ابويا الغنى

لمحة نيوز

للمكان اللي اتدفنت فيه آخر ذكرى لأمك.
وتحت الجملة كان مكتوب عنوان المقبرة.
بصيت للمحامي.
فقال
لازم نروح.
لكن كارولين قالت فجأة
استنوا
كانت واقفة جنب الخزانة الحديد.
ومسكة صورة قديمة.
قالت بصوت مرتعش
سوسن الصورة دي فيها شخص أنا أعرفه.
أخذت الصورة منها.
بصيت كويس.
كان أبويا واقف جنب أمي.
لكن الشخص الواقف خلفهما
كان رجلًا لم أره في حياتي.
كارولين قالت
ده كان أقرب صديق لبابا.
ثم سكتت لحظة وقالت
والغريب إنه اختفى هو كمان في نفس السنة اللي اختفت فيها كل الأدلة.
بصيت للمحامي.
فقال
يبقى عرفنا أول خيط.
وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول
ما تروحيش المقبرة لو رحتي، هتعرفي الحقيقة اللي أبوكي حاول يخبيها عنك.
بصيت للرسالة طويلًا.
ثم قفلت الهاتف وقلت
هنروح.
لأن بعد 34 سنة من الانتظار
أنا مش هرجع قبل ما أعرف الحقيقة وصلنا المقبرة قبل غروب الشمس.
طول الطريق، محدش فينا اتكلم.
كنت ماسكة صورة أمي في إيدي، وكل شوية أبص عليها وأقول لنفسي
إيه اللي حصل لك يا أمي؟ وليه أبويا عاش كل السنين دي وهو شايل السر لوحده؟
لما وصلنا لقبرها، وقفت قدامه فترة طويلة.
نزلت على ركبتي وقلت
وحشتيني يا أمي أنا جيت أخيرًا أعرف الحقيقة.
لاحظ المحامي إن فيه حجر صغير جنب القبر عليه علامة محفورة.
قرب منه وقال
العلامة دي مش عادية.
شال الحجر، وظهر تحته تجويف صغير.
جواه مفتاح آخر.
وفي نفس اللحظة، كارولين قالت
بصوا!
كان فيه صندوق معدني صغير مثبت خلف شاهد القبر.
المفتاح فتحه.
لقينا بداخله تسجيل صوتي قديم، وملف بني.
شغّلنا التسجيل.
وصوت أبويا خرج من الجهاز
سوسن لو بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى أنا خلاص مش موجود، وإنتِ وصلتي للمكان اللي كنت خايف توصلي له.
سكت ثواني، ثم أكمل
أمك ما ماتتش بسبب حادث عادي.
اتجمدت مكاني.
المحامي قرب من الجهاز.
وصوت أبويا استمر
قبل وفاتها بأيام، أمك اكتشفت إن مجموعة من كبار الموظفين في شركتي كانوا بيزوروا مستندات وبيحولوا أموال من الشركة لحسابات سرية.
شهقت.
ولما حاولت تواجههم، اكتشفت إن الموضوع أكبر مما توقعت.
ثم قال
أمك كانت بتحتفظ بنسخة من المستندات الأصلية، وكانت ناوية تسلمها للشرطة.
توقّف التسجيل لحظة.
لكن قبل ما تعمل كده، حصل الحادث.
بدأت دموعي تنزل.
أنا حاولت أثبت إن اللي حصل كان مدبر، لكن كل الأدلة اختفت.
ثم سمعت الجملة اللي هزتني
وبعد وفاة أمك، اكتشفت إن في شخص واحد بس كان محتفظ بنسخة من الحقيقة.
المحامي فتح الملف بسرعة.
وكان بداخله اسم واحد.
يوسف مراد.
كارولين قالت
ده صديق بابا!
هز المحامي رأسه.
أيوه.
وأكمل التسجيل
يوسف اختفى بعد الحادث مباشرة، وأنا قضيت سنين بدور عليه.
ثم جاء الجزء الأخطر
قبل سنة، قدرت أوصل له.
بصيت للمحامي.
يعني يوسف لسه عايش؟
رد
لو كلام حسن صحيح أيوه.
وفجأة، سمعنا صوت سيارة توقفت أمام المقبرة.
اتجهنا ناحية البوابة.
رجل مسن نزل من السيارة، ومشى ناحيتنا ببطء.
كان ماسك عصا، ووشه مليان علامات الزمن.
وقف قدامي وقال
إنتِ سوسن؟
قلت
أيوه.
بص للصورة اللي في إيدي، ودموعه نزلت.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
سألته
حضرتك يوسف؟
هز رأسه.
أيوه.
