بعد طلاقى

لمحة نيوز

بعد طلاقي منها بشهرين، لقيت طليقتي مريم لوحدها في المستشفى وشعرها اتقص ووشها شاحب ولما مسكت إيدها، عرفت سر خلاني أندم إني طلقتها.
اسمي أحمد، عندي 34 سنة، وكنت متجوز مريم بقالنا خمس سنين.
مريم كانت أهدى إنسانة عرفتها في حياتي. بسيطة، طيبة، وبتحب بيتها جدًا.
كنا بنحلم بحياة هادية، بيت صغير، وأولاد يملوا البيت ضحك.
لكن بعد تلات سنين جواز، خسرنا حملين، وكل مرة كانت مريم بتتكسر من جواها أكتر.
وأنا بدل ما أقرب منها، عملت العكس.
غرقت نفسي في الشغل، وبقيت برجع متأخر، وأهرب من أي كلام عن اللي حصل.
مريم كانت بتسكت كتير، وأنا كنت فاكر إن سكوتها معناه إنها مبقتش مهتمة.
لحد ما في ليلة حصلت بينا خناقة بسيطة.
قلت لها وأنا منفعل
يمكن إحنا مبقيناش مناسبين لبعض.
بصتلي طويلًا، وقالت
إنت متأكد إن ده اللي عايزه؟
ماقدرتش أرد.
لكنني كملت في طريق الطلاق.
بعد شهرين، كنت في المستشفى بزور صاحبي، وأنا ماشي في الممر، لمحت ست قاعدة لوحدها جنب الحيطة.
وقفت مكاني.
كانت مريم.
لكنها ماكانتتش مريم اللي أعرفها.
شعرها الطويل اتقص، وشها شاحب، وإيديها فيها آثار تعب واضح.
قربت منها وقلت
مريم؟
رفعت عينيها وقالت بصوت ضعيف
أحمد؟
قعدت جنبها بسرعة.
إنتِ هنا ليه؟ وإيه اللي حصلك؟
حاولت تبتسم.
مفيش حاجة... مجرد شوية تحاليل.
مسكت إيدها.
كانت ساقعة جدًا.
قلت لها
مريم، أرجوكي متخبيش عليا.
سكتت شوية، وبعدها دموعها نزلت.
أنا كنت عايزة أخبرك... بس مكنتش عايزة أرجع حياتك تاني بمشكلة.
اتخضيت.
مشكلة إيه؟
بصت للأرض وقالت
بعد الطلاق بأيام، بدأت أتعب جدًا. الدكتور طلب تحاليل وأشعات... واكتشفوا حاجة محتاجة تدخل جراحي.
إيه هي؟
رفعت عينيها وقالت
عندي ورم، ولازم أعمل عملية بسرعة.
حسيت إن الكلام اختفى من حواليّ.
بصيت لشعرها القصير.
وعشان العملية قصيتي شعرك؟
هزت راسها.
أيوه.
قلت وأنا بحاول أتماسك
وإنتِ كنتِ بتواجهي ده كله لوحدك؟
قالت
أيوه.
ليه؟
ابتسمت بحزن.
لأنك كنت بدأت حياة جديدة، وأنا مكنتش عايزة أرجعلك وأنا مريضة.
الكلمة وجعتني.
قلت
أنا مبدأتش حياة جديدة يا مريم.
بصتلي باستغراب.
كملت
أنا كنت بهرب من حياتي القديمة... لأن كل ركن فيها كان بيفكرني بيكي.
سكتت.
مسكت إيدها وقلت
أنا غلطت لما سيبتك وإنتِ كنتِ محتاجة حد يسمعك. بس لو لسه تسمحيلي، مش هسيبك تواجهي ده لوحدك.
قبل ما ترد، خرج الدكتور من الغرفة.
قال
أستاذ أحمد؟
وقفت.
أيوه.
بص لمريم، ثم قال
مريم كانت رافضة نتصل بيك، لكن بما إنك موجود، لازم تعرف إن العملية تمت بنجاح.
تنفست براحة.
لكن الدكتور كمل
بس لسه في نتيجة مهمة ظهرت النهارده.
مريم بصت للدكتور بخوف.
وأنا حسيت قلبي بدأ يدق بسرعة.
