ابويا الغنى
المحتويات
على جرائم مالية كبيرة.
ثم قالت
لكن حسن بريء.
بمجرد ما سمعت الجملة دي، دموعي نزلت.
أمي كانت تدافع عن أبويا حتى آخر لحظة.
ثم جاء صوتها الأخير
لو حصل لي حاجة، ما تخلوش سوسن تدفع ثمن أي حاجة.
انتهى التسجيل.
فضلنا ساكتين.
وفجأة قال المحامي
دلوقتي فهمت ليه حسن كان خايف طول السنين دي.
قلت
وإيه اللي حصل للأشخاص دول؟
أخرج المحامي الملفات القديمة.
بعضهم مات، وبعضهم اختفى، والباقي اتعرض للمحاكمة بعد ما ظهرت الأدلة.
بصيت للساعة.
قلت
يعني كل ده انتهى؟
ابتسم وقال
تقريبًا.
ثم فتح آخر صفحة من الملف.
وكان فيها اسم واحد.
اسم الشخص الذي كان يدير العمليات كلها.
لكن الاسم صدمني.
لأنه لم يكن شخصًا غريبًا.
كان اسم رجل ساعد أبويا طوال حياته.
رجل كنت أظنه من أقرب الناس إليه.
كارولين قرأت الاسم، ثم وضعت يدها على فمها.
وقالت
مستحيل
وفي نفس اللحظة، رن هاتف المؤسسة.
رفعت السماعة.
جاء صوت رجل مسن
سوسن حسن؟
قلت
أيوه.
قال
أنا كنت شاهد على اللي حصل لأمك من 34 سنة وعندي آخر دليل.
ثم سألني
تقدري تقابليني بكرة؟
قلت
فين؟
قال
في المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية.
ثم أغلق الهاتف.
بصيت لكارولين.
وقلت
واضح إن أبويا ماكانش بيقفل صفحة من حياتي
كان بيفتح الصفحة الأخيرة.
لكن المرة دي
أنا اللي هكتب نهايتها تاني يوم، روحت أنا وكارولين ومعانا المحامي للمكان اللي الرجل الغريب حدده.
كان بيت قديم جدًا، بعيد عن الزحمة.
أول ما وصلنا، لقينا رجل عجوز واقف مستنينا.
بصلي طويلًا وقال
إنتِ سوسن؟
قلت
أيوه.
تنهد وقال
أنا اسمي عادل. كنت موظف عند أبوكي زمان.
دخلنا البيت، وقعدنا.
طلع من درج قديم ملف كبير.
وقال
أنا استنيت 34 سنة عشان أسلمهولك.
سألته
ليه استنيت كل ده؟
قال
لأن حسن طلب مني ما أتكلمش غير بعد وفاته.
فتح الملف.
كان فيه صور ومستندات أصلية وتسجيلات قديمة.
ثم قال
أمك قبل وفاتها بيوم واحد قابلتني.
اتجمدت.
قابلتك؟
أيوه. وقالت لي إنها اكتشفت إن فيه ناس بيحاولوا يورطوا حسن في قضية كبيرة.
المحامي سأل
ومين كانوا؟
عادل قال
مجموعة من رجال الأعمال كانوا عايزين يستولوا على الشركة، وكانوا بيستخدموا مستندات مزورة عشان يوقعوا حسن.
ثم أخرج ورقة.
دي كانت آخر ورقة وقعتها أمك.
أخذتها بإيد مرتعشة.
كان مكتوبًا فيها
أنا متأكدة إن حسن بريء، ولو حصل لي أي حاجة، لازم الحقيقة تظهر.
بدأت أبكي.
قلت
بس إزاي ماتت؟
عادل سكت.
ثم قال
العربية اتعرضت لعطل مفاجئ في الطريق.
المحامي سأله
يعني كان حادث؟
قال
ده اللي اتقال وقتها.
ثم أخرج تسجيلًا صغيرًا.
لكن بعد الحادث، أنا سمعت مكالمة بين شخصين، وعرفت إن العطل ماكانش صدفة.
شغل التسجيل.
جاء صوت رجل يقول
العربية اتوقفت، ومفيش حاجة هتظهر.
الصوت الثاني رد
وحسن؟
هنخليه يختفي ونخليه يبعد عن بنته.
تجمدت.
هما اللي خلوا أبويا يبعد عني؟
عادل هز رأسه.
أيوه. حسن اكتشف إنهم بيراقبوا تحركاتك، فاختار إنه يختفي تمامًا ويحميكي من بعيد.
المحامي قال
لكن مين الشخص اللي أعطاهم الأوامر؟
عادل أخرج صورة قديمة.
ووضعها على الطاولة.
كان فيها ثلاثة رجال.
وأشار إلى الرجل الموجود في المنتصف.
ده كان العقل المدبر.
بصيت للصورة.
ثم شهقت.
