لما خرجنا من عند المازون
لما خرجنا من عند المأذون بعد الطلاق، كنت فاكرة إن أصعب لحظة عدّت.
لكن طليقي حسام وقف على السلم، وبصلي بابتسامة باردة وقال
فرحي بكرة... لو عايزة تحضري.
بصيت له ثواني، وبعدها قلت بهدوء
مبروك.
اتغيرت ملامحه للحظة، كأنه كان مستني مني أعيط أو أزعق.
لكن أنا كنت خلصت.
ثلاث سنين من الخلافات، تدخلات أهله، وكل مرة أحاول أصلح حاجة وهو يختار السكوت... انتهت بكلمتين وختم على ورقة.
قسمنا كل حاجة بالاتفاق.
الشقة، الحسابات، العفش، وحتى الحاجات الصغيرة.
مفيش ظلم من ناحيتي ولا منه.
خرجت من عند المأذون وأنا شايلة شنطتي، وبدل ما أرجع البيت، ركبت عربيتي واتجهت للغردقة.
كنت محتاجة أتنفس.
حجزت جناح لمدة أسبوعين، وقلت لنفسي
أول مرة في حياتي هصرف فلوسي على راحتي من غير ما أحسب حساب بكرة.
وصلت الفندق بعد الظهر.
دخلت الجناح، فتحت الشباك، والبحر قدامي.
ضحكت لوحدي.
أخيرًا يا شهد... مفيش حد هيقولك اعملي إيه.
قضيت أول ليلة في هدوء.
لكن الصبح، وأنا قاعدة قدام البحر، تليفوني رن.
رقم حماتي السابقة.
رديت بعد تردد
أيوة يا مدام ثريا؟
جالي صوتها متوتر
شهد... حسام في المستشفى!
اتعدلت في قعدتي.
إيه؟!
تعب فجأة بالليل، ونقلناه المستشفى.
سكت لحظة، وبعدين قالت
لازم ترجعي.
استغربت.
أرجع ليه؟
عشان تقفي جنبه.
ضحكت من شدة الدهشة.
يا مدام ثريا، إحنا اتطلقنا امبارح.
زعقت
يعني إيه اتطلقتم؟! ده ابني!
ربنا يشفيه، بس أنا مش مراته دلوقتي.
قالت بعصبية
إنتِ أكتر واحدة عارفة أكله ودواءه وطبيعته!
رديت بهدوء
الممرضة تقدر تهتم بيه، وإنتِ أمه، وإخواته موجودين. وأنا مش هسيب إجازتي وأرجع عشان أعمل دور الزوجة السابقة.
سكتت ثواني.
ثم قالت جملة غريبة
شهد... إنتِ فاهمة غلط.
غلط في إيه؟
حسام مش عايزك تيجي عشان تخدميه.
اتجمدت.
أمال عايزني ليه؟
ما ردتش.
وبدأت تتلعثم
لما توصلي هتعرفي.
قفلت معاها.
فضلت باصة للموبايل.
حسام مريض.
وأمه مصممة إني أرجع.
وفي حاجة هما مش عايزين يقولوها.
قررت أتجاهل الموضوع.
لكن بعد ساعة واحدة بس، جرس باب الجناح رن.
فتحت العين السحرية.
مدير الفندق واقف.
ومعه راجلين.
واحد منهم أظهر بطاقة الشرطة.
فتحت الباب بحذر.
خير؟
الضابط قال
مدام شهد؟
أيوة.
محتاجين نتكلم معاكي بخصوص طليقك حسام.
اتوترت.
هو حصل له حاجة؟
الضابط رد
هو في المستشفى فعلًا.
وبعدين سكت لحظة وقال
لكن إحنا مش جايين نطلب منك تروحي له.
أمال جايين ليه؟
مد إيده بورقة.
لأن قبل ما حسام يدخل المستشفى بساعات، قدم بلاغ رسمي.
بصيت للورقة.
بلاغ ضد مين؟
الضابط رفع عينه وقال
ضد مجهول.
وبعدين أضاف
لكنه ذكر اسمك في البلاغ.
حسيت بقلبي وقع.
اسمي أنا؟!
أيوة.
هو اتهمني بحاجة؟
لا.
