بعد طلاقى
المحتويات
إيدي على رأس الطفل، وقلت
أخيرًا... بقينا تلاتة.
مريم ابتسمت.
وفي اللحظة دي، فهمت إن بعض النهايات المؤلمة مش بتكون نهاية القصة...
أحيانًا بتكون الباب اللي ربنا بيفتحه عشان نعرف قيمة الناس اللي كنا فاكرين إننا فقدناهم للأبد بعد ولادة ابننا، كنت فاكر إن أخيرًا كل حاجة هتهدى.
لكن الحياة كان عندها مفاجأة تانية.
عدّى حوالي شهرين، ومريم بدأت تلاحظ إن صحتها رجعت تتعب من جديد.
في الأول قالتلي
يمكن قلة النوم عشان البيبي.
لكن أنا رفضت أتجاهل الموضوع.
لا يا مريم، نروح للدكتور ونطمن.
راحت تعمل الفحوصات، وأنا كنت مستني بره.
بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور وهو ماسك الملف.
بص لمريم وقال
النتائج كويسة، لكن عندي ملاحظة لازم ناخد بالنا منها.
قلبي اتقبض.
إيه؟
قال
مريم محتاجة تتابع نفسها باستمرار بسبب تاريخها المرضي، لكن مفيش حاجة خطيرة حاليًا.
تنفست براحة.
وفي طريق الرجوع، مريم قالت
أحمد... إنت اتغيرت.
ابتسمت.
اتغيرت إزاي؟
زمان كنت لما أشوفك متضايقة أهرب للشغل. دلوقتي أول حاجة بتعملها إنك تسألني مالك؟
ضحكت.
عشان أخيرًا فهمت إن السؤال البسيط ده ممكن ينقذ بيت كامل.
وصلنا البيت.
كان ابننا نايم في سريره.
وقفت مريم جنبه، وبصتله بحنان.
قالت
أنا نفسي يكبر وهو شايف أبوه وأمه بيتخانقوا ويصالحوا بعض، مش أب وأم كل واحد فيهم عايش لوحده.
قربت منها.
وعد.
بصتلي.
وعد بإيه؟
إن مهما حصل بينا، مش هنسيب بعض في وقت الغضب.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت.
لكن في نفس اللحظة، رن جرس الباب.
استغربنا.
أنا فتحت.
لقيت راجل كبير واقف قدام الباب، ماسك ظرف بني.
قال
حضرتك أحمد؟
أيوه.
مد الظرف ناحيتي.
الظرف ده لازم يوصل لمريم بنفسها.
بصيت لمريم.
وشها اتغير أول ما شافت الظرف.
قالت بصوت مرتعش
مين ده؟
الراجل رد
أنا محامي والدك.
مريم اتجمدت.
والصمت ملأ البيت.
لأن مريم كانت طول عمرها فاكرة إن والدها مات وهي صغيرة.
بصتلي وقالت
أحمد... أنا معرفش الراجل ده.
المحامي قال بهدوء
وأنا جاي أقولك إن والدك كان عايش لحد وقت قريب... وإنه ترك لك حاجة قبل وفاته.
فتحت مريم عينيها بصدمة.
أما أنا، فبصيت للظرف في إيدي.
ولأول مرة حسيت إن قصتنا لسه مخبية أسرار أكتر مما كنا متخيلين مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب الكلام.
قالت للمحامي
أبويا مات من إمتى؟
رد بهدوء
من حوالي شهر.
مريم قربت خطوة.
وإنت بتقول إنه كان عايش طول السنين دي؟
هز راسه.
أيوه.
دموعها نزلت.
طب ليه سابني؟ ليه عمره ما دور عليا؟
المحامي بص للظرف وقال
هو حاول.
وبعدين مد لها ورقة.
بس كان فيه شخص منع عنه معلومات مهمة عنك.
مريم بصتلي باستغراب.
مين؟
المحامي قال
عمتك.
مريم شهقت.
عمتي؟!
