فى حفلة ذكرى جوازنا العاشر حكايات زيزى

لمحة نيوز

اللي بيخلينا نخرج من حياة اعتدنا عليها.
لكن أحيانًا
وراء الباب ده بالذات
بتكون الحياة اللي كنا مستنيينها طول عمرنا نكمّل ونقرب للحظة اللي فيها المفاجأة الأخيرة 
مرت شهور، ومؤسسة الباب الجديد بدأت تكبر بشكل أسرع مما توقعت.
وفي صباح يوم هادي، دخلت السكرتيرة مكتبي وهي ماسكة ظرف أبيض.
في جواب وصل لحضرتك.
أخدت الظرف.
أول ما شفت الخط، عرفت إنه من جرانت.
فتحته.
هيلين،
مش هطوّل عليكي.
بس في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تسمعيها من أي حد تاني.
الشركة داخلة في مشروع ضخم، وأنا عايز أخرج منه قبل ما يبدأ.
مش بسبب خسارة.
بالعكس.
لكن المشروع ده مرتبط بعقد قديم أنتِ صاحبة حق أساسي فيه، ولو كملت من غير موافقتك، ممكن يحصل نزاع قانوني كبير.
أنا اخترت أوقف كل حاجة لحد ما آخد رأيك.
مش عشان أرجعك.
عشان المرة دي أحترم قرارك.
قفلت الجواب.
ولأول مرة، حسيت إن جرانت فعل فعلًا الحاجة اللي كان لازم يعملها من سنين.
احترم قراري.
في المساء، قابلته.
قال
المشروع ده ممكن يضاعف قيمة الشركة.
وعشان كده قررت توقفه؟
أيوه.
مع إنك ممكن تكسب ملايين؟
ابتسم.
خسارة ملايين أهون من إني أخد قرار يخصك من غيرك.
بصيت له طويلًا.
إنت اتغيرت.
قال
اتأخرت.
الكلمة كانت صادقة.
لكنها ما كانتش كفاية ترجع الماضي.
قلت
أنا سعيدة إنك اتغيرت.
ابتسم.
وأنا سعيد إنك مش محتاجة التغيير ده عشان ترجعي.
سكتنا.
ثم مد لي ملفًا.
دي كل المستندات.
فتحت الملف.
راجعت البنود.
وبعد ساعات من النقاش مع المحامين، اكتشفنا إن المشروع فعلًا كان ممكن يسبب مشكلة كبيرة لمؤسستي ولحقوقي.
لكن كان فيه حل.
اقترحت تعديل الاتفاقية بحيث تتحول حقوقي إلى صندوق مستقل لدعم المؤسسة.
جرانت وافق فورًا.
وفي خلال أسابيع، اتنفذ الاتفاق.
وبدل ما المشروع يعمل أزمة
بقى مصدر تمويل ضخم لالباب الجديد.
في يوم افتتاح أول مركز تدريب تابع للمؤسسة، وقفت قدام عشرات السيدات.
قلت لهم
محدش يقدر يرجع يغير السنين اللي فاتت. لكن كل واحدة فينا تقدر تختار إيه اللي يحصل في السنين الجاية.
التصفيق ملأ المكان.
وبين الناس، لمحته.
جرانت.
واقف في آخر الصف.
ماكانش عايز يتكلم.
ولا ياخد أي تقدير.
بس كان واقف.
بعد انتهاء الحفل، قرب مني.
قال
فخور بيكي.
ابتسمت.
المرة دي هصدقك.
ضحك.
ثم سأل
نفضل أصحاب؟
فكرت لحظة.
أعتقد نقدر.
بس؟
بس كل واحد فينا يفضل في طريقه.
هز رأسه.
اتفقنا.
مد إيده.
صافحته.
وكانت دي آخر مرة نقف فيها كزوجين سابقين.
مش لأن بينا كراهية.
لكن لأننا أخيرًا فهمنا إن بعض العلاقات تنتهي من غير ما تتحول لحرب.
وقبل ما يمشي، التفت وقال
هيلين؟
نعم؟
لو رجع بي الزمن
سكت لحظة.
كنت هسمع كلمة ماشي من أول مرة.
ضحكت.
ولو رجع بيا الزمن
بص لي منتظرًا.
قلت
كنت هقولها برضه.
ومشى.
وقفت أراقبه للحظات.
وبعدين رجعت للقاعة.
رجعت للستات اللي كانوا مستنيينني.
رجعت للحياة اللي اخترتها.
وعرفت إن النهاية الحقيقية للقصة مش إن جرانت خسرني
ولا إني كسبت عليه.
النهاية الحقيقية كانت إني بطلت أقيس قيمتي من خلال وجود شخص تاني في حياتي.
أنا كنت كفاية.
وكنت أستحق أبدأ من جديد.
