بعد ماولدت
بعد ما ولدت بنتي وشافها جدي انهار في العياط وقال إنتِ مش عارفة أبوها مين!بعد ما ولدت، أخدت بنتي عشان أعرّفها على جدي اللي ربّاني بس أول ما شاف وشها، انفجر في العياط وقال
ده مستحيل إنتِ مش عارفة إنتِ عملتي إيه.
جدي كان الأب الوحيد اللي عرفته في حياتي، بعد ما أبويا وأمي ماتوا في حادثة عربية.
وعشان كده، لما حملت وأنا عندي 27 سنة، والراجل اللي بحبه اختفى في نفس الليلة اللي قلتله فيها إني حامل، جدي كان هو الشخص اللي وقف جنبي ولمّني.
هو عمره ما قابل أحمد. وأنا كنت كل شوية أأجل إني أعرّفه عليه، وأقول لنفسي إن لسه قدامنا وقت، لما علاقتنا تبقى جد أكتر.
لكن بعد ما أحمد اختفى من غير حتى ما يقول لي كلمة، جزء مني ارتاح إنهم ما اتقابلوش أصلًا.
قال لي جدي وهو ماسك إيدي وبيضغط عليها
إنتِ بس هاتي البنت للدنيا يا حبيبتي، وإحنا هنحل كل حاجة بعدين.
هو بنفسه عمل لها السرير، وكان بيوصلني للدكاترة، ودموعه نزلت لما عرفنا إني حامل في بنت.
لكن الولادة حصل فيها مشكلة.
اليومين اللي كنت متوقعة أقعدهم في المستشفى اتحولوا لحوالي أسبوعين، والبنت الصغيرة نور كانت بتحارب عشان تعيش.
لكن من أول لحظة شيلتها فيها، كان في حاجة مستحيل ما آخدش بالي منها.
نور كانت شبه أحمد بشكل يخض.
نفس الشعر الأسود الكيرلي.
نفس الغمازة الصغيرة في دقنها.
ونفس عينيه الغريبة عين زرقا فاتحة جدًا، والعين التانية بني غامق لدرجة إنها كانت بتبان شبه سودا.
وأول ما سمحوا لي أخرج من المستشفى وأنا شايلة نور على صدري، سقت العربية على طول لبيت جدي.
كان جدي واقف في البلكونة أول ما دخلت. وأول ما شافني، قام بسرعة لدرجة إن فنجان القهوة وقع من إيده.
وقال وهو بيضحك
بناتي وصلوا!
حطيت نور في إيده.
ابتسامته اختفت فجأة.
بص في عين، وبعدها في العين التانية.
ولون وشه اتغيّر تمامًا.
جدي؟
إيده بدأت تترعش.
وبص لي وقال
أبوها مين؟
اتجمدت مكاني.
إيه؟
قال بصوت متوتر
الراجل اللي كنتِ مرتبطة بيه اسمه إيه؟
قلت
أحمد ليه؟
جدي بص لي بنظرة عمري ما شوفتها على وشه قبل كده.
وبعدين قال وهو مصدوم
يا نهار أسود إنتِ أصلًا مش فاهمة إنتِ عملتي إيه! ليه ما قولتيليش هو مين؟
شد نور لحضنه أكتر، وفضل يبص لعينيها كأنه شايف قدامه شبح.
أفكار مرعبة بدأت تلف في دماغي.
قلت له
جدي، إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
جدي قفل عينيه، ولما فتحهم كانت الدموع بتنزل على خده.
وقال بصوت مكسور
أنا كان مفروض عمري ما أقولك اللي هقوله ده أمك خلتني أوعدها.
جسمي كله تلج.
وبص لي وقال
بس بعد الغلطة اللي حصلت مبقاش قدامي اختيار تاني وو
حكايات زيزي
جدي فضل ساكت ثواني طويلة، كأنه بيحاول يقرر يقول لي إيه من غير ما يهدّ الدنيا فوق دماغي.
