عثرت على طفل
المحتويات
ساعات.
أنا هاجي معاكي؟
اقتربت منه نادية وأمسكت يده.
المرة دي مش هسيبك.
وفي صباح اليوم التالي، وصلت نادية وآدم والجدة إلى محطة مصر.
كانت نادية تحمل المفتاح، بينما آدم يمسك يدها بقوة.
وصلوا إلى صف من الخزائن القديمة الخاصة بالأمانات.
جربت المفتاح في الخزانة التي تحمل الرقم المكتوب خلف الورقة.
صدر صوت خفيف
وانفتح الباب.
وجدوا بداخلها ملفًا كبيرًا.
صورًا.
شهادات ميلاد.
إيصالات.
خطابات.
وتسجيلًا صوتيًا قديمًا.
وضعت نادية جهاز التسجيل في حقيبتها، ثم فتحت أول ملف.
وفجأة ظهر أمامها مستند رسمي يحمل اسمها واسم حسام.
قرأته بسرعة.
ثم تجمدت.
كان المستند يثبت أن حسام لم يكن ممنوعًا من تسليم آدم إليها.
بل كان هناك قرار يسمح له بإحضار الطفل إلى والدته في موعد محدد.
لكن الموعد لم يحدث.
قالت نادية
ليه؟
قلبت الأوراق بسرعة.
ثم وجدت تقريرًا آخر.
كان فيه اسم الشخص الذي تسلم المستند في ذلك اليوم.
موظف أرشيف سابق.
لكن تحت اسمه كانت توجد ملاحظة
تم التحقيق معه بسبب خطأ إداري أدى إلى ضياع ملف أسرة كاملة.
تنفست نادية بعمق.
يعني الموضوع كله كان خطأ موظف؟
لكن آدم، الذي كان ينظر إلى الصور، أشار إلى واحدة منها.
ماما بصي.
كانت الصورة لحسام وهو يحمل آدم أمام مبنى قديم.
وخلفهما لافتة مكتوب عليها اسم دار رعاية للأطفال.
تغير وجه نادية.
أبوك كان بيوديك دار رعاية؟
هز آدم رأسه بسرعة.
لا أنا فاكر المكان ده.
اقترب منها وقال
بابا كان بياخدني هناك كل أسبوع.
سألته
ليه؟
فكر قليلًا.
ثم قال
كان بيقول إنه بيدور على واحدة ست ساعدتنا زمان.
نظرت نادية إلى الجدة.
مين الست دي؟
قالت الحاجة زينب
حسام عمره ما قال لي اسمها.
وفي اللحظة نفسها، بدأ جهاز التسجيل الموجود في الملف يعمل بعد أن ضغطت نادية عليه دون قصد.
خرج صوت حسام، ضعيفًا ومتعبًا
لو نادية سمعت التسجيل ده يبقى آدم وصل لها.
سكت لحظة، ثم قال
بس في حاجة أخيرة لازم تعرفيها يا نادية.
رفعت نادية الجهاز إلى أذنها.
الست اللي ساعدتني أحافظ على آدم زمان كانت عارفة الحقيقة من البداية.
توقفت نادية عن التنفس تقريبًا.
ثم جاء صوت حسام
وهي لسه عايشة.
نظر آدم إلى أمه.
مين؟
لكن التسجيل لم يعطِ اسمًا.
فقط قال حسام
اسمها سلوى وهتلاقوها في دار الرعاية القديمة.
أغلقت نادية التسجيل.
ثم قالت بحزم
هنروح لها.
لم تكن تعرف أن لقاءها بهذه السيدة سيكشف السبب الحقيقي الذي جعل آدم يختفي عن حياتها سبع سنوات كاملة
وأن سلوى كانت تحمل شيئًا أخفاه حسام عن الجميع حتى آخر يوم في حياته في نفس اليوم، تحركت نادية مع آدم والحاجة زينب إلى دار الرعاية القديمة.
