عثرت على طفل
المحتويات
أخذت نادية آدم إلى مدرسته الأولى.
كانت المدرسة قديمة، والممرات ضيقة، والجدران تحمل آثار سنوات طويلة.
وقف آدم أمام البوابة وقال
أنا فاكر المكان ده بابا كان بيجيبني هنا وأنا صغير.
دخلوا إلى مكتب المدير القديم، وبعد أن شرحت نادية سبب الزيارة، أخرج الرجل سجلًا ضخمًا من خزانة خشبية.
حسام كان طالب مني أحتفظ بحاجة لحد ما آدم يرجع.
اتسعت عينا آدم.
حاجة إيه؟
أخرج المدير صندوقًا صغيرًا.
كان بداخله كراسة رسم قديمة.
فتحها آدم.
في أول صفحة كانت هناك رسمة لطفل يمسك يد رجل وامرأة.
وتحتها كتب حسام
دي أول رسمة عملها آدم وقال لي إن نفسه يعيش مع بابا وماما في بيت واحد.
سكت الجميع.
قلب آدم الصفحات، فوجد رسومات كثيرة.
بيت.
مدرسة.
شجرة.
ثم رسم نفسه وهو يرتدي زي الشرطة، وبجواره رجل وامرأة.
ضحكت نادية وسط دموعها.
حتى وإنت صغير كنت عايز تبقى ضابط؟
قال آدم
أيوه كنت عايز أبقى زي ماما.
ثم وجد ورقة مطوية في آخر الكراسة.
فتحها.
وكانت رسالة قصيرة من والده
يا آدم، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى ربنا حقق أمنيتي وشفت أمك تاني. ما تلومش نفسك، وما تلومش أمك، وما تكرهش الأيام اللي فرقتنا. أحيانًا الحياة بتاخد منا وقت عشان ترجع لنا حاجة أغلى.
لم يستطع آدم إكمال القراءة.
اقتربت منه نادية واحتضنته.
وقال وهو يبكي
وحشني يا ماما.
قالت
وأنا كمان وحشني رغم إني ما عرفتش أعيش معاه السنين دي، بس هفضل أحكيلك عنه كل يوم.
مرت سنوات قليلة.
كبر آدم، وأصبح من المتفوقين في دراسته.
وكان كلما مر بجوار رجل يلمّع الأحذية، يتوقف ليساعده أو يعطيه ما يستطيع.
وفي يوم تخرجه من المدرسة، كان يقف على المسرح وسط زملائه.
نادت الإدارة اسمه
الطالب آدم حسام عبد الله الأول على دفعته.
صفق الجميع.
لكن آدم لم ينظر إلى الشهادة.
نظر إلى والدته وجدته.
كانت نادية تبكي بفخر.
وبعد الحفل، أخرج آدم من حقيبته شيئًا صغيرًا.
كان صندوق تلميع الأحذية القديم.
قال لأمه
فاكرة ده؟
ضحكت نادية
مستحيل أنساه.
قال آدم
أنا مش عايز أخبيه.
ثم وضعه في غرفة صغيرة بالبيت، وعلّق فوقه صورة والده.
وكتب أسفلها
من هنا بدأت حكايتي ومن هنا رجعت لعيلتي.
وبعد سنوات، حقق آدم حلمه.
دخل كلية الشرطة، وتخرج ضابطًا.
وفي أول يوم له في عمله، عاد إلى نفس المكان الذي كان يجلس فيه طفلًا يلمّع الأحذية.
وجد طفلًا صغيرًا يجلس على الرصيف.
اقترب منه آدم، وجلس بجواره.
قال الطفل بخوف
حضرتك هتاخد الصندوق؟
ابتسم آدم.
لا يا حبيبي أنا كنت مكانك.
نظر الطفل إليه بدهشة.
إنت؟
ضحك آدم.
أيوه. وكنت فاكر إن الدنيا مش هتتغير.
ثم أعطاه حقيبة مدرسية جديدة.
بس اتغيرت.
رفع الطفل عينيه إليه.