وأحيانًا
لما حد يقول لك
الباب مفتوح.
ما تخافش من الخروج.
يمكن يكون الباب ده
هو أول طريق لحريتك طبعًا، نكمل بفصل جديد فيه مفاجأة، لكن من غير خيانة أو شخصية عشيقة
بعد مرور خمس سنوات، كنت قاعدة في مكتبي الجديد أراجع تقارير المؤسسة، لما السكرتيرة دخلت وقالت
في راجل كبير في السن مستني حضرتك من بدري، وبيقول إن مقابلتك ضرورية.
رفعت عيني من الورق.
اسمه إيه؟
ترددت لحظة.
قال اسمه ريتشارد هولواي.
تجمدت إيدي فوق المكتب.
هولواي.
نفس اسم جرانت.
لكن جرانت ماكانش عنده أب على قيد الحياة.
والدته كانت عايشة في مدينة تانية، إنما والده توفى قبل ما أعرف جرانت أصلًا.
قلت
دخليه.
دخل رجل في السبعين تقريبًا، ماسك عصاية، وملامحه هادئة.
قعد قدامي وحط ظرف قديم على المكتب.
أنا ريتشارد هولواي.
والد جرانت؟
هز رأسه.
لأ.
اتوترت.
أمال مين؟
قال
عمي.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب قديم جدًا، وعقد ملكية، وصورة لبيت ريفي كبير.
بصيت له باستغراب.
إيه ده؟
قال
البيت ده كان ملك لعيلة هولواي، لكن والد جرانت اضطر يبيعه من سنين بسبب أزمة مالية.
وإيه علاقتي بالموضوع؟
ابتسم.
البيت ده أصبح ملكك.
ضحكت من شدة المفاجأة.
حضرتك أكيد غلطان.
لأ.
وأشار للعقد.
جرانت اشترى البيت من سنين، وسجله باسمك من غير ما تعرفي.
اتسمرت مكاني.
ليه؟
أخرج ريتشارد ورقة أخرى.
عشان ده كان المكان اللي والد جرانت بدأ منه أول مشروع في حياته.
قلبت الورقة.
كان فيها إقرار قانوني.
والتاريخ كان قبل حفلة ذكرى زواجنا بشهرين.
يعني قبل ما أعرف أي حاجة.
قلت
بس ليه ماقالش لي؟
ضحك الرجل بهدوء.
لأن جرانت كان عنده عادة غريبة.
إيه؟
كان بيحب يعمل الحاجات المهمة في صمت، وبعدها يكتشف إنه نسي يقول لأصحابها.
ابتسمت رغمًا عني.
دي كانت فعلًا شخصية جرانت.
لكن ريتشارد أكمل
البيت ده مش هدية ليكي.
أمال إيه؟
هو كان جزء من خطة جرانت لمشروع المؤسسة.
اتسعت عيناي.
مؤسسة؟
كان بيخطط من زمان لمكان يستقبل السيدات اللي محتاجين يبدأوا حياة جديدة.
بصيت للعقد مرة تانية.
فهمت فجأة.
الباب الجديد
كان ممكن يكون أكبر بكتير.
قلت
جرانت كان يعرف إني هعمل المؤسسة؟
لأ.
أمال إزاي؟
ابتسم ريتشارد.
هو ماكانش يعرف إنك هتختاري نفس الفكرة. لكنه كان يعرف حاجة واحدة.
إيه؟
إنك طول عمرك بتحبي تساعدي الناس من غير ما تستني شكر.
سكتُّ طويلًا.
وبعدين سألت
هو فين دلوقتي؟
قال
سافر.
فين؟
مش عارف.
اتصدمت.
مش عارف؟
جرانت باع جزء كبير من أعماله واختفى تقريبًا من الحياة العامة.
فضلت ساكتة.
آخر مرة شوفته كانت من خمس سنين.
وقتها كنت فاكرة إن قصتنا انتهت تمامًا.
لكن واضح إن بعض الحكايات
بتفضل فيها صفحات محدش فتحها.
بعد أسبوع، ذهبت للبيت.
كان قديمًا، لكنه جميل.
وسط الحديقة كان فيه مبنى صغير مهجور.
دخلته.
وعلى الحائط كانت معلقة لوحة خشبية قديمة.
مسحت عنها التراب.
وكان مكتوب عليها
المكان ده اتبنى عشان أي إنسان يلاقي فرصة يبدأ من جديد.
وقفت قدامها وقت طويل.
ثم ابتسمت.
وقلت لنفسي
واضح إن الحكاية لسه مخلصتش.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت عربية بتقف أمام البيت.
خرجت.
ولما شفت الشخص اللي نزل منها
اتجمدت مكاني.
كان جرانت.
لكن المرة دي، ماكانش جاي كرجل أعمال.