طوال الطريق، كان آدم ممسكًا بيد نادية، وكأنه ما زال يخشى أن يستيقظ من الحلم ويجد نفسه وحيدًا من جديد.
عندما وصلوا، سألت نادية عن سلوى.
ردت موظفة الاستقبال
سلوى؟ أيوه، موجودة بس بقالها سنين ما بتشتغلش هنا. بتعيش في البيت الصغير اللي ورا الدار.
توجهوا إليها.
طرقت نادية الباب.
وبعد لحظات، ظهرت امرأة في أواخر الستينات، ملامحها هادئة لكن عينيها حملتا دهشة واضحة عندما رأت آدم.
قالت بصوت مرتجف
آدم؟
اختبأ آدم خلف نادية.
اقتربت سلوى خطوة، ثم وضعت يدها على قلبها.
يا ابني كبرت.
نظرت نادية إليها مباشرة.
حضرتك تعرفيه؟
جلست سلوى على الكرسي، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
أعرفه من يوم كان عمره سنة.
ساد الصمت.
قالت نادية
عايزة أعرف الحقيقة كلها.
تنهدت سلوى.
الحقيقة إن أبوك ما كانش بيحاول يبعدك عن أمك يا آدم.
ثم نظرت إلى نادية.
بالعكس كان بيحاول يرجعك لها.
أخرجت سلوى صندوقًا صغيرًا من درج قديم.
فتحت الصندوق وأخرجت مجموعة أوراق.
يوم ما حصل الانفصال، آدم كان صغير جدًا. حسام كان متمسك بيه، لكنه كان عارف إن ابنه محتاج أمه.
قالت نادية
طب ليه ما وصلنيش؟
ردت سلوى
لأنه في الفترة دي حصلت مشكلة في عنوانك وبيانات التواصل، وكل محاولة كانت بتفشل. وبعدها حسام اتعرض لحادث بسيط، وضاعت منه أوراق مهمة.
رفعت نادية حاجبيها.
يعني كل السنين دي كنا بندور على بعض ومفيش حد عارف يوصل للتاني؟
هزت سلوى رأسها.
أيوه.
ثم أخرجت صورة قديمة.
كان فيها حسام يجلس بجوار آدم الصغير.
وعلى ظهر الصورة جملة بخط يده
نفسي أرجع ابني لأمه قبل ما أموت.
انهمرت دموع نادية.
لكن سلوى لم تتوقف.
حسام كان عارف إنه مريض، وكان خايف يموت قبل ما يحقق ده.
ثم نظرت إلى آدم.
وكان دايمًا يقول لي لو حصل لي حاجة، خلي آدم يعرف إن أمه ما تخلتش عنه.
اقترب آدم من سلوى.
هو بابا كان بيحب ماما؟
ابتسمت سلوى بحزن.
كان بيحترمها وبيحبها كأم لابنه، وكان نفسه تشوفوا بعض من غير أي مشاكل.
احتضنت نادية آدم بقوة.
لكن فجأة قالت سلوى
فيه حاجة تانية.
رفعت نادية رأسها.
إيه؟
أشارت سلوى إلى ظرف بني صغير.
حسام سلّمهولي قبل وفاته بأسبوع، وقال لي ما أفتحوش إلا لما آدم يكون قدام أمه.
فتحت نادية الظرف.
في داخله كانت هناك ورقة واحدة.
قرأت
نادية، أنا مش عايزك تضيعي وقتك في لوم نفسك أو لومي. كل اللي يهمني إن آدم يعرف إننا الاتنين حاولنا نحميه بطريقتنا.
توقفت نادية عن القراءة.
ثم أكملت
ولو قابلتيه يومًا، خليه يعرف إن أبوه كان فخور بيه حتى وهو بيلمّع الأحذية عشان يساعد جدته.
شهقت نادية.
نظرت إلى آدم.
باباك كان عارف إنك بتلمّع أحذية؟
قال آدم
أيوه وكان بيقولي إن الشغل مش عيب.