أنا شفت الشخص ده قبل كده.
كارولين قربت من الصورة.
وقالت
ده
المحامي أكمل
كان شريك حسن القديم.
لكن عادل هز رأسه.
مش بس كده.
ثم قال
الرجل ده مات من عشر سنين.
سكتنا.
ثم ابتسم عادل ابتسامة حزينة.
لكن قبل ما يموت، سلّم لي نسخة من اعتراف كامل.
أخرج آخر ظرف.
فتحناه.
كان فيه اعتراف مكتوب وموقع.
كل الحقيقة كانت موجودة.
أبويا بريء.
أمي لم تكن مخطئة.
والحادث كان مدبرًا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر
أهم شخص يجب أن يعرف الحقيقة هو سوسن،
لأنها كانت السبب الوحيد الذي جعل حسن يصمد كل هذه السنوات.
انهرت في البكاء.
لأول مرة فهمت إن أبويا لم يتركني لأنه لم يحبني.
لقد ابتعد لأنه كان يحاول حمايتي بالطريقة الوحيدة التي عرفها.
بعد أيام، سلمنا كل المستندات للجهات المختصة، وتمت مراجعة القضية القديمة رسميًا.
أما أنا، فاحتفظت برسالة أبي.
وفي آخر صفحة منها كان مكتوبًا
بنتي، أنا عارف إن 34 سنة مش هيرجعوا.
وعارف إن كلمة آسف مش كفاية.
لكن لو قدرتِ تسامحيني يومًا، يبقى أنا أخيرًا كسبت أعظم شيء في حياتي.
طويت الرسالة ووضعتها بجانب صورة أمي.
وقلت
سامحتك يا أبي.
ثم ابتسمت وسط دموعي.
لأنني أدركت أخيرًا أن أعظم ميراث تركه لي أبي لم يكن القصر ولا المال
كان الحقيقة.
والحقيقة أعادت لي عائلتي، وأعادت لأمي حقها، وأعادت لأبي صورته التي ضاعت طوال 34 سنة.
أما أنا
فلم أعد أبحث عن أبي الذي اختفى.
لأنني وجدته أخيرًا في كل شيء فعله من أجلي دون أن أعرف.
وهنا انتهت الحكاية
لكن بالنسبة لي، كانت دي أول مرة أبدأ فيها حياتي من غير سؤال واحد يطاردني
ليه أبويا سابني؟
لأني عرفت الإجابة أخيرًا
هو ما سابنيش هو كان بيحميني بعد سنتين، كنت قاعدة في مكتب المؤسسة، براجع ملفات الأطفال الجدد، لما دخلت كارولين وهي ماسكة ظرف أبيض.
قالت
سوسن الظرف ده جاي باسمك.
أخذته منها، وبمجرد ما شفت الخط، قلبي اتقبض.
كان خط أبويا.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه ورقة واحدة
سوسن، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى في شخص أخير لازم تسامحيه نفسك.
فضلت أبص للكلام وأنا مش فاهمة.
وتحت الجملة كان فيه عنوان لمكان قديم.
العنوان كان لمخزن تابع للشركة.
روحت أنا وكارولين والمحامي.
فتحنا المخزن، ولقينا غرفة صغيرة مليانة صناديق قديمة.
وفي آخر الغرفة، كان فيه جهاز تسجيل.
شغلناه.
ظهر صوت أبويا
لو سوسن وصلت لهنا، يبقى هي خلاص عرفت كل الحقيقة تقريبًا.
ثم سكت لحظة وقال
لكن في حاجة ما قدرتش أقولها لها وأنا عايش.
كارولين قربت من الجهاز.
أكمل أبويا
أنا قضيت آخر سنين حياتي وأنا بدور على ملف واحد فقط ملف أمها الأصلي.
المحامي قال
إحنا كنا فاكرين إن المستندات اللي عندنا هي كل الأدلة.
لكن صوت أبويا رد
لأ. فيه مستند واحد أهم من كل شيء.
بدأنا نفتش الصناديق.
وبعد وقت طويل، وجدنا صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحت القفل.
كان بداخله دفتر قديم.
أول صفحة كانت بخط أمي.
قرأت
أنا كتبت الدفتر ده عشان لو حصل لي أي شيء، سوسن تعرف يومًا إن أبوها حاول يحميها.
وقفت عن القراءة.
لكن الصفحة الأخيرة كانت هي المفاجأة.
كان مكتوبًا
حسن لم يكن يعرف كل شيء.
هناك شخص آخر ساعدني في إخفاء الحقيقة، وهو الوحيد الذي يعرف أين توجد الأوراق الأصلية.
المحامي قال
مين الشخص ده؟
قلبت الصفحة.
وجدت اسمًا واحدًا.
يوسف مراد.
اتصلنا بيوسف فورًا.
لما سمع الاسم، سكت طويلًا.