إزاي؟
قال آدم
لما الواحد يفضل متمسك بالأمل حتى لو الدنيا قالت له إن مفيش أمل.
ومن بعيد، كانت نادية تراقبه.
اقتربت منه وقالت
فخورة بيك يا ابني.
نظر آدم إلى المكان الذي كان يجلس فيه منذ سنوات، ثم ابتسم.
وأنا فخور إنك لقيتيني.
احتضنته نادية.
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك طفل ضائع، ولا أم تبحث عن ابنها.
كان هناك فقط أم وابنها جمعهما القدر بعد سبع سنوات، وأثبتا أن بعض الغياب لا يعني النهاية.
أما صندوق تلميع الأحذية، فظل في بيتهم حتى آخر العمر
ليس لأنه يذكرهم بالفقر، بل لأنه كان الشاهد الوحيد على اليوم الذي بدأ فيه آدم طريقه من الرصيف إلى تحقيق حلمه مرت سنوات، وأصبح آدم ضابطًا شابًا ناجحًا، لكن رغم كل ما وصل إليه، لم ينسَ أبدًا الطفل الذي كان يجلس أمام قسم الشرطة بصندوق تلميع الأحذية.
وفي أحد الأيام، كان آدم في مكتبه عندما دخل عليه أحد أفراد القوة وقال
يا فندم، في سيدة كبيرة مستنياك بره وبتقول إن عندها حاجة تخص والدك.
تغيرت ملامح آدم.
اسمها إيه؟
بتقول اسمها سلوى.
خرج آدم إليها فورًا.
كانت سلوى تحمل حقيبة صغيرة.
قالت
كنت مستنية اليوم اللي أشوفك فيه واقف هنا.
ابتسم آدم.
إيه اللي جابك؟
أخرجت سلوى ظرفًا قديمًا.
أبوك ترك ده عندي، وقال لي ما أسلمهوش لك إلا لما تبقى قادر تفهمه.
فتح آدم الظرف.
وجد صورة له وهو طفل صغير، وخلفها كلمات
يا آدم، أنا عارف إنك ممكن تسأل يومًا ليه حصل كل ده؟ الإجابة بسيطة مفيش حد اختار يبعدك عن أمك. أحيانًا الظروف بتكون أقوى من الناس، لكن الحب الحقيقي بيستنى.
سكت آدم طويلًا.
ثم قال
بابا كان عايزني أعرف إيه؟
قالت سلوى
كان عايزك تعرف إن أمك فضلت تدور عليك، حتى لما الناس قالت لها تنسى.
ابتسم آدم.
أنا عارف.
ثم أضاف
وهي كمان عارفة إني مش زعلان من السنين اللي ضاعت.
بعدها بأيام، أقام آدم حفلًا صغيرًا في المدرسة القديمة التي بدأ منها.
دعا والدته وجدته وسلوى ورجب ومدير المدرسة.
وفي نهاية الحفل، وقف أمام الجميع وقال
زمان كنت فاكر إن صندوق تلميع الأحذية هو أكتر حاجة بتثبت إني فقير.
ثم نظر إلى والدته.
لكن اكتشفت إنه كان أول دليل إني كنت قوي.
صفق الجميع.
ثم اقترب آدم من أمه وأعطاها مفتاحًا صغيرًا.
قالت بدهشة
ده بتاع إيه؟
ابتسم
افتحيه.
كان مفتاحًا لخزانة جديدة وضع فيها كل الأشياء التي احتفظ بها من طفولته.
الصورة.
رسالة والده.
الكراسة.
وأول حذاء كان يلمّعه.
قال
دي مش ذكريات حزينة يا ماما.
دي البداية.
احتضنته نادية وقالت
وأنا لو الزمن رجع بيا، كنت هختار ابني قبل أي منصب.
رد آدم
بس لو ما كنتيش بقيتي ضابطة يمكن ما كنتيش هتلاقيني.
ضحكت نادية وسط دموعها.
يعني بتبرر لي السبع سنين؟
لأ بس بقول إن ربنا كان بيجهز لنا نهاية أحسن.
