بعد طلاقى
سايب دليل تاني.
رجعنا لدفتر المذكرات.
قعدنا نقلب الصفحات واحدة واحدة، لحد ما لقينا اسم حسام في صفحة قديمة.
وكان جنب الاسم عنوان.
الغريب إن العنوان كان لنفس البيت القديم اللي ورثته مريم.
اتصلنا بالمحامي، وسألناه عنه.
سكت لحظة وقال
حسام كان أقرب صديق لوالد مريم.
مريم قالت بسرعة
طب ليه والدي كتب إنه الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة؟
المحامي رد
لأن حسام كان موجود يوم حصلت المشكلة اللي فرّقت والدك عن والدتك.
قررنا نروح له.
بعد يومين، وصلنا لعنوانه.
كان راجل كبير في السن، عايش لوحده.
أول ما شاف مريم، وقف مكانه.
قال بصوت متقطع
إنتِ... مريم؟
مريم هزت رأسها.
أيوه.
حسام قعد على الكرسي، وحط إيده على صدره.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
مريم قربت منه.
عايزة أعرف الحقيقة.
بص لي، وبعدها رجع بصره لمريم.
أبوك وأمك ماكانوش منفصلين زي ما اتقال لك.
مريم اتصدمت.
يعني إيه؟
قال
كانوا بيهربوا بيكي من مشكلة كبيرة.
سألته
مشكلة إيه؟
تنهد.
كان فيه نزاع على ورث كبير، وبعض أفراد العيلة كانوا عايزين والدك يتنازل عن نصيبه. ولما رفض، بدأوا يهددوه.
مريم قالت
وأمي؟
رد
أمك خافت عليكي. وفي ليلة، خدتِك ومشيت. كانت فاكرة إنها هتختفي فترة قصيرة، وبعدها ترجع.
سكت لحظة.
لكن حصل حادث في الطريق.
مريم حطت إيدها على فمها.
حادث؟
أيوه. أمك دخلت المستشفى، واتنقلت لمكان تاني، وكل أوراقها ضاعت تقريبًا.
مريم بدأت تبكي.
طب هي فين؟
حسام نزل عينيه.
دي الحاجة اللي أبوكي مات وهو بيدور عليها.
ساد الصمت.
ثم أخرج حسام ظرفًا قديمًا.
أبوك سلّمهولي قبل وفاته.
مده لمريم.
وقال لي لو بنتي وصلتلك يومًا، سلّمها الظرف ده.
فتحت مريم الظرف.
وكان بداخله صورة قديمة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
أمها.
وعلى ظهر الصورة عنوان.
مريم قرأت العنوان، ثم رفعت عينيها لي.
العنوان ده... مستشفى.
قلت
يعني ممكن تكون أمك كانت هناك.
لكن حسام هز رأسه.
مش بس كده.
إيه؟
قال بصوت منخفض
الصورة اتاخدت قبل الحادث بأيام... وأمك كانت وقتها حامل.
مريم اتجمدت.
حامل؟
حسام أومأ.
أيوه. وكان عندك أخ أو أخت... والدك ماعرفش مصيره أبدًا.
مريم بصت للصورة وهي بتبكي.
وبعدين قالت
يعني طول السنين دي... ممكن يكون عندي أخ أو أخت؟
حسام رد
وده آخر سر كان أبوكي بيحاول يعرفه قبل ما يموت.
في اللحظة دي، رن تليفون مريم.
رقم غريب.
ردت.
جالها صوت امرأة مسنة
مريم؟
مريم قالت
أيوه... مين حضرتك؟
المرأة ردت بجملة واحدة
أنا الممرضة اللي كانت موجودة يوم الحادث... وعندي معلومة عن والدتك وأختك.
مريم بصتلي، ووشها اتغير.
والمرأة قالت
لو عايزة تعرفي الحقيقة... تعاليلي بكرة.
وبعدين قفلت الخط في اليوم التالي، رحنا أنا ومريم للمكان اللي حددته الممرضة.
كانت ست كبيرة في السن، ولما شافت مريم، عينيها دمعت.
قالت
أنا كنت موجودة يوم الحادث من أكتر من عشرين سنة.
مريم قربت منها.
قوليلي... أمي فين؟
الممرضة سكتت لحظة، ثم قالت
والدتك عاشت بعد الحادث، لكن فقدت جزءًا كبيرًا من ذاكرتها.
مريم شهقت.
يعني... كانت عايشة؟
هزت الممرضة رأسها.