ابتسمت نادية وسط دموعها.
عنده حق.
ثم أعطتها سلوى ورقة أخيرة.
دي أهم ورقة.
نظرت نادية إليها.
كانت استمارة إعادة قيد آدم في المدرسة، موقعة من حسام قبل وفاته.
وتحتها جملة
ابني لازم يرجع مدرسته مهما حصل.
ضمّت نادية الورقة إلى صدرها.
وفي اليوم التالي، اتخذت قرارًا غير متوقع.
لم تكتفِ بأن تأخذ آدم إلى بيتها.
بل ذهبت معه إلى المدرسة القديمة، وساعدته في العودة إلى الدراسة.
وعندما سأله المدير
نفسك تبقى إيه لما تكبر؟
نظر آدم إلى أمه.
ثم ابتسم وقال
عايز أبقى زي بابا بس كمان عايز أبقى زي ماما.
ضحكت نادية لأول مرة من قلبها.
وقالت
وأنا هساعدك تبقى أحسن مننا إحنا الاتنين.
وبعد أيام، عاد آدم إلى المدرسة.
أما صندوق تلميع الأحذية، فلم ترمه نادية.
وضعته في غرفة آدم، وقالت له
ده مش دليل على الفقر يا آدم ده دليل إنك كنت قوي من وإنت صغير.
ومرت الشهور.
لكن في صباح أحد الأيام، وصلت رسالة إلى نادية في مكتبها.
كانت من جهة رسمية.
فتحتها.
وبمجرد أن قرأت أول سطر، تغير وجهها.
كان مكتوبًا
بعد مراجعة ملف الطفل آدم حسام عبد الله، ظهرت معلومة جديدة لم تكن موجودة في الملف القديم
رفعت نادية عينيها عن الورقة.
المعلومة الجديدة لم تكن عن آدم فقط
بل عن شخص آخر كان يبحث عنه طوال السنوات الماضية فتحت نادية الخطاب مرة ثانية، وقرأت السطر الأخير ببطء
يوجد شاهد أساسي في واقعة اختفاء الطفل آدم، ولم يتم الاستماع إلى شهادته من قبل.
شعرت بقلبها يدق بسرعة.
اتصلت فورًا بالجهة التي أرسلت الخطاب، وبعد دقائق عرفت أن الشاهد رجل يُدعى عم محمود، وكان يعمل حارسًا في المستشفى التي تلقى فيها حسام علاجه في أيامه الأخيرة.
طلبت مقابلته في نفس اليوم.
عندما وصل الرجل، كان يحمل حقيبة جلدية قديمة.
قال لنادية
أنا استنيت كتير قبل ما أتكلم بس حسام قبل ما يموت سلّمني الحقيبة دي وقال لي لو في يوم نادية وصلت لآدم، سلّمها لها.
فتحت نادية الحقيبة.
كانت تحتوي على دفتر صغير، وعدة صور، وإيصالات قديمة.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة من الدفتر.
كان حسام قد كتب
أنا لم أفقد الأمل يومًا في أن نادية ستجد آدم، لكن هناك شخصًا ساعدني طوال السنوات الماضية في حمايته.
توقفت نادية.
مين الشخص ده؟
أجاب عم محمود
ما أعرفش اسمه الحقيقي حسام كان بيناديه العم.
ثم أضاف
لكني فاكر حاجة واحدة الراجل ده كان بييجي كل شهر ويسأل عن آدم.
وكان بيعمل إيه؟
كان بيدفع مصاريف المدرسة والعلاج أحيانًا من غير ما حد يعرف.
صمتت نادية.
يعني آدم كان فيه حد بيرعاه من بعيد؟
هز الرجل رأسه.
ثم أخرج صورة.
كانت الصورة قديمة، يظهر فيها آدم وهو طفل صغير، وبجواره رجل مجهول يقف بعيدًا عن الكاميرا.
نظر آدم إلى الصورة عندما عاد إلى المنزل.