قرب خطوة وقال
أبوكي طلب مني ما أظهرش غير بعد وفاته.
قلت
ليه؟
قال
لأنه كان عارف إن الحقيقة لو ظهرت وإنتِ لوحدك، ممكن تخافي وتهربي.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
ده آخر شيء تركته أمك.
أخذته وأنا أرتجف.
فتحت الظرف.
كان بداخله خطاب قصير.
لبنتي سوسن
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أبوكي وفّى بوعده أخيرًا.
إنتِ طول عمرك فاكرة إنك اتسابتي.
لكن الحقيقة إن أبوكي ضحّى بحياته كلها عشان يحميكي.
سامحيه لو تقدري.
ومتخافيش من الحقيقة.
لأنها المرة الوحيدة اللي هتخليكي تعرفي ليه أنا وأبوكي عملنا كل ده.
انفجرت في البكاء.
ولأول مرة من 34 سنة، حسيت إن الغضب اللي جوايا بدأ يهدأ.
لكن يوسف قال فجأة
لسه في حاجة لازم تعرفيها.
مسحت دموعي.
إيه؟
قال
المستندات اللي كانت أمك مخبياها لسه موجودة.
المحامي سأله
فين؟
يوسف بص لي مباشرة وقال
في القصر.
اتصدمت.
في قصر أبويا؟!
هز رأسه.
أيوه.
ثم قال الجملة اللي خلتني أحس بقشعريرة
أبوكي ماكانش بيحاول يخبي الحقيقة عنك
كان بيحاول يخبيها عن الشخص اللي عايش في القصر معاكم لحد دلوقتي بصيت ليوسف وأنا مش فاهمة.
شخص عايش في القصر؟ مين؟
يوسف ما ردش.
المحامي قال بسرعة
لازم نرجع القصر حالًا.
كارولين كانت واقفة ساكتة، وملامحها متغيرة.
بصيت لها وقلت
إنتِ عارفة حاجة؟
هزت رأسها.
لأ بس بدأت أفهم ليه بابا كان بيخاف.
رجعنا القصر، وأول ما دخلنا، المحامي طلب من كل العاملين يتجمعوا في الصالة.
كان عايز يعرف مين كان موجود في القصر خلال السنوات الأخيرة.
وفجأة، كارولين قالت
استنوا.
بصت ناحية رجل كبير كان واقف بعيد.
كان اسمه عم صابر، حارس القصر القديم.
قالت
عم صابر كان مع بابا من أكتر من 30 سنة.
اقترب منه المحامي.
هل تعرف مكانًا سريًا في القصر؟
الرجل سكت.
ثم قال
أبو حسن طلب مني قبل موته ألا أقول لأي حد.
قلت
حتى أنا؟
بصلي طويلًا، ثم تنهد.
خصوصًا إنتِ لحد ما ييجي الوقت المناسب.
أخرج سلسلة مفاتيح قديمة من جيبه.
ومشى بنا إلى المكتبة.
حرك أحد أرفف الكتب، فظهر باب صغير خلفه.
فتح الباب.
كانت هناك غرفة ضيقة، وفي منتصفها خزنة حديدية.
المحامي قال
أخيرًا.
حط المفتاح اللي لقيناه في المقبرة داخل الخزنة.
انفتح الباب.
كان بداخلها ملف واحد فقط.
وعلى الغلاف مكتوب
حقيقة سوسن لا يُفتح إلا بعد وفاة حسن.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت مستندات مالية قديمة.
ثم صور.
ثم تقرير رسمي عن حادث أمي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.
كان هناك تسجيل صوتي.
شغله المحامي.
ظهر صوت أبويا
سوسن، لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى لازم تعرفي إن الخطر الحقيقي
انتهى.
ثم قال
الشخص اللي كنت بخاف منه مش عدوك بالعكس.
بصينا لبعض.
وأكمل
هو الشخص اللي ساعدني أحميكي طول السنين دي.
اتصدمت.
يعني إيه؟
ثم جاء صوت رجل آخر.
كان صوتًا أعرفه.
تجمدت في مكاني.
كارولين شهقت
ده صوت عم صابر!
صوته خرج من التسجيل
حسن، وعدتك إني أحافظ على سرها لحد ما تكبر.
رد أبويا
وأنا عارف إنك هتفضل أمين.
فجأة فهمت.
عم صابر لم يكن مجرد حارس للقصر.
كان الرجل الذي كان يتابع أخباري ويرسل لأبويا كل تفاصيل حياتي.
قال أبويا
سوسن عاشت فاكرة إن أبوها نسيها لكن الحقيقة إني كنت أعرف كل نجاح حققته وكل مرة بكت فيها.
انهمرت دموعي.