أيوه. لكن للأسف ماكانش معاها أي أوراق تثبت هويتها، واتنقلت لمؤسسة رعاية، وبعد سنوات خرجت منها وهي لسه فاقدة الذاكرة.
مريم بدأت تبكي.
طب هي فين دلوقتي؟
الممرضة أخرجت ورقة قديمة.
آخر عنوان وصلنا له كان هنا.
كان عنوان دار رعاية في مدينة تانية.
سافرنا فورًا.
وأول ما دخلنا الدار، مريم كانت بتترعش.
سألت الموظفة عن اسم والدتها.
وبعد دقائق، رجعت لنا وقالت
هي موجودة.
مريم وقفت مشلولة مكانها.
ماما؟
فتحت الموظفة الباب.
وكانت هناك امرأة مسنة قاعدة جنب الشباك.
مريم أول ما شافتها، حطت إيدها على بوقها.
المرأة رفعت عينيها.
فضلت تبص لمريم فترة طويلة.
وبعدين قالت بصوت ضعيف
إنتِ... مين؟
مريم قربت منها، ودموعها على خدودها.
أنا مريم.
المرأة فضلت ساكتة.
مريم طلعت الصورة القديمة من شنطتها.
أنا بنتك.
المرأة مسكت الصورة.
ولما شافت الطفلة الصغيرة فيها، إيديها بدأت تترعش.
قالت
مريم...؟
مريم انهارت في حضنها.
أيوه يا ماما... أنا مريم.
فضلوا حضنين بعض وقت طويل.
وفي اللحظة دي، حسيت إن كل السنين اللي ضاعت رجعت مرة واحدة.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
وأخو مريم؟
بعد أيام من البحث، اكتشفنا الحقيقة.
الطفل اللي كانت أمها حامل فيه نجا من الحادث، لكنه اتنقل لمؤسسة تانية بسبب عدم وجود أوراق.
والأهم...
إنه كان عايش.
كان اسمه سامح.
وبعد ما بحثنا عنه، وصلنا له.
كان راجل في منتصف الثلاثينات، عايش في مدينة تانية، ومتزوج وعنده أولاد.
أول ما عرف إن مريم أخته، سافر عشان يقابلها.
اللقاء كان مؤثر جدًا.
مريم كانت بتبكي وهي بتقول
أنا قضيت عمري فاكرة إني وحيدة.
سامح رد
وأنا قضيت عمري من غير ما أعرف إن عندي أخت.
بعدها بدأت مريم تعيش حياة جديدة فعلًا.
أمها رجعت تعيش معاها، وسامح بقى جزء من حياتها.
أما أنا...
فكنت كل يوم أتأكد إن قرار رجوعي لمريم كان أهم قرار أخدته في حياتي.
وفي يوم، بعد ما رجعنا البيت، مريم حطت صورة عيلتها القديمة جنب صورة عيلتنا الجديدة.
وبصتلي وقالت
عارف إيه أغرب حاجة؟
قلت
إيه؟
قالت
لو كنت فضلت ساكتة يوم ما تعبت، ولو إنت ماجيتش المستشفى في اليوم ده... يمكن كنا هنعيش عمرنا كله وإحنا فاكرين إن كل حاجة انتهت.
ابتسمت ومسكت إيدها.
بس الحمد لله إن النهاية ماكانتشي نهاية.
ضحكت.
كانت بداية.
بصيت لابننا اللي كان بيلعب قدامنا، وبصيت لمريم وأمها وأخوها.
وفهمت وقتها إن الإنسان أحيانًا بيحكم على حياته من فصل واحد، ويفتكر إن القصة خلصت...
لكن ربنا ممكن يكون مخبي له أجمل فصل لسه ماابتدأش.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
ندمت على طلاقك من مريم؟
بجاوب من غير تفكير
أيوه... ندمت جدًا.
بس الندم الحقيقي مش إني طلقتها بس... الندم إني استنيت لحد ما خسرتها عشان أعرف قيمتها.
ثم أبص لمريم وأقول
والحمد لله إنها ادتني فرصة أرجع أكسبها من جديد.
وهكذا انتهت حكايتنا...
مش بخيانة، ولا بانتقام، ولا بانتصار حد على حد.
انتهت بعيلة اتجمعت بعد سنين، وأم رجعت لبنتها، وأخ عرف أخته، وطفل صغير جمع بين قلبين كانوا فاكرين إنهم فقدوا بعض للأبد.
وأحيانًا... أجمل النهايات هي اللي تبدأ بعد ما نفتكر إن كل شيء انتهى.