شوفت ابن ضرتى بقلم زهرة الربيع
حفرة الذنب.
وأنا أخيرًا طلعت منها هنكمل ونقرب من النهاية، مع كشف آخر تفصيلة في القضية
مرت ست شهور.
كنت بدأت أعيش بشكل طبيعي، ومنى بقت تروح الحضانة وترجع تحكيلي عن يومها، وأنا بدأت أشتغل من البيت.
كنت فاكرة إن كل شيء انتهى
لحد ما في مساء يوم، جوزي دخل البيت ومعاه ملف.
حطيته قدامي وقال
ده آخر تقرير في قضية آدم.
بصيت له باستغراب
لسه فيه جديد؟
قال
المحققين راجعوا كل التسجيلات من أولها، واكتشفوا تفصيلة محدش خد باله منها.
فتح الملف.
كان فيه صورة ثابتة من تسجيل كاميرا السطح.
وأشار لشخص صغير ظهر في الخلفية.
قلت
ده مين؟
قال
آدم نفسه.
استغربت.
إزاي؟
قال
الصورة اتاخدت قبل الحادث بدقائق، لكن التحقيق أثبت إن آدم ما كانش وحده على السطح.
سكت.
جوزي كمل
كان فيه شخص تاني، لكن الصورة مش واضحة.
بدأنا نكبرها.
وبعد تحسين الصورة، ظهر شيء على كتف الشخص.
شنطة صغيرة.
عرفتها فورًا.
قلت
دي شنطة حماتي.
جوزي هز رأسه.
أيوه.
لكن حماتي كانت بالفعل معترفة إنها طلعت السطح.
قلت
طب إيه الجديد؟
قال
إنها ما طلعتش عشان اللعبة بس.
فتح ورقة تانية.
كان مكتوب فيها إن النيابة وجدت داخل شنطة حماتي مفتاح باب السطح.
ساعتها افتكرت حاجة.
باب السطح كان دايمًا بيتقفل.
قلت
يعني مين كان بيفتحه؟
جوزي قال
حماتي كان معاها المفتاح.
وفجأة فهمت.
اليوم اللي مات فيه آدم، الباب ما كانش مفتوح بالصدفة.
حد فتحه.
وحد سمح لطفل صغير يوصل لمكان خطر.
لكن التحقيق النهائي أثبت إن الحادث كان نتيجة سلسلة من الإهمال، وليس جريمة قتل متعمدة.
ومع ذلك، اتوجهت اتهامات قانونية لكل شخص ثبت تقصيره أو محاولته إخفاء معلومات.
أما أنا، فكان أهم شيء بالنسبة لي إن اسمي اتبرأ تمامًا.
بعد سنة كاملة من الحادث، رجعت أزور بيت العيلة لأول مرة.
مش عشان أرجع.
لكن عشان أقفل الباب ده من جوايا.
طلعت لحد أول السلم.
وقفت.
نفسي اتقطع.
رجلي بدأت تترعش.
لكن المرة دي ما كانش فيه صراخ.
ولا طفل على الحافة.
ولا خديجة ورايا.
كان فيه أنا بس.
أنا والخوف اللي عشت معاه سنين.
حطيت إيدي على الدرابزين.
طلعت درجة.
ثم درجة ثانية.
ولما وصلت للمكان اللي كنت فيه يوم الحادث، وقفت.
بصيت للسقف.
وقلت
يا آدم أنا آسفة إني ما قدرتش أساعدك وقتها.
دموعي نزلت.
بس عمري ما كنت عايزة أؤذيك.
نزلت من السلم بهدوء.
ولما وصلت لباب الشقة، لقيت منى مستنياني.
جريت ناحيتي وقالت
ماما، إنتِ اتأخرتي!
ابتسمت وقلت
كنت بقفل باب قديم.
سألتني
هنرجع هنا؟
بصيت للبيت للمرة الأخيرة.
وقلت
لا يا حبيبتي إحنا رايحين بيتنا.
ومشيت.
المرة دي ما بصتش ورايا.