ثم ظهرت ورقة أخيرة.
كانت وصية جديدة.
قرأها المحامي بصوت واضح
أترك لسوسن حق إدارة المؤسسة الخيرية التي أنشأتها باسم أمها، وأطلب منها ألا تعتبر ما تركته لها تعويضًا عن طفولتها بل فرصة تساعد بها أطفالًا عاشوا نفس الوحدة التي عاشتها.
سكتُّ طويلًا.
لم يكن أبويا قد ترك لي مجرد أموال.
كان قد ترك لي سببًا يجعل كل سنوات الألم لها معنى.
لكن قبل أن أغلق الملف، وجدت ورقة صغيرة مخبأة في آخره.
كان مكتوبًا عليها
هناك شيء واحد لم أخبرك به يا سوسن كارولين تعرفه.
رفعت عيني نحو كارولين.
كانت تبكي.
قلت
تعرفي إيه؟
اقتربت مني، وأمسكت يدي.
وقالت
بابا قبل ما يموت بيوم، قال لي جملة واحدة.
قال إيه؟
قالت
لما سوسن تعرف الحقيقة، قولي لها إنك مش أختها بالدم لكنك أختها في كل حاجة.
سكتُّ.
ثم ضمتني كارولين لأول مرة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أبويا لم يكن يحاول أن يعوض 34 سنة بالمال.
كان يحاول، في آخر أسبوع من حياته، أن يعيد بناء عائلة فقدناها جميعًا.
وبعد أشهر، بدأت أعمل في المؤسسة باسم أمي.
وكل طفل كان يدخل بابها، كنت أشوف فيه الطفلة الصغيرة اللي كنتها زمان.
أما القصر، فلم أحتفظ به لنفسي.
حولت جزءًا منه إلى دار رعاية للأطفال المحتاجين.
وفي يوم افتتاحها، وقفت أمام صورة أمي وأبويا وقلت
يمكن اتأخرتوا عليا لكنكم في الآخر علمتوني إن العيلة مش دايمًا بالدم، وإن بعض الأخطاء ممكن تتحول لبداية جديدة.
ومن يومها، لم أعد سوسن البنت التي تركها أبوها.
أصبحت سوسن المرأة التي عرفت الحقيقة
واختارت أن تجعل نهايتها بداية لغيرها مرت شهور على وفاة أبويا، وبدأت حياتي تستقر.
المؤسسة الخيرية كبرت، والقصر اتحول فعلًا لمكان يستقبل الأطفال اللي مالهمش حد.
لكن رغم كل اللي حصل، كان جوايا إحساس إن قصة أبويا لسه ما خلصتش.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق المؤسسة، لقيت ظرف قديم جدًا باسمي.
كان عليه ختم أبويا.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة واحدة
سوسن، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى لازم تعرفي آخر سر.
أنا ما رجعتش أدور عليكي قبل سنة عشان الخطر انتهى فقط
أنا رجعت لأنني اكتشفت إن أمك تركت شيئًا لم يستطيع أحد الوصول إليه.
وقفت عن القراءة.
ثم أكملت
الشيء ده مش فلوس.
إنه دليل يثبت الحقيقة كاملة عن الحادث الذي أنهى حياتها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كان أبويا قد أخفى الدليل طوال 34 سنة.
وفي آخر الرسالة كتب
اسألي كارولين عن الساعة القديمة الموجودة في مكتبي.
دخلت كارولين فورًا.
قلت لها
تعرفي حاجة عن ساعة بابا؟
سكتت لحظة، ثم قالت
أيوه.
ليه ما قلتيليش؟
لأني كنت فاكرة إن بابا عايزك تكتشفيها بنفسك.
دخلنا مكتبه.
كانت الساعة معلقة فوق المدفأة.
كارولين نزعتها من مكانها، ولفت عقاربها بطريقة معينة.
وفجأة
انفتح الجزء الخلفي منها.
خرج منه ظرف صغير وذاكرة إلكترونية قديمة.
المحامي وصل بعد دقائق.
شغّلنا التسجيل الموجود عليها.
ظهر صوت أمي.
سمعته لأول مرة في حياتي.
كان صوتًا هادئًا، لكنه مليان خوف.
قالت
لو حد سمع التسجيل ده، يبقى حسن عرف الحقيقة.
ثم سكتت.
أنا اكتشفت إن اللي بيحصل في الشركة مش مجرد سرقة أموال.
المحامي قرب من الجهاز.
أمي أكملت
فيه مستندات مزورة باسم ناس أبرياء، وفيه أشخاص كانوا بيحاولوا يستخدموا الشركة عشان يغطوا
تم نسخ الرابط