الممرضه افتكرته عامل غلبان

لمحة نيوز

الممرضة افتكرته عامل غلبان وهي متعرفش إنه صاحب المستشفى كله! 
باب المستشفى الأوتوماتيك اتفتح وسط مطر شديد كان مغرق شوارع القاهرة.
كانت مريم بقالها حوالي 16 ساعة واقفة على رجليها.
رجليها وجعاها، شعرها مربوط بتوكة زرقا قديمة، وكوباية القهوة في إيدها باردة من كتر ما اتشغلت ومقدرتش تشربها.
كانت بتراجع ملفات المرضى عند الاستقبال، لما لمحت راجل داخل من الباب.
كان حوالي 42 سنة.
لابس جاكت شغل قديم، وبنطلون عليه بقع أسمنت، وجزمة كلها طين.
وفي إيده فوطة ضاغط بيها على دراعه.
الحارس بص له بسرعة وأشار له ناحية الاستقبال من غير ما يقوم.
لكن مريم قربت منه.
إنت اتعورت؟
الراجل بص لها.
جرح بسيط.
وريني.
مش مستاهل.
مريم بصت له بحدة.
إنت بقالك كام ساعة بتنزف؟
اتردد.
حوالي ساعتين.
يبقى مستاهل.
شال الفوطة.
مريم اتصدمت من عمق الجرح.
إنت اسمك إيه؟
حسام.
حسام إيه؟
حسام عبدالسلام.
معاك تأمين؟
سكت لحظة.
لسه مغير شغلي والتأمين الجديد لسه ما اشتغلش.
مريم فهمت فورًا.
ده واحد من الناس اللي بتخاف تدخل المستشفى عشان مش عارفة هتدفع كام.
قالت له بهدوء
بص يا أستاذ حسام، الأول نعالج الجرح، وبعدها نشوف موضوع الحساب.
بس أنا مش عايز أعمل مشكلة.
المشكلة إنك تسيب جرح بالشكل ده من غير علاج.
دخلت به غرفة الإسعافات، وساعدته لحد ما الدكتور كشف عليه.
وبينما كانت بتجهز الشاش، التوكة الزرقا اللي في شعرها فكت.
مريم شالتها وربطت بيها الشاش مؤقتًا.
حسام بص للتوكة وضحك.
دي كانت آخر توكة معاكي؟
تقريبًا.
واديتهالي؟
قديمة أصلًا.
ابتسمت.
خليها معاك.
وبعد ما خلص الدكتور، ربطت التوكة حوالين معصمه.
عشان تفتكر إنك متستهونش بأي جرح تاني.
حسام بص للتوكة فترة طويلة.
مش هنساها.
بعد ساعة، مريم لقيته لسه قاعد عند باب الخروج.
إنت لسه هنا ليه؟
قالولي محتاج متابعة.
ما تتابع.
خفض عينه.
معنديش دكتور.
مريم فتحت نوتة صغيرة وكتبت له اسم مركز طبي اقتصادي قريب، ومكان يقدر يصرف منه الدوا بسعر مخفض.
لو الجرح احمر أو سخن أو ورم، ترجع فورًا.
حسام سألها
والحساب؟
متفكرش فيه دلوقتي.
بص لها باستغراب.
إنتِ بتقولي الكلام ده لكل الناس؟
مريم ابتسمت.
لأ.
أمال؟
للناس اللي شكلها عنيدة بس.
ضحك لأول مرة.
وقبل ما يمشي، بص للكارنيه المعلق في رقبتها.
مريم.
نعم؟
شكرًا.
العفو.
ومشي.
مريم رجعت لشغلها، وهي متخيلة إن الموضوع انتهى.
لكنها كانت غلطانة.
بعد ثلاثة أيام، وهي في الشيفت، لقت نفس الراجل داخل المستشفى.
لكن المرة دي كان في إيده أكتر من كوباية قهوة، ومعاهم شنط مخبوزات.
مريم بصت له باستغراب.
دي إيه؟
قهوة.
لمين؟
للممرضين.
ليه؟
ابتسم.
عشان مريم قالت إن القهوة الباردة بتبوظ المزاج.
ضحكت.
أنا قلت كده؟
مش بالحرف.
وجبت لي إيه؟
رفع كوباية.
مش عارف بتحبيها إزاي، فاشتريت كذا نوع.
ده تبذير.
أنا ارتكبت أخطاء أكبر.
ومن اليوم ده، بدأ حسام يظهر كل كام يوم.
مرة بقهوة.
مرة بمخبوزات.
ومرة كان يجيب كتب تلوين للأطفال الموجودين في قسم الأطفال.
مريم بدأت تلاحظ إنه رغم شكله البسيط، كان دايمًا بيسأل عن المرضى وبيلاحظ تفاصيل غريبة في المستشفى.
مرة سألها
ليه غرفة الانتظار دي مفيهاش كراسي كفاية؟
قالت له
الميزانية.