أنا قربت منه وأنا بترعش
وعد إيه يا جدي؟ أمي خلتك توعدها بإيه؟
بص لنور اللي كانت نايمة في حضنه، وبعدها رفع عينه عليا.
قبل ما أمك وأبوكي يموتوا حصلت حاجة غيرت كل اللي كنتي فاهمه عن عيلتنا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني إيه؟
حط جدي نور على الكنبة بهدوء، وقام راح ناحية دولاب قديم في آخر الصالة.
فتح الدرج السفلي، وطلع صندوق خشب صغير عليه طبقة تراب.
أول ما شوفته، عرفت الصندوق ده.
كنت بشوفه وأنا صغيرة، وكل مرة أسأله عنه كان بيقولي
ده حاجات قديمة ملهاش لازمة.
رجع وحطه قدامي.
دلوقتي بقى ليها لازمة.
فتح الصندوق، وطلع منه ظرف أصفر قديم، وصورة بالأبيض والأسود، ومفتاح صغير.
مد إيده بالصورة ناحيتي.
أخدتها.
وبمجرد ما بصيت فيها، نفسي اتقطع.
كانت أمي واقفة جنب شاب أنا عمري ما شوفته قبل كده.
لكن المشكلة مش في الشاب.
المشكلة إن الشاب كان عنده نفس العينين المختلفتين اللي في وش نور.
عين زرقا فاتحة
والتانية بنية غامقة.
بصيت لجدي وأنا مش قادرة أتكلم.
مين ده؟
جدي قال
ده السبب اللي خلى أمك تخاف على نور قبل حتى ما تتولد.
اتجمدت.
إزاي؟ أمي كانت عارفة إني هخلف بنت؟
هز راسه.
لا بس كانت عارفة إن يوم ما الطفل ده يظهر، السر اللي دفناه سنين هيطلع معاه.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
طفل إيه؟
جدي سحب نفس طويل وقال
أمك قبل موتها بأيام، قالت لي جملة واحدة فضلت عالقة في دماغي لحد النهارده.
سكت لحظة.
وبعدين بص لنور.
قالت لي لو بنتي في يوم خلفت طفل بعينين مختلفتين أوعى تخلي حد ياخده منك.
قلبي وقع.
حد ياخده؟ مين؟
جدي ما ردش.
بدل ما يجاوب، فتح الظرف الأصفر وطلع ورقة مطوية.
حطها قدامي.
دي رسالة أمك.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.
أول سطر خلاني أحبس نفسي
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الحاجة اللي كنت بخاف منها حصلت.
رفعت عيني لجدي.
إنت كنت عارف كل ده؟
دموعه نزلت.
كنت عارف جزء لكن في حاجات أمك أخفتها عني أنا كمان.
رجعت للرسالة.
وفي آخر سطر، كانت أمي كاتبة
ومتصدقيش أي حد يقولك إن أحمد اختفى بإرادته.
اتسعت عيني.
رفعت رأسي بسرعة.
أحمد؟!
جدي قرب مني وقال
أيوه أحمد.
إنت تعرفه؟!
سكت.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
وفي اللحظة دي، جرس البيت رن.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
جدي بص ناحية الباب، ووشه اتغيّر.
همس
مستحيل يكون عرف إنك جيتي هنا.
قلت
مين؟
لكن جدي ما جاوبش.
راح ناحية الباب، وبص من العين السحرية.
وبعد ثواني رجع خطوتين لورا.
وشه كان شاحب.
قال بصوت بالكاد مسموع
الشخص اللي واقف بره هو آخر واحد كنت أتمنى أشوفه.
وقبل ما أسأله مين
سمعت صوت من ورا الباب
افتح يا حاج أنا عارف إن حفيدتك عندك.
بصيت لجدي.
وفجأة فهمت إن الليلة دي مش هتكون مجرد كشف سر قديم
دي كانت بداية الحقيقة كلها جدي فضل واقف مكانه، وعينيه مثبتة على الباب.