لأنني فهمت أخيرًا إن بعض الأبواب لازم تتقفل
مش عشان نهرب من الماضي،
لكن عشان نسمح لنفسنا نبدأ من جديد.
ومن يومها، كل ما الخوف يرجع، كنت أفتكر جملة واحدة
أنا مش مسؤولة عن شيء لم أقدر عليه لكني مسؤولة عن حماية حياتي وحياة بنتي من النهارده.
وهكذا انتهت الحكاية.
مش بنهاية سعيدة كاملة
لأن آدم مش هيرجع.
لكن بنهاية عادلة.
الحقيقة ظهرت، وبراءتي ثبتت، ومنى فضلت بخير، وأنا أخيرًا قدرت أعيش من غير ما أحمل ذنبًا لم يكن ذنبي ممكن نكملها من هنا، ونخلي الأحداث تدخل في مرحلة جديدة بدل تكرار نفس الكشف
بعد مرور سنة، كنت فاكرة إن الماضي أخيرًا سابني.
أنا ومنى بقينا عايشين في شقتنا الجديدة، وجوزي بدأ يشتغل أكتر عشان يعوضنا عن الفترة الصعبة اللي عدت علينا.
لكن في يوم، وأنا برتب حاجات منى، لقيت صندوق صغير قديم كنت جايباه من بيت العيلة.
فتحته.
كان جواه شوية حاجات بسيطة تخص منى، وبينهم ورقة مطوية.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط حماتي.
ندى لو وصلتك الورقة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كملت القراءة.
أنا ظلمتك يوم اتهمتك إنك قصرتي في إنقاذ آدم. كنت عارفة إن خوفك حقيقي، وشوفت بعيني قد إيه كنتِ بتحاولي تتحركي رغم إن جسمك كان رافض.
وقفت عن القراءة للحظة.
ثم كملت.
لكن فيه حاجة ما قلتهاش في التحقيق. يوم الحادث، خديجة كانت منهارة من المشاكل والمسؤوليات، وأنا بدل ما أساعدها، زودت عليها الضغط. كنت فاكرة إن الطفل لو اتخض من السطح، هيتعلم ما يقربش منه. ما تخيلتش إن الموضوع هيتحول لكارثة.
دموعي نزلت.
لكن آخر سطر هو اللي صدمّني
أنا عارفة إن اعتذاري مش كفاية، لكن أتمنى في يوم تفهمي إني ندمت.
دخل جوزي في اللحظة دي.
سألني
إيه اللي في إيدك؟
ناولته الورقة.
قرأها في صمت.
وبعدها قال
أمي كتبت الكلام ده إمتى؟
قلبت الورقة.
كان عليها تاريخ قبل وفاتها بأيام.
سكتنا طويلًا.
حماتي كانت توفت بعد شهور من بداية القضية، من غير ما نعرف إنها تركت الرسالة دي.
في اليوم التالي، قررت أروح لخديجة.
مش عشان أفتح الخلاف من جديد.
لكن عشان أسلمها نسخة من الرسالة.
لما قرأتها، فضلت ساكتة.
وبعد دقائق قالت
أنا طول الوقت كنت بلومك مع إن الحقيقة إن كل واحد فينا كان بيهرب من مسؤوليته.
قلت
آدم كان محتاج حد يحميه، مش حد يلوم حد بعد ما حصلت الكارثة.
هزت رأسها.
وبعدين قالت
وأنا غلطت لما قربت من منى. مهما كان وجعي، بنتك مالهاش ذنب.
كانت دي أول مرة تقولها بصراحة.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن شيء ثقيل اتحرك من فوق قلبي.
مرت الأيام.
وبعد فترة، جوزي اقترح علينا نعمل مكان صغير للأطفال في منطقتنا، يكون فيه ألعاب آمنة وسياج مرتفع وأبواب مؤمنة، ونخصص جزءًا منه لتوعية الأهالي بمخاطر السلالم والأسطح المفتوحة.
وافقت فورًا.
سميناه بيت آدم.
مش تخليدًا للحزن
لكن عشان حادثة مؤلمة ما تتكررّش مع طفل تاني.