والناس بتستنى واقفة؟
ساعات بالساعات.
سكت.
وفي يوم تاني شاف أم شايلة طفل وواقفة في الطابور.
سأل مريم
دي مستنية من إمتى؟
من بدري.
هز رأسه وقال
مين المسؤول عن المكان ده؟
مريم ضحكت.
إنت بتسأل أسئلة كتير.
بحب أفهم.
يبقى اشتغل في الإدارة.
ابتسم.
يمكن.
مريم مكنتش تعرف إن الجملة دي هتبقى أهم جملة قالتها له في حياتها.
مع الوقت، بقى حسام قريب من مريم ونور بنتها.
نور كانت عندها سبع سنين، وبتحب الحيوانات جدًا.
أول مرة قابلها، بصت له وقالت
إنت صاحب ماما؟
حسام ضحك.
إحنا أصحاب.
نور فكرت شوية.
يعني بتجيب لها قهوة؟
أيوه.
يبقى أنت صاحب كويس.
مريم ضحكت.
حسام قال
شهادة أعتز بيها.
وبقى يقضي وقت مع نور، يساعدها في رسم بيوت من الكرتون، ويصلح لها الألعاب المكسورة.
ومريم بدأت تكتشف إن حسام شخص مختلف تمامًا عن الصورة اللي الناس بتاخدها عنه.
كان هادي.
محترم.
وبيسمع أكتر ما بيتكلم.
وفي يوم، وهما قاعدين في حديقة الأزهر، مريم حكت له عن حلمها.
نفسي أعمل عيادة صغيرة للناس الغلابة.
حسام بص لها باهتمام.
عيادة؟
آه. تفتح بالليل وفي الويك إند. عشان الناس اللي شغالة طول اليوم تقدر تكشف من غير ما تخسر شغلها.
وحاطة خطة؟
مريم ضحكت.
عندي تصميم مبدئي، وقايمة دكاترة ممكن يساعدوا، وحسبت تكاليف الأجهزة.
أومال إيه اللي موقفك؟
ابتسمت بحزن.
الأحلام مش بتدفع الإيجار.
حسام سكت.
وبص للمدينة قدامه.
يمكن أقدر أساعدك.
مريم هزت رأسها بسرعة.
لأ.
ليه؟
عشان أنا عايزة أعملها بنفسي.
حسام ابتسم.
تمام.
بس لو يوم من الأيام لقيت باب مناسب قولي.
أوعدك.
بعد أيام، مريم كانت بتساعد حسام يملى استمارة علاج.
سألته عن دخله.
قال لها رقم قليل.
رقم يخليه مؤهل لمساعدة طبية.
مريم ملاحظتش التناقض.
لكن حسام حس لأول مرة إنه ارتكب كذبة حقيقية.
هو مكنش عامل.
ومكنش محتاج مساعدة.
لكنه كان عايز يعرف الناس بتتعامل معاه إزاي لما محدش يعرف اسمه.
وكانت الإجابة واضحة.
مريم عاملته باحترام من أول لحظة.
وفي يوم، وهي بتجري في الممر الإداري عشان تجيب ملف، وقعت عينيها على صورة كبيرة معلقة على الحيطة.
وقفت.
الصورة كانت لرجل مختلف تمامًا.
بدلة فاخرة.
مكتب ضخم.
وخلفه شعار المستشفى.
لكن العينين
كانت نفس العينين.
قربت مريم من الصورة.
وقرأت الاسم.
حسام عبدالسلام.
وتحت الاسم
مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة عبدالسلام للرعاية الصحية، والمالك الرئيسي لمستشفى النور الدولي.
مريم حسّت إن الأرض اتحركت تحت رجليها.
الملف وقع من إيدها.
همست
حسام؟!
وفي اللحظة دي، سمعت صوته من وراها
كنت أتمنى تعرفي مني.
لفت ببطء.
كان حسام واقف في الممر.
ولأول مرة، مريم شافته بالشكل الحقيقي.
مش العامل البسيط.
مش الراجل اللي داخل المستشفى بإيده مجروحة.
ده كان صاحب المستشفى كله.
بصت له بغضب وصدمة.
إنت كنت بتضحك عليا؟
حسام هز رأسه.
لأ.
أمال إيه؟
كنت بحاول أعرف هل الناس ممكن تشوفني كإنسان قبل ما تشوفني كصاحب ملايين.
مريم سكتت.
فقال
بس فيه سبب تاني أهم.
إيه؟
حسام أخرج من جيبه ملفًا قديمًا.
وحطه قدامها.
مريم فتحته.
واتصدمت.
كان فيه طلب قدمته للمستشفى من سنتين
عن مشروع عيادة مجانية ليلية للفقراء.
وفوق الطلب، كان فيه توقيع حسام.
مريم رفعت عينيها.
إنت شفت الطلب ده؟
من أول يوم.
طب ليه مفيش حاجة حصلت؟
حسام قال بهدوء
لأن المشروع كان محتاج حد يقدر يديره من قلبه مش مجرد حد يكتبه على ورق.