وبمجرد أن رآها، قال
أنا أعرف الراجل ده!
التفتت نادية إليه بسرعة.
تعرفه؟
أيوه كان بييجي أوقات عند باب المدرسة. بابا كان بيقول لي إنه صاحبه.
سألته
فاكر اسمه؟
فكر آدم طويلًا.
ثم قال
كان اسمه عم رجب.
بحثت نادية في الملفات القديمة، وبعد ساعات ظهر اسم رجل كان يعمل في نفس المنطقة التي عاش فيها حسام.
كان متقاعدًا، ويعيش في قرية صغيرة خارج القاهرة.
في صباح اليوم التالي، ذهبت نادية إليه.
فتح الرجل الباب، وبمجرد أن رأى آدم، امتلأت عيناه بالدموع.
يا ابني
اقترب آدم منه.
حضرتك كنت بتعرف بابا؟
ابتسم الرجل.
أبوك كان أخويا وصاحبي.
جلست نادية أمامه.
ليه كنت بتساعد آدم من غير ما تقول لنا؟
رد رجب
لأن حسام طلب مني.
ليه؟
تنهد.
لأنه كان عايز ابنه يعيش كويس، لكنه ما كانش عايز يحطك تحت ضغط أو يرجعك لحياة مليانة مشاكل. كان مستني الوقت المناسب عشان يجمعكم.
ثم أخرج من درج مكتبه ملفًا.
قال
ودي آخر حاجة سلّمهالي.
فتحت نادية الملف.
كان بداخله دفتر توفير صغير باسم آدم، وحساب ادخاري جمع فيه حسام مبلغًا بسيطًا على مدار سنوات.
قال رجب
أبوك كان بيحوش لك كل جنيه يقدر عليه.
نظر آدم إلى أمه.
ماما بابا كان بيجهز لي مستقبل؟
احتضنته نادية.
أيوه يا حبيبي.
ثم أعطاه رجب مفتاحًا صغيرًا.
وقال لي لما تلاقي أمك، سلّمها المفتاح ده.
سألت نادية
بيفتح إيه؟
ابتسم رجب.
بيتكم القديم.
سكتت نادية.
بيتهم القديم.
المكان الذي عاشت فيه مع حسام قبل الانفصال.
المكان الذي ظنت أنه أصبح مجرد ذكرى.
ذهبت نادية مع آدم إلى العنوان.
كان البيت مغلقًا منذ سنوات.
أدخلت المفتاح.
انفتح الباب ببطء.
دخل آدم.
وفي غرفة صغيرة، وجد على الحائط صورة قديمة له مع والديه.
تحت الصورة كانت هناك جملة كتبها حسام
يمكن البيت اتقفل لكن باب العيلة عمره ما يتقفل.
وقفت نادية أمام الصورة، ثم شعرت بآدم يمسك يدها.
قال
ماما ممكن نعيش هنا؟
نظرت إليه، ثم ابتسمت.
لو ده اللي يخليك مبسوط نرجع نبدأ من هنا.
وبعد شهور، أصبح البيت مليئًا بالحياة من جديد.
آدم عاد إلى المدرسة، والجدة زينب انتقلت للعيش معهم، ونادية بدأت تخصص وقتًا أكبر لابنها.
أما صندوق تلميع الأحذية، فاحتفظت به نادية في مكان واضح داخل البيت.
وفي أحد الأيام، سألها آدم
ليه لسه محتفظة بالصندوق؟
ابتسمت وقالت
عشان كل ما أشوفه أفتكر إن ربنا رجع لي أغلى حاجة ضاعت مني.
ثم ضمت ابنها.
لكن آدم لم يكن يعرف أن داخل الصندوق تحت قطعة الخشب القديمة، كانت هناك ورقة صغيرة لم ينتبه إليها أحد.
وفيها كتب حسام قبل وفاته
لو وصلتوا لحد هنا يبقى دي آخر مفاجأة. فيه شيء