وفي يوم الافتتاح، كانت منى واقفة جنبي.
بصت للمكان وقالت
ماما، آدم كان هيحب المكان ده؟
ابتسمت رغم دموعي وقلت
أيوه كان هيحب يلعب هنا.
جريت منى ناحية الألعاب.
وقفت أتفرج عليها.
وفجأة اكتشفت إن الحكاية اللي بدأت بموت طفل وخوف واتهامات
انتهت بحاجة مختلفة تمامًا.
بقيت أحول وجعي لشيء يحمي غيري.
ومن يومها، كل ما أفتكر السطح القديم، ما بقيتش أشوف نفسي واقفة عاجزة في نص السلم.
بقيت أشوف ست وقعت تحت ضغط خوف رهيب، لكنها قامت.
ست اتظلمت، لكنها ما خلتش الظلم يحدد باقي حياتها.
وأم خافت على بنتها، فتعلمت تحميها من غير ما تعيش أسيرة للخوف.
وأدركت إن بعض النهايات مش معناها إن كل شيء رجع زي الأول
أحيانًا النهاية الحقيقية هي إنك تقدر تكمل حياتك رغم إن اللي حصل عمره ما هيتنسى أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للحكاية
بعد كل اللي حصل، قررت إن صفحة بيت العيلة تتقفل نهائيًا.
خديجة اتحملت نتيجة تصرفاتها، وحماتي رحلت وهي شايلة ندمها، أما أنا فبدأت أتعلم أعيش من غير ما أحكم على نفسي بسبب لحظة كنت فيها عاجزة عن الحركة.
عدت السنين، ومنى كبرت.
وفي يوم عيد ميلادها السادس، وقفت قدامها وهي بتطفي الشمع.
بصيت لضحكتها، وافتكرت اليوم اللي كنت شايفاها فيه واقفة على حافة السطح.
اليوم اللي افتكرت فيه إن حياتي انتهت.
لكنها ما انتهتش.
أنا ومنى كملنا.
بعد الحادث، بدأت أتعالج من فوبيا المرتفعات خطوة بخطوة، لحد ما بقيت أقدر أتعامل مع الأماكن المرتفعة من غير ما أفقد السيطرة.
مش معنى كده إن خوفي اختفى تمامًا
لكن بقيت أنا اللي أتحكم فيه، مش هو اللي يتحكم فيا.
وفي آخر زيارة لبيت العيلة، وقفت عند أول درجة من السلم.
بصيت للمكان طويلًا.
وقلت
أنا مش هنسى آدم بس مش هعيش عمري كله مذنبة على حاجة ما كانتش بإيدي.
مسكت إيد منى ونزلنا.
وقبل ما أخرج، بصيت للبيت للمرة الأخيرة.
ماكانش بيتًا بالنسبة لي بعد كل اللي حصل.
كان مجرد مكان شهد أكبر وجع في حياتي.
خرجت وقفلت الباب.
ومن ساعتها، ما رجعتش له أبدًا.
أما منى، فكانت كل ما تسمع حكاية عن طفل لازم ناخد بالنا منه، تقول
ماما بتقول لازم نخلي المكان آمن قبل ما الأطفال يلعبوا.
كنت أبتسم.
لأن بنتي ما كانتش تعرف إنها السبب الحقيقي إني قررت أحول أكبر خوفي إلى درس في حياتي.
وفي النهاية فهمت حاجة مهمة
أنا ما قدرتش أنقذ آدم في ذلك اليوم، لكني قدرت أنقذ نفسي من العيش بقية عمري أسيرة للذنب.
الحادث انتهى
والاتهامات انتهت
والخوف بدأ يضعف
لكن ذكرى آدم فضلت موجودة.
مش كجرح مفتوح.
لكن كذكرى علمتني إن حياة الإنسان ممكن تتغير في لحظة، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، في النهاية بتظهر.
وأهم حاجة
إن منى كبرت وهي آمنة، وأنا كبرت معاها وأنا عارفة إن اللي حصل لم يكن ذنبي.
تمت.