الدكتور قال
النتيجة دي ممكن تغيّر مستقبل مريم بالكامل.
بصيت لمريم، وقلت
إيه النتيجة؟
الدكتور ابتسم وقال
الورم اللي كنا قلقانين منه... طلع حميد بالكامل. ومريم عندها فرصة كبيرة ترجع لحياتها الطبيعية.
انهارت مريم في البكاء.
وأنا لأول مرة من شهرين، حسيت إني قادر أتنفس.
قربت منها وقلت
سمعتي؟ هتعيشي يا مريم.
بصتلي وسط دموعها.
وهترجع تاني لحياتك يا أحمد.
هزيت راسي.
أنا مش عايز حياتي من غيرك.
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت
بس لو رجعتلك... مش عايزة نرجع نفس الناس اللي كناها.
ابتسمت وقلت
ولا أنا.
خرجنا من المستشفى بعد أسابيع، وكل واحد فينا كان فاهم إن الحب لوحده مش كفاية.
لازم نسمع بعض.
نسند بعض.
ونقف جنب بعض وقت التعب، مش بس وقت الفرح.
وبعد شهور من العلاج، وفي نفس البيت اللي شهد على أسوأ أيامنا، وقفت مريم قدامي وهي بتضحك.
قلت لها
فاكرة يوم ما اتطلقنا؟
قالت
أيوه.
قلت
أنا كنت فاكر إني ببدأ حياة جديدة.
ابتسمت.
وطلعت؟
ضحكت وقلت
طلعت برجعلك من جديد... بس المرة دي وأنا فاهم قيمتك.
وبعد فترة، اتجوزنا من جديد.
مش لأن الطلاق كان بلا معنى...
لكن لأننا اتعلمنا إن بعض النهايات بتكون مجرد فرصة عشان نبدأ الحكاية من الأول، بطريقة أحسن.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أصعب قرار أخدته في حياتي، أقول
إني سبت مريم مرة... والحمد لله إن ربنا اداني فرصة أصلح الغلطة عدّى على رجوعنا لبعض حوالي ست شهور.
في البداية، كل حاجة كانت ماشية بهدوء.
مريم بدأت تستعيد صحتها واحدة واحدة، وشعرها بدأ يطول من جديد، ووشها رجع له لونه.
أما أنا، فكنت بحاول أعوضها عن كل يوم عدّى عليها وهي لوحدها.
لكن مريم كانت دايمًا تقول لي
أحمد، متحاولش تعوضني... خلينا بس نعيش كويس من هنا ورايح.
وكنت أفتكر إن أصعب حاجة عدّت.
لحد ما في يوم، وأنا راجع من الشغل، لقيت مريم قاعدة قدام الترابيزة، وفي إيدها ظرف أبيض.
بصيت لها.
في إيه؟
قالت
الظرف ده وصل النهارده.
أخدته منها وفتحته.
كان جواب من المستشفى.
قريت أول سطر، وفجأة اتغيرت ملامحي.
مريم... إيه ده؟
قالت بهدوء
اقرأ للآخر.
كملت القراءة.
وبعدها رفعت عيني لها.
إنتِ كنتِ مخبية عليا ده كمان؟
دموعها لمعت.
كنت مستنية أتأكد.
قعدت قدامها.
قوليلي.
حطت إيدها على بطنها، وقالت بصوت مرتعش
أنا حامل.
سكت.
ماعرفتش أقول أي كلمة.
وبعدين وقفت مرة واحدة، وقربت منها.
إنتِ متأكدة؟
ضحكت وسط دموعها.
الدكتور أكد.
حضنتها وأنا مش مصدق.
بعد كل اللي مرينا بيه...
بعد الخسارتين...
بعد الطلاق...
بعد المرض...
كان ربنا بيدينا فرصة جديدة.
لكن الفرحة ماكملتش يومين.
لأن في صباح اليوم التالت، مريم صحيت على ألم شديد.
نقلناها المستشفى بسرعة.
وأنا واقف قدام باب الطوارئ، كنت بترعش من الخوف.
بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور.
وشه كان جاد.
قال
أحمد... لازم نتكلم.
حسيت إن قلبي وقع.