ثم قال
كنت أتمنى إنكم ما توصلوش للدفتر.
سألته
ليه؟
قال
لأن أمك قبل وفاتها طلبت مني وعدًا.
وعد إيه؟
قال
قالت لي لو سوسن كبرت، لازم تعرف إن أبوها بريء لكن ما تخليهاش تعيش طول عمرها وهي شايلة ذنب الماضي.
سألته
وإيه الأوراق الأصلية؟
رد
موجودة عندي من 34 سنة.
اتصدمت.
ليه ما سلمتهاش؟
قال
لأن حسن طلب مني أحتفظ بيها لحد ما تتأكدي بنفسك إنك مستعدة للحقيقة.
وفي اليوم التالي، جاء يوسف للمؤسسة.
وضع أمامي صندوقًا قديمًا.
وقال
دي آخر أمانة تركتها أمك.
فتحت الصندوق.
وجدت الأوراق الأصلية، وصورة قديمة لأمي وهي تبتسم.
وفي ظهر الصورة جملة قصيرة
يا سوسن لو وصلتي للصورة دي، يبقى نجحنا نحميكي.
فضلت أبكي، لكن المرة دي كانت دموع راحة.
لأنني أخيرًا فهمت إن كل شخص ظهر في حياتي خلال السنتين الماضيتين كان يحمل جزءًا من قصة واحدة.
أبويا.
أمي.
كارولين.
يوسف.
وحتى عم صابر.
كلهم كانوا بيحاولوا يوصلوني للحقيقة من غير ما يتركوني وحدي.
وبعدها بأيام، قررت أعمل آخر حاجة.
جمعت كل المستندات، وسلمتها رسميًا للجهات المختصة، وأغلقت ملف القضية القديمة.
ثم رجعت للمؤسسة.
وقفت وسط الأطفال، وبصيت للصورة المعلقة لأمي وأبويا.
وقلت
خلاص انتهى الماضي.
لكن كارولين ابتسمت وقالت
لأ يا سوسن.
بصيت لها.
قالت
الماضي انتهى
لكن العيلة بدأت دلوقتي.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
ومن يومها، ماعدتش أعتبر نفسي البنت اللي فقدت أبوها وهي صغيرة.
أنا سوسن
البنت اللي عاشت 34 سنة من غير إجابات، ثم اكتشفت إن كل تلك السنوات كانت تقودها في النهاية إلى الحقيقة.
والأهم
إنها حولت كل الألم اللي عاشته إلى أمان لأطفال آخرين.
وده كان أعظم انتصار في حياتها مرت سنة كاملة على كل اللي حصل.
المؤسسة بقت أكبر، والقصر اتحول بالكامل لمكان آمن للأطفال اللي مالهمش أهل.
كنت كل يوم أدخل من الباب وأشوف الأطفال بيلعبوا، وأفتكر نفسي وأنا صغيرة، وأقول
يا ترى لو أمي كانت عايشة كانت حياتي هتبقى عاملة إزاي؟
لكن في يوم، وأنا في مكتب أبويا القديم، لقيت كارولين واقفة عند الباب ووشها متوتر.
قالت
سوسن فيه حاجة لازم تشوفيها.
إيه؟
مدت لي ظرف قديم.
ده وصل النهارده.
بصيت عليه.
كان مكتوب عليه بخط أبويا.
لكن التاريخ كان بعد وفاته!
اتصدمت.
مستحيل.
فتحت الظرف.
لقيت ورقة قصيرة
سوسن، لو وصلتك الرسالة دي بعد موتي، يبقى في حاجة أخيرة لازم تعمليها.
روحي للمكان اللي قضيتِ فيه أول سنة من حياتك.
قلبي دق بسرعة.
دار الرعاية القديمة.
في اليوم التالي، رجعت للمكان اللي عشت فيه وأنا طفلة.
المديرة القديمة كانت لسه عايشة، ولما شافتني دموعها نزلت.
قالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سألتها
عارفة إيه؟
أخرجت صندوقًا صغيرًا.
وقالت
أبوكي سلّمهولي من 34 سنة، وقال لي لو بنتي رجعت يومًا، سلميها الصندوق.
فتحته.
جواه لعبة صغيرة كنت بحبها وأنا طفلة
وصورة لأمي وهي شايلاني.
وتحت الصورة ورقة
كنت بجي هنا كل شهر، وأقف بعيد وأشوفك من غير ما تعرفيني.
كنت عايز أحضنك، لكن خوفي عليكي كان أقوى من شوقي ليكي.
انهرت في البكاء.
لكن كان فيه سطر أخير
ولو قدرتِ تسامحيني، خدي اللعبة دي وحطيها في المكان اللي هتساعدي فيه أول طفل محتاج.
عشان اللي اتاخد منك زمان يتحول لخير لحد تاني.
رجعت للقصر،
متابعة القراءة