ولا كزوج سابق.
كان ماسك صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
ومشي ناحيتي.
وقف قدامي وقال
كنت عارف إنك هتوصلي هنا في يوم.
بصيت له بدهشة.
إنت كنت مستنيني؟
ابتسم.
لأ.
ثم نظر إلى البيت.
كنت مستني المكان يلاقي صاحبته الحقيقية.
فتحت الصندوق.
ولقيت بداخله مفتاحًا قديمًا.
ومعه ورقة واحدة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو وصلت الورقة دي لإيدك، يبقى أنتِ أخيرًا بقيتي في المكان اللي كنت أتمنى تشوفيه من زمان مكان ما حدش يقدر يقولك فيه امشي أو اقعدي.
رفعت عيني له.
ولأول مرة من سنين، ماعرفتش أقول أي كلمة.
أما هو
فاكتفى بابتسامة صغيرة.
وقال
القرار قرارك، زي كل مرة.
ثم حط المفتاح في إيدي.
ومشى.
وقفت مكانى، وبصيت للمفتاح.
وفهمت إن جرانت ماجاش يرجعني.
جاي يسلمني آخر باب
والاختيار المرة دي كان لي أنا وحدي نكمل 
فضلت واقفة في مكاني بعد ما جرانت مشي، والمفتاح في إيدي.
كان ممكن أحتفظ بالبيت لنفسي.
وكان ممكن أبيعه وأحوّل قيمته لمشاريع المؤسسة.
لكن وأنا ببص للمبنى القديم، افتكرت الجملة المكتوبة على الحائط
أي إنسان يستحق فرصة يبدأ من جديد.
تاني يوم، اتصلت بفريق المؤسسة.
وقلت لهم
هنحوّل المكان ده لأكبر مركز تابع لنا.
وبالفعل، بدأت أعمال الترميم.
خلال شهور، البيت القديم اتغير تمامًا.
الغرف بقت مكاتب.
المبنى الصغير بقى مركز تدريب.
والحديقة اتحولت لمساحة مفتوحة للاجتماعات والأنشطة.
وعلى البوابة حطينا لافتة بسيطة
مركز الباب الجديد بداية أخرى.
يوم الافتتاح، حضر ناس كتير.
لكن وسط الزحمة، لقيت شخصًا واقفًا بعيدًا.
جرانت.
ماقربش.
فأنا اللي مشيت ناحيته.
قلت
إنت جيت.
ابتسم.
كنت عايز أشوف المكان بعد ما خلص.
إيه رأيك؟
بص للبيت.
أحسن مما تخيلت.
ثم سكت قليلًا وقال
عملتي حاجة أنا ماعرفتش أعملها.
إيه؟
حولتي الحاجة اللي وجعتك لحاجة تنفع غيرك.
الكلمة لمستني.
لكن قبل ما أرد، ظهر ريتشارد عمه، وقال
جرانت لازم يمشي.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
جرانت ابتسم.
عندي سفر.
هتختفي تاني؟
ضحك.
المرة دي لأ.
ثم أضاف
بس لازم أبدأ حياتي في مكان جديد.
مد إيده.
صافحته.
وقلت
أتمنى تكون سعيد.
وأنا أتمنى تفضلي كده.
مشى.
وقفت أتابعه وهو بيبعد.
لكن المرة دي ماحسيتش بأي حزن.
لأن النهاية ماكانتشي رجوع.
ولا كانت انتقام.
كانت ببساطة
سلام.
بعدها بسنوات، بقى الباب الجديد مؤسسة كبيرة، وخرج منها مئات الأشخاص وهم قادرين يبدأوا حياتهم من الصفر.
وفي كل افتتاح جديد، كنت بقول نفس الجملة
محدش يقدر يغيّر الماضي، لكن كل واحد فينا يقدر يختار شكل المستقبل.
وفي ليلة هادئة، رجعت لوحدي للمكتب القديم.
فتحت درج مكتبي.
كان جواه المفتاح الأول.
المفتاح اللي سلّمهولي جرانت.
فضلت أبص له شوية.
وبعدين حطيته في صندوق زجاجي صغير وكتبنا تحته
بعض الأبواب لا تُفتح لتعود إلى الماضي بل لتكتشف أنك كنت تملك المفتاح طوال الوقت.
قفلت الصندوق.
وطفيت النور.
خرجت من المبنى.
ولما بصيت للباب الكبير خلفي، ابتسمت.
لأن الست اللي كانت قبل سنين واقفة وسط مية شخص، بتسمع جملة كسرت قلبها
ما بقتش موجودة.
النهارده، كنت أنا اللي بفتح الأبواب للناس.
وأقول لهم
ادخلوا البداية من هنا.
وهكذا انتهت حكاية هيلين وجرانت.
مش بزواج
تم نسخ الرابط