مريم حصل لها إيه؟
قال
هي والجنين محتاجين متابعة دقيقة جدًا.
بلعت ريقي.
يعني في خطر؟
الدكتور سكت لحظة، ثم قال
لسه بدري نحكم... لكن لازم تختاروا حاجة مهمة.
بصيت له باستغراب.
نختار إيه؟
الدكتور قال
لو حصلت مضاعفات، هنكون قدام قرار صعب جدًا.
رجعت بصيت ناحية باب الغرفة.
وكانت مريم جواها.
وفي اللحظة دي فهمت إن الحياة كانت بتختبرنا من جديد...
لكن المرة دي، مش ههرب.
مش هسيب إيدها.
ومهما كان القرار اللي مستنينا...
هواجهه معاها دخلت عند مريم، وكانت نايمة على السرير ووشها شاحب.
أول ما شافتني، مدت إيدها ناحيتي.
مسكتها فورًا.
قالت بصوت ضعيف
أحمد... الدكتور قالك إيه؟
حاولت أبتسم.
قال إننا هنعدّيها سوا.
بصتلي في عيني، وكأنها فهمت إني بخبي عنها حاجة.
متكدبش عليا.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
قال إن الحمل محتاج متابعة دقيقة، وإن فيه احتمال تحصل مضاعفات.
مريم غمضت عينيها.
أنا خايفة.
قربت منها وقلت
وأنا كمان.
فتحت عينيها باستغراب.
أول مرة تقول إنك خايف.
ابتسمت بحزن.
زمان كنت بهرب من الخوف... دلوقتي بقيت عارف إن الهروب بيخلّي الخوف أكبر.
فضلنا ساكتين شوية.
وفجأة دخل الدكتور ومعاه ملف.
قال
في حاجة لازم تعرفوها.
قعدنا نسمعه.
التحاليل الأخيرة مطمئنة نسبيًا، لكن مريم لازم تلتزم بالراحة والمتابعة. والأهم إن أي ألم شديد أو نزيف لازم تتعاملوا معاه فورًا.
تنفست براحة.
لكن الدكتور كمل
وفي حاجة تانية...
بصيت له.
إيه؟
قال
نتيجة الفحص اللي اتعمل قبل الحمل كان فيها ملاحظة صغيرة، وعايزين نعيد فحص معين عشان نتأكد إن كل شيء مستقر بعد العملية القديمة.
مريم بصتلي.
وبعد ما الدكتور خرج، قالت
أنا مش عايزة حياتنا كلها تبقى مستشفيات وتحاليل.
مسحت على إيدها.
ولا أنا.
نفسي نعيش حياة عادية.
ابتسمت.
هنعيشها.
وإنت واثق؟
قلت
مش واثق إن الدنيا هتكون سهلة... لكن واثق إني مش هسيبك تواجهّي الصعب لوحدك تاني.
بعد أسبوع، رجعنا للمستشفى للفحص.
الطبيب دخل علينا ومعاه النتائج.
قلب الورق أكتر من مرة.
وبعدين رفع عينه وقال
أنا عندي خبر كويس جدًا... بس محتاج أشرحه لكم بهدوء.
مريم مسكت إيدي بقوة.
الدكتور ابتسم وقال
الفحوصات كلها مطمئنة، ومفيش أي علامة على رجوع المشكلة القديمة.
مريم بدأت تبكي من الفرحة.
أما أنا، فضحكت لأول مرة من قلبي من سنين.
خرجنا من المستشفى وإحنا ماسكين إيد بعض.
وفي الطريق، مريم قالت
أحمد؟
نعم؟
فاكر لما كنت بتقول إن الطلاق كان الحل؟
بصيت لها.
أيوه.
قالت
أهو طلع أكبر درس في حياتنا.
ضحكت.
وأغلى درس.
وبعد شهور، جاء اليوم اللي كنا بنحلم بيه.
صوت طفل صغير ملأ البيت.
وقفت قدام باب الغرفة وأنا مش قادر أصدق.
مريم كانت شايلة طفلنا بين إيديها.
بصتلي وقالت
أحمد... تعالى شوف ابننا.
قربت منها، ودموعي نزلت من غير ما
أحس.
حطيت

تم نسخ الرابط