وفي تلك اللحظة، دخل طفل صغير يحمل صندوق تلميع أحذية.
كان ابن إحدى الأسر المحتاجة التي تعرفها نادية.
قال الطفل
يا فندم ممكن أشتغل هنا؟
نظر آدم إليه، ثم ابتسم.
تقدر تشتغل، بس بشرط.
إيه؟
المدرسة الأول.
أعطاه آدم حقيبة مدرسية وقال
الشغل مش عيب لكن حلمك أهم.
نظر الطفل إلى الحقيبة، ثم ابتسم.
وكانت تلك اللحظة هي أكثر شيء جعل نادية تفخر بابنها.
فآدم لم ينسَ الطفل الذي كانه
بل قرر أن يجعل قصته سببًا في إنقاذ أطفال آخرين.
وبعد سنوات، أسس آدم بمساعدة والدته مبادرة صغيرة لمساعدة الأطفال العاملين، توفر لهم التعليم والملابس ومستلزمات الدراسة، مع دعم أسرهم بدلًا من إجبار الأطفال على ترك المدرسة.
وعلّقوا في أول مقر للمبادرة لوحة كتب عليها
كل طفل يستحق فرصة حتى لو بدأت حكايته على رصيف.
وفي يوم افتتاح المكان، وقفت نادية بجوار ابنها.
نظرت إلى اللوحة، ثم قالت
أبوك لو كان عايش كان هيبقى فخور بيك.
ابتسم آدم وقال
وأنا متأكد إنه شايفنا.
ثم نظر إلى صورة والده المعلقة على الحائط.
ولأول مرة، لم يشعر آدم بالحزن عندما تذكر السنوات الماضية.
شعر بالامتنان.
لأن الطفل الذي كان يلمّع الأحذية ذات يوم
لم يصبح فقط ضابطًا ناجحًا.
بل أصبح السبب في أن أطفالًا كثيرين حصلوا على فرصة لم يحصل عليها هو في طفولته.
وهكذا انتهت الحكاية لا بضياع طفل، ولا بانتقام، ولا بخيانة، وإنما بعائلة عادت لبعضها، وطفل حوّل أصعب سنوات حياته إلى سبب يساعد به غيره لكن الحكاية لم تنتهِ فعلًا
بعد افتتاح المبادرة بعام تقريبًا، كان آدم يراجع بعض الملفات في مكتبه عندما دخلت عليه والدته نادية.
كانت تحمل ظرفًا أبيض.
قالت
آدم، الظرف ده وصل النهارده باسمك.
أخذه منها، ونظر إلى العنوان.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فتح الظرف بحذر، فوجد بداخله صورة قديمة جدًا.
صورة لوالده حسام وهو شاب، يقف أمام محل صغير لتصليح الأحذية.
وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة
هنا بدأت أول خطوة في حلم أبوك.
رفع آدم رأسه.
ماما بابا كان عنده محل أحذية؟
هزت نادية رأسها بدهشة.
أول مرة أعرف.
وفي أسفل الظرف كان هناك عنوان.
قرر آدم أن يذهب إليه.
وصل إلى شارع قديم في منطقة شعبية، وهناك وجد محلًا صغيرًا مغلقًا منذ سنوات.
على اللافتة الباهتة كان مكتوبًا
حسام لتصليح الأحذية.
ظل آدم واقفًا أمامه للحظات.
ثم لاحظ رجلًا عجوزًا يفتح باب المحل المجاور.
سأله
حضرتك كنت تعرف صاحب المحل ده؟
نظر الرجل إلى الصورة التي يحملها آدم، واتسعت عيناه.
ده حسام!
اقترب منه وقال
إنت ابنه؟
أجاب آدم
أيوه.
ابتسم الرجل بحزن.
أبوك كان إنسان طيب جدًا.
ثم أشار إلى باب المحل.
قبل ما يموت، سلّمني مفتاح وقال لي لو ابني رجع يومًا، افتح له المحل.
أخرج المفتاح.
تجمد آدم.