مريم فضلت ساكتة.
ففتح حسام صفحة تانية.
كان فيها تصميم كامل لعيادة جديدة.
غرف كشف.
صيدلية.
قسم أطفال.
ومواعيد مسائية.
وفي أعلى الصفحة اسم المشروع
باب النور.
مريم دموعها نزلت من غير ما تحس.
إنت عملت كل ده؟
ابتسم حسام.
أنا جهزت المكان.
وسكت لحظة.
لكن مستني صاحبة الفكرة من زمان.
مريم بصت للتصميم، ثم بصت له.
وفجأة فهمت إن كل ظهور حسام في حياتها، وكل سؤال كان بيسأله، وكل مرة كان يراقب فيها المرضى
مكنش صدفة.
لكنها لسه مكنتش تعرف إن فيه سر أكبر من موضوع المستشفى نفسه.
سر متعلق بسبب دخوله المستشفى في أول يوم وبالتوكة الزرقا اللي لسه محتفظ بيها لحد النهارده مريم فضلت واقفة قدام التصميم، مش عارفة تقول إيه.
كل حاجة بدأت تركب في دماغها.
القهوة.
المخبوزات.
أسئلته عن المرضى.
اهتمامه بقسم الأطفال.
وحتى اللحظة الأولى اللي دخل فيها المستشفى والجرح في دراعه.
رفعت عينيها له.
طب قولي الحقيقة كاملة إنت دخلت المستشفى يومها ليه؟
حسام سكت.
وبص للتوكة الزرقا اللي كانت لسه مربوطة في سلسلة صغيرة حوالين رقبته.
مريم لاحظت الحركة.
لسه محتفظ بيها؟
أيوه.
ليه؟
حسام أخذ نفسًا عميقًا.
لأنها فكرّتني بحاجة نسيتها سنين.
إيه؟
قال بهدوء
إن قيمة الإنسان مش في فلوسه.
قعد على الكرسي اللي جنب الحيطة.
أبويا كان عنده مستشفى صغير قبل ما المجموعة تكبر. وكان دايمًا بيقول لي لو في يوم بقيت غني ومقدرتش تشوف الناس اللي تحتك، يبقى فلوسك ملهاش لازمة.
مريم فضلت ساكتة.
بعد وفاته، أنا ركزت في توسيع المستشفى. فروع جديدة، أجهزة، استثمارات كل حاجة بقت أرقام.
بص لها.
لحد ما اكتشفت إننا بقينا بننسى أهم حاجة المريض نفسه.
مريم قالت
وعشان كده نزلت المستشفى كأنك عامل؟
أيوه.
عشان تختبر الموظفين؟
هز رأسه.
في البداية كنت عايز أعرف الناس بتتعامل إزاي مع حد شكله مش قادر يدفع.
ثم ابتسم.
لكن اللي حصل معاكِ غير الخطة كلها.
مريم عقدت حاجبيها.
إزاي؟
لأنك مكنتيش بتحاولي تثبتي إنك أحسن من حد. إنتِ ببساطة كنتِ بتعملي شغلك.
ده شغلي.
لأ.
سكت.
ده اللي المفروض يكون شغل كل إنسان عنده فرصة يساعد غيره.
مريم بصت للأرض.
بس أنا لسه مش فاهمة ليه اخترتني أنا عشان أدير العيادة؟
حسام فتح ملفًا آخر.
لأنك الوحيدة اللي قدمت الفكرة دي قبل ما أنا أعلن عن المشروع.
مريم استغربت.
يعني إيه؟
من سنتين، قبل ما نتقابل، قدمتي اقتراح مكتوب للإدارة. معظم الناس شافته مجرد فكرة جميلة ومكلفة.
وإنت؟
أنا شفته مشروع يستحق التنفيذ.
مريم ابتسمت.
طب ليه استنيت سنتين؟
حسام قال
لأن المشروع مش محتاج فلوس بس.
محتاج إيه؟
محتاج شخص يعرف معنى إن حد يقف قدام باب مستشفى وهو خايف يدخل.
مريم افتكرت الراجل اللي قابلته يوميًا.
افتكرت نفسها وهي بتقول له
المشكلة إنك تسيب جرح من غير علاج.
فهمست
عشان كده كنت بتراقبني؟
كنت بتتعرفي على الناس، وأنا كنت بتعرف عليكِ.
وحكمت إني مناسبة؟
ابتسم.
نور حكمت عليكِ من زمان.
مريم ضحكت وسط دموعها.
نور مالها؟
قالت لي مرة ماما بتعرف تخلي الناس متخافش.
مريم سكتت.
الكلمة لمست قلبها.
وبعدين قالت
بس أنا مش هقدر أسيب شغلي وأمسك مشروع كبير.
مش هتسيبيه.
يعني؟
العيادة هتكون تابعة للمستشفى،

تم نسخ الرابط