليه تاريخ
17 أبريل 2002.
سعاد فتحت الظرف.
في البداية لقت ورقة واحدة.
لكن أول سطر فيها خلاها تقعد على الأرض.
كان مكتوب
إلى سعاد... لو وصلتي للورقة دي، يبقى محمود فشل في إنه يخلي الحقيقة مدفونة.
وتحتها مباشرة
والدك لم يمت وهو لا يعرف الحقيقة.
سعاد شهقت.
والدها مات من أكتر من عشرين سنة.
طول عمرها كانت فاكرة إن موته كان طبيعيًا.
لكن الورقة كانت بتقول شيئًا آخر.
قلبت الصفحة.
وكان آخر سطر
الشخص الوحيد اللي يقدر يشرح لك كل شيء موجود الآن في المستشفى...
ثم اسم المستشفى.
نفس المستشفى الموجود على الورقة اللي خرجت من المرتبة.
سعاد بصت للساعة.
ثم بصت للمفتاح.
ولأول مرة فهمت إن سر محمود الحقيقي...
مش موجود في البيت أصلًا.
لكن قبل ما تتحرك، الفلاشة اللي كانت في إيدها أصدرت صوتًا صغيرًا.
كان عليها ملف واحد فقط.
اسمه
سعاد
متابعة القراءة