يعني المحل ده بتاعي؟
قال الرجل
أبوك كان نفسه يسيبه لك.
فتح آدم الباب.
دخل إلى المكان.
كان كل شيء مغطى بطبقة من التراب، لكن في الركن كان هناك كرسي خشبي صغير وصندوق أدوات قديم.
وعلى الحائط صورة لحسام وهو يبتسم.
اقترب آدم من الصورة، ثم وجد ورقة معلقة بجانبها.
قرأ
يا آدم لو وصلت للمكان ده، يبقى كبرت. يمكن ما أكونش موجود، لكن عايزك تعرف إن الشغل بإيدك مش عيب، وإن الإنسان قيمته مش في الفلوس اللي معاه قيمته في الخير اللي يسيبه بعده.
توقفت دموع آدم على خده.
ثم ابتسم.
في تلك اللحظة، فهم شيئًا مهمًا.
والده لم يكن يريد منه أن يرث محلًا.
كان يريد أن يرث مبدأ.
وفي اليوم التالي، لم يغلق آدم المحل.
بل أصلحه، وغيّر اسمه.
كتب على اللافتة
بيت آدم وحسام تعليم ومساعدة الأطفال.
وأصبح المكان جزءًا جديدًا من المبادرة.
كان الأطفال يأتون بعد المدرسة، يتعلمون حِرفًا بسيطة، ويحصلون على مستلزمات الدراسة، بينما تتولى المبادرة مساعدة أسرهم.
وفي يوم الافتتاح، حضرت نادية والحاجة زينب.
وقفت الجدة أمام اللافتة، ومسحت دموعها.
أبوك كان نفسه يشوف اليوم ده.
أجاب آدم
وأنا خليته يشوفه بطريقتي.
اقتربت نادية منه.
فخورة بيك يا ابني.
ابتسم آدم.
كل ده بدأ بحذاء متوسخ قدام قسم الشرطة.
ضحكت نادية.
وبدأ كمان بقلب أم ما استسلمش.
نظر آدم إلى أمه، ثم إلى صورة والده.
وقال
وأهو في الآخر، كل واحد فيهم وصل للتاني.
وفي المساء، جلس آدم أمام باب المحل القديم.
مر طفل صغير يحمل صندوق تلميع أحذية.
توقف أمامه وقال
ممكن ألمّع لك الجزمة يا أستاذ؟
نظر آدم إلى الصندوق.
كان يشبه صندوقه القديم.
ابتسم وقال
ممكن بس قولي الأول، بتروح المدرسة؟
رد الطفل
أيوه.
قال آدم
يبقى لمّع الجزمة دي، وبعدها هاجي معاك المدرسة بكرة.
ضحك الطفل.
وعندما ابتعد، نظر آدم إلى السماء.
وقال بصوت منخفض
شفت يا بابا؟ الصندوق اللي كنت فاكر إنه نهايتي طلع بداية حياة ناس كتير.
وفي تلك اللحظة، شعرت نادية التي كانت تقف خلفه أن كل السنوات التي ضاعت لم تعد تؤلمها كما كانت.
لأن ابنها لم يسترد طفولته فقط
بل صنع من طفولته الصعبة مستقبلًا أفضل لغيره.
وهنا انتهت الحكاية الحقيقية لآدم
الطفل الذي جلس يومًا على رصيف أمام قسم الشرطة يلمّع الأحذية من أجل لقمة العيش، ولم يكن يعلم أن نفس الرصيف سيقوده إلى أمه
وأن أمه لن تعثر عليه فقط
بل ستساعده يومًا ليصبح سببًا في تغيير حياة مئات الأطفال لكن بعد سنوات من الهدوء، حدث شيء لم يكن آدم يتوقعه.
في أحد الأيام، وبينما كان يراجع ملفات الأطفال في مقر المبادرة، دخلت عليه موظفة وقالت
يا آدم، في راجل كبير مستنيك بره، وبيقول إن عنده معلومة عن والدك.
تغير وجه آدم.
دخليه.
دخل رجل في
متابعة القراءة