أنا قربت منه وهمست
مين اللي بره؟
حط صباعه على بوقي
متتكلميش.
الراجل خبط تاني.
المرة دي الخبطة كانت أقوى.
يا حاج افتح. أنا مش جاي أأذي حد.
جدي بص لي، وبعدها بص لنور.
وبصوت منخفض جدًا قال
ادخلي الأوضة وخدي البنت معاكي.
بس أنا عايزة أعرف مين ده!
هتعرفي بس مش دلوقتي.
شال نور من الكنبة وحطها في إيدي، وبعدين فتح الباب وهو واقف وراه بحذر.
أول ما الباب اتفتح، ظهر راجل في أواخر الخمسينات.
كان لابس جاكت غامق، ووشه مرهق، وفي إيده ملف بني قديم.
بص لجدي وقال
لسه مخبي الحقيقة؟
جدي رد بعصبية
إنت مالكش حق تدخل بيتي.
الراجل بص ناحيتي.
وأول ما عينه وقعت على نور، اتسمر مكانه.
الملف وقع من إيده.
وشه اتبدل.
هي
جدي قاطعه
متقربش منها.
الراجل رفع إيده بسرعة
أنا مش جاي آخدها.
بص لنور تاني، ودموعه لمعت في عينه.
بس كنت محتاج أشوفها بعيني.
أنا خرجت من الأوضة وأنا شايلة نور.
إنت مين؟
الراجل بص لي للحظات، وبعدين قال
أنا كنت آخر شخص شاف أمك قبل الحادث.
جسمي اتجمد.
إنت كنت تعرف أمي؟
هز راسه.
وأعرف أبوكي كمان.
جدي قال بغضب
كفاية.
الراجل بص له
لا. المرة دي مش هسكت.
وبعدين حط الملف على الترابيزة وفتحه.
كان جواه مجموعة أوراق قديمة وصور وتقارير.
مد إيده بصورة واحدة ناحيتي.
دي اتصورت قبل الحادث بأسبوع.
أخدتها.
كانت صورة لأمي وأبويا واقفين قدام مبنى قديم.
لكن كان فيه شخص تالت واقف بعيد عنهم.
شاب.
وأول ما شوفته، قلبي دق بسرعة.
كان شبه أحمد.
مش مجرد شبه عادي
نفس الشعر.
نفس شكل الفك.
ونفس العينين المختلفتين.
بصيت للراجل وأنا مش قادرة أتكلم.
مين ده؟
قال
ده السؤال اللي أمك كانت بتحاول تمنعك من إنك تسأليه.
جدي قفل عينيه.
خلاص كل حاجة لازم تتقال.
بصيت له
يعني إيه؟
قعد جدي على الكرسي، وكأنه فجأة بقى أكبر بعشرين سنة.
وقال
أمك وأبوك قبل ما يموتوا كانوا بيدوروا على شخص اختفى من العيلة من سنين.
مين؟
الراجل رد بدلًا منه
أخو أبوكي.
اتصدمت.
عمي؟ أنا عمري ما سمعت إن أبويا عنده أخ.
جدي قال
لأن أخو أبوكي مات أو ده اللي إحنا كنا فاكرينه.
الراجل هز راسه
هو ما ماتش.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وآخر مرة ظهر فيها كانت قبل ولادتك بشهور.
نظرت إلى نور.
وبدأت أفهم ليه جدي انهار أول ما شاف عينيها.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد بيحرق دماغي.
وأحمد؟ إيه علاقته بكل ده؟
الراجل فتح آخر صفحة في الملف.
وقال
أحمد مش الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه مجرد راجل اختفى بعد ما عرف إنك حامل.
رفعت عيني له.
أمال هو مين؟
الراجل سكت.