أيوه. والدك كان فاكر إن والدتك أخدتك وسافرت، وكل مرة كان يحاول يوصل لكم، كانت المعلومات اللي بتوصله غلط.
مريم قعدت على الكرسي، وبدأت تبكي.
أنا قعدت جنبها ومسكت إيدها.
المحامي قال
والدك اكتشف الحقيقة قبل وفاته بفترة قصيرة. لكنه كان مريض جدًا، ومقدرش يسافر.
مريم سألت
والظرف ده؟
قال
رسالة منه.
فتحت مريم الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه جواب قصير.
قرت أول سطر، ودموعها زادت.
وبعدين ناولتني الورقة.
قرأتها بصوت منخفض
بنتي مريم... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا أخيرًا قدرت أوصل لك، حتى لو متأخر.
سكتُّ لحظة.
مريم قالت
كمل.
تابعت
أنا عارف إنك ممكن تكوني كرهتيني طول السنين. ومن حقك. لكن الحقيقة إنني قضيت عمري أحاول أعرف مكانك.
مريم غطت وشها بإيدها.
أنا آسف إني ماكنتش جنبك وقت ما كنتِ محتاجة أبوك.
ثم جاءت الجملة التي جعلتنا نرفع أعيننا لبعض
وعشان أعوضك عن جزء صغير من اللي فات، تركت لك البيت القديم اللي كنت عايش فيه، وكل ما أملك من مدخرات.
مريم هزت رأسها.
أنا مش عايزة فلوس.
قلت لها
دي مش فلوس يا مريم... دي إجابة على سؤال فضلتِ عايشة بيه طول عمرك.
المحامي ابتسم.
وفيه حاجة تانية.
بصينا له.
قال
والدك ترك لك مفتاحًا.
طلع مفتاح صغير من جيبه.
وقال إنك لازم تروحي البيت بنفسك، لأن فيه شيء مهم جدًا جواه.
مريم مسكت المفتاح.
وبصتلي.
هتروح معايا؟
ابتسمت.
طبعًا.
وفي اليوم التالي، سافرنا للبلدة القديمة.
وصلنا قدام بيت كبير، لكنه مهجور من سنين.
مريم وقفت قدامه وهي بتبص للباب.
يمكن هنا كان أبويا بيعيش.
حطيت إيدي على كتفها.
إحنا هندخل سوا.
دخلنا.
البيت كان مليان صور قديمة.
ومريم وقفت فجأة قدام صورة لطفلة صغيرة.
كانت هي.
وتحت الصورة تاريخ ميلادها.
لكن اللي لفت انتباهها مش الصورة...
كان ظرف قديم موضوع على الترابيزة، وعليه اسمها بخط والدها.
فتحت الظرف.
وكانت فيه ورقة واحدة فقط
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى لازم تعرفي الحقيقة اللي خبيتها عنك سنين... أمك لم تتركك بإرادتها.
مريم شهقت.
وأنا بصيت لها.
لأن الحقيقة اللي كانت هتعرفها بعد لحظات...
كانت ممكن تغيّر كل اللي كانت فاكرته عن طفولتها مريم فضلت ماسكة الورقة، وإيديها بتترعش.
قالت
يعني إيه أمي ما سابتنيش بإرادتها؟
فتحت باقي الورقة.
وكان مكتوب
يوم اختفائك، كنتِ صغيرة جدًا. حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين عيلتي، وكان فيه ناس عايزين ياخدوا كل اللي أملكه. حاولوا يضغطوا عليّا عن طريق أمك.
مريم قربت الورقة من عينيها.
وبعدين؟
كملت
أمك أخدتِك وسافرت عند قريبتها، لأنها كانت خايفة عليكي. أنا حاولت أوصل لكم، لكن اتقال لي إنكم مش عايزين تعرفوني.
مريم بدأت تبكي.
يعني أمي كانت بتحميني؟
هزيت راسي.
واضح إن فيه حاجات كتير اتقالتلك غلط.
لكن كان فيه سطر أخير.