هز رأسه وقال
بالعكس... كتب إنك الشخص الوحيد اللي ممكن يساعدنا نعرف الحقيقة.
سكت.
ثم مد لي صورة.
بصيت فيها.
كانت صورة لخزنة معدنية قديمة.
عرفتها فورًا.
دي خزنة حسام اللي كان مخبيها في مكتبه.
قلت
إيه علاقة الخزنة بيا؟
الضابط رد
الخزنة اتفتحت بعد ما خرجتي من عند المأذون.
وبعدين؟
قال
اختفى منها ملف مهم جدًا.
ملف إيه؟
الضابط بص لزميله، وبعدين قال
ملف يثبت إن حسام اتظلم في قضية مالية كبيرة من سنتين.
اتسعت عيني.
إيه؟!
وكان فيه شخص واحد فقط يعرف مكان الملف...
سكت.
مين؟
الضابط قال
إنتِ.
وقبل ما أستوعب كلامه، تليفوني رن.
كان حسام.
بصيت للضابط.
هو في المستشفى... إزاي بيتصل بيا؟
الضابط قال بسرعة
افتحي السماعة الخارجية.
رديت
ألو؟
جالي صوت حسام ضعيف جدًا
شهد... اسمعيني كويس.
حسام، إنت فين؟
ماترجعيش القاهرة.
ليه؟
صوته ارتعش
لأن اللي حصل لي مش مرض...
سكت لحظة.
ثم قال
حد حاول يخلّص مني.
وانقطع الاتصال.
بصيت للضابط.
لكنه كان واقف ساكت، ووشه اتغير تمامًا.
قلت
في إيه؟
رد
لازم نخرج من الفندق فورًا.
ليه؟
قال
لأننا قبل ما نيجي عندك، وصلنا بلاغ إن فيه شخص دخل الفندق باسمك.
سألته
دخل باسم مين؟
قال
باسم شهد عبدالسلام.
نفس اسمي.
وقبل ما أتكلم...
سمعنا صوت خبط شديد على باب الجناح.
مرة.
واتنين.
وبعدين صوت رجل من الخارج
شهد... افتحي.
اتجمد الدم في عروقي.
لأن الصوت...
كان صوت حسام أكيد، هنكمل مع الحفاظ على إن القصة من غير خيانة، والسر هيكون عائلي وقديم ومش مرتبط بأي علاقة محرمة.
بصيت لأبويا وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
بابا؟!
دخل خطوة واحدة، وقفل باب الشقة وراه.
الضابط رفع سلاحه وقال بحزم
حضرتك تقف مكانك.
أبويا رفع إيديه بهدوء.
أنا مش جاي أأذي حد.
صرخت فيه
أمال جاي تعمل إيه؟! وإيه اللي في الملف ده؟ وليه اسمك مكتوب فيه؟!
بصلي فترة طويلة، وبعدين قال
لأن الوقت جه إنك تعرفي الحقيقة.
أي حقيقة؟!
بص على شهادة الميلاد اللي في إيدي.
حسام مش ابن ثريا.
اتجمدت.
إيه؟!
الضابط قرب منه
وضح كلامك.
أبويا أخذ نفسًا عميقًا.
من حوالي خمسة وعشرين سنة، والد حسام كان شريكي في مشروع كبير. المشروع فشل، وفضل عليه ديون ضخمة. وقتها حصلت مشكلة كبيرة، وكان فيه ناس بتحاول تاخد كل حاجة منه.
وإيه علاقة حسام؟
حسام كان طفل صغير وقتها.
سكت لحظة.
ووالده اضطر يكتب بعض ممتلكاته باسم ابنه عشان يحميها من الدائنين.
بصيت للملف.
يعني كل الورق ده...
ملكية وأمانات باسم حسام من وهو صغير.
الضابط قلب بعض الأوراق.
لكن ليه الموضوع اتفتح دلوقتي؟
أبويا بصلي.
لأن والد حسام مات من غير ما يكشف مكان المستندات الأصلية.
والمستندات كانت هنا؟
أيوة.
سألته
طيب ليه حسام كان مخبيها عني؟
أبويا رد
لأنه كان خايف عليكِ.
اتعصبت
خايف عليا من إيه؟!
من اللي كان بيدور على الأوراق.
وفجأة فهمت سبب كل حاجة.
مرض حسام.
الملف.
الشرطة.
الشخص اللي دخل الفندق باسمي.
كل ده مش صدفة.
قلت
هو حسام عرف الحقيقة إمتى؟
أبويا قال
من أسبوعين.
وإنت كنت عارف؟
من سنين.
حسيت بغصة في صدري.
وليه ما قلتليش؟
لأنك كنتي متجوزة حسام، وأنا كنت عايز أبعدك عن الموضوع كله.
ضحكت بمرارة
طب وإيه اللي حصل يوم الطلاق؟
أبويا سكت.
الضابط سأله
جاوب.
قال
حسام اكتشف إن حد سرق نسخة من المستندات، وبدأ يفتش عن الملف الأصلي.
مين؟
مش عارف.
ثم أضاف
لكنه كان متأكد إن الشخص ده قريب جدًا منه.
قلت
عشان كده طلقني؟
أبويا هز رأسه.
هو اللي طلب الطلاق؟
أيوة.
كان عايز يبعدك عن أي خطر.
سكتُّ.
افتكرت آخر شهور زواجنا.
افتكرت عصبيته.
انعزاله.
إصراره الغريب إن كل حاجة بينا تتقسم رسمي.
وقتها كنت فاكرة إنه بيهرب مني.
لكن يمكن...
كان بيحاول يحميني.
قلت بصوت منخفض
طب هو فين دلوقتي؟
أبويا ما ردش.
الضابط سأله
حضرتك عارف مكانه؟
قال
أيوة.
اتقدم خطوة.
حسام ما اختفاش من المستشفى.
شهقت
أمال فين؟
أبويا بصلي وقال
هو اللي طلب مني آخده من هناك.
ليه؟!
لأنه اكتشف إن المستشفى نفسها مش آمنة.
الضابط اتوتر
مين كان موجود هناك؟
أبويا قال
شخص كان بيحاول يوصل له قبل الشرطة.
وبعدين مد إيده لجيبه وطلع تليفون.
حسام طلب مني أوصلك رسالة.
شغّل التسجيل.
جالي صوت حسام.
كان تعبان، لكنه واضح
شهد... أنا عارف إنك زعلانة مني، ومن حقك. بس لو وصلتي للحقيقة، هتفهمي ليه عملت كده.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا ما طلقتكيش عشان أهرب منك... أنا طلقتك عشان أحميكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كمل
والنهارده لازم تعرفي حاجة أهم.
صوته انخفض.
الشخص اللي بيدور على الملف مش عايز فلوس...
سكت.
هو عايز يمسح دليل قديم يثبت جريمة حصلت من خمسة وعشرين سنة.
الضابط سأله
أي جريمة؟
لكن التسجيل كان انتهى.
أبويا بص لنا وقال
فيه جزء أخير.
شغله!
شغّل التسجيل مرة ثانية.
وفي آخر ثانيتين فقط، سمعنا حسام يقول
والد شهد هو الشاهد الوحيد.
بصيت لأبويا.
شاهد على إيه؟
قبل ما يرد...
وصلتنا رسالة على تليفون الضابط.
قرأها، وتغير لون وشه.
سألته
في إيه؟
رفع عينه وقال
لقينا حسام.
قلبي اتقبض.
فين؟
رد
في مكان محدش كان يتوقعه.
فين؟!
قال
عند المأذون اللي وثّق طلاقكم.
وبعدين أضاف
وفيه مفاجأة أكبر...
إيه؟
حسام مش هو اللي طلب الطلاق أصلًا.
سكت.
إنتِ كنتِ متطلقة منه رسميًا...
من غير ما يكون هو اللي بدأ الإجراءات.
رفعت عيني لأبويا.
لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
وقال
يبقى عرفنا إنهم وصلوا لنا أول ما أبويا قال الجملة دي، الضابط مسك تليفونه بسرعة واتصل بحد.
أيوة، خلي القوة تتوجه للمأذون فورًا، ومحدش يدخل أو يخرج قبل ما نوصل.
قفلت إيدي على طرف الكرسي.
بابا... إنت مخبي عني إيه تاني؟
بصلي بحزن.
كتير يا شهد... بس مش عشان