وبعدين قال جملة خلت جدي يقوم واقف مرة واحدة
أحمد كان بيدور على نفس الحقيقة اللي أمك وأبوك كانوا بيدوروا عليها لكنه وصل لها قبلك.
جدي ضرب بإيده على الترابيزة
قلت لك متفتحش الموضوع ده!
لكن الراجل رد
الموضوع اتفتح خلاص.
وفجأة
تليفون جدي رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
ناولني التليفون من غير ما يتكلم.
كان فيه رقم مجهول.
وعليه رسالة واحدة
لو نور وصلت عند جدها يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة إيدي اتجمدت وأنا بقرأ الرسالة.
رفعت عيني لجدي
مين بعت دي؟
جدي ما ردش.
الراجل الغريب هو اللي قرب من التليفون، وبص للشاشة، وبعدها قال
كنت عارف إنهم هيوصلوا لها.
بصيت له بخوف
مين هم؟
قال
الناس اللي أمك وأبوك كانوا بيهربوا منهم.
جدي انفجر
مفيش حد هيقرب منها!
لكن الراجل هز رأسه
إنت مش فاهم. الموضوع مبقاش متعلق بيها لوحدها.
وأشار لنور.
بقى متعلق بالطفلة كمان.
ضمّيت نور لصدرى.
أنا مش هسمح لأي حد يقرب من بنتي.
جدي قرب مني وقال
وعشان كده لازم تعرفي كل حاجة من البداية.
قعد قدامي، وبدأ يتكلم بصوت متقطع
أمك وأبوك ما ماتوش في حادث عادي.
شهقت
إيه؟
العربية اتلعب فيها.
سكتُّ للحظة.
كل ذكرياتي عن يوم الحادث بدأت ترجع قدامي.
المطر.
التليفون اللي رن وقتها.
الناس اللي كانوا واقفين حوالين العربية.
وجدي وهو بيمنعني من الاقتراب.
قلت
إنت كنت عارف؟
دموعه نزلت.
كنت شاكك لكن معنديش دليل.
الراجل فتح الملف وقال
الدليل موجود هنا.
طلع تقرير قديم، وحطه قدامي.
ده تقرير فني للعربية.
قريته بسرعة، وكل كلمة كانت بتخليني أحس إن الأرض بتتهز تحتي.
كان مكتوب إن نظام الفرامل اتعرض لتدخل متعمد.
رفعت عيني
يعني حد قتلهم؟
جدي قال
إحنا مش عارفين مين.
الراجل رد
أنا عارف.
الكل سكت.
بصيت له
مين؟
لكنه بدل ما يجاوب، فتح ورقة تانية.
قبل الحادث بثلاثة أيام، أبوكي سلّمني ظرف وقال لي لو حصل لي حاجة، أوصل الظرف لجديك.
جدي بص له باستغراب
إنت كنت معاه؟
أيوه.
وليه ما جبتوش وقتها؟
الراجل نزل عينه للأرض.
لأني خفت.
صرخت
خفت من مين؟!
رفع عينه لي.
من نفس الشخص اللي كان أحمد بيدور عليه.
قلبي دق بعنف.
أحمد كان بيدور عليه ليه؟
قال
لأن أحمد عرف إن اختفاؤه مش كان هروب.
اتسمرت مكاني.
يعني إيه؟
في الليلة اللي قلتي له فيها إنك حامل أحمد تلقى رسالة.
رسالة من مين؟
الراجل أخرج ورقة صغيرة من الملف.
من شخص كان بيراقبه من فترة.
مدها لي.
قرأت
لو عايز تحميها وتحمي الطفل، اختفي فورًا. متحاولش تتواصل معها. ولو رجعت، الحقيقة هتوصل لهم.
حسيت دموعي بتنزل.
يعني أحمد اختفى عشان يحميني؟
جدي بص لي، لكن ما ردش.
قلت
طب ليه ما قالليش؟
الراجل قال
لأنه كان متأكد إنهم بيراقبوا كل خطوة.
في اللحظة