مريم قرأته بصوت مرتعش
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، دوري على الصندوق الأزرق في غرفة المكتب.
دخلنا الغرفة.
كانت مليانة كتب وأوراق قديمة.
بعد بحث طويل، لقيت مريم صندوقًا خشبيًا صغيرًا، لونه أزرق.
فتحته.
جواه صور، إيصالات، خطابات، ودفتر قديم.
مريم مسكت الدفتر.
وفي أول صفحة كان مكتوب
مذكراتي من يوم بدأت أدور على بنتي.
قعدنا على الأرض وبدأنا نقرأ.
كل صفحة كانت بتكشف جزءًا من الحكاية.
والد مريم كان بيدور عليها سنين.
كان بيرسل جوابات.
وبيحاول يوصل لأمها.
لكن كل مرة كانت الرسائل تختفي.
وفي آخر صفحة، لقينا مفاجأة.
كان مكتوب
عرفت أخيرًا مين كان بيمنع الرسائل من الوصول.
مريم رفعت عينيها.
مين؟
قلبت الصفحة.
لكن الصفحة كانت ممزقة.
وفي مكانها، كان فيه قصاصة صغيرة مكتوب عليها عنوان.
مريم بصت للعنوان، وقالت
العنوان ده عنوان بيت عمتي.
سكتنا إحنا الاتنين.
بعد كل السنين دي، الشخص اللي كان واقف بين والدها وبينها...
كان ممكن يكون أقرب شخص للعيلة.
رجعنا البيت في اليوم التالي.
مريم كانت مصممة تواجه عمتها.
وأنا حاولت أقنعها تهدى.
لكنها قالت
أنا مش رايحة أعمل مشكلة. أنا رايحة أعرف الحقيقة.
روحنا سوا.
أول ما عمتها فتحت الباب وشافت مريم، وشها اتغير.
مريم قالت بهدوء
أنا عرفت إن أبويا كان بيدور عليا.
العمة سكتت.
وعرفت إن فيه حد كان بيمنع عنه الرسائل.
صمت طويل.
وبعدين العمة بدأت تبكي.
قالت
أنا كنت خايفة عليكي.
مريم ردت
الخوف مش مبرر إنك تحرمي بنت من أبوها.
العمة نزلت عينيها.
ثم قالت
أبوكِ غلط في حاجات كتير... لكن أنا غلطت أكتر.
وأخرجت من درج قديم مجموعة خطابات مربوطة بخيط.
دي كل الرسائل اللي وصلتني منه.
مريم شهقت.
إنتِ احتفظتي بيهم؟
قالت
ماكنتش قادرة أرميهم.
مريم فتحت أول خطاب.
كان مكتوبًا عليه تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.
وفي آخر الخطاب جملة جعلت مريم تنهار في البكاء
بنتي، لو في يوم عرفتي الحقيقة، أتمنى تسامحيني إني ماقدرتش أوصلك.
قربت منها وحضنتها.
وفي اللحظة دي، مريم فهمت إن والدها ماكانش ناسيها...
هو كان بيدور عليها طول عمره.
لكن وهي بتقلب آخر خطاب، لقت اسمًا غريبًا مكتوبًا في نهايته.
اسم شخص لم تسمع به من قبل.
وبجانبه جملة واحدة
هو الشخص الوحيد اللي يعرف ليه أمك اضطرت تختفي.
مريم بصتلي.
وقالت
أحمد... لازم نعرف مين هو رجعنا البيت، ومريم كانت طول الطريق ساكتة.
كانت ماسكة الورقة اللي عليها اسم الرجل، وكأنها خايفة تضيع منها آخر خيط في حكاية أبوها.
أول ما وصلنا، حطت الورقة قدامها وقالت
أنا لازم أعرف مين الشخص ده.
بصيت للاسم.
كان مكتوب حسام عبدالسلام.
مريم هزت رأسها.
الاسم ده مش غريب عليا... بس مش فاكرة فين سمعته.
قلت لها
خلينا ندور بهدوء. أكيد
والدك كان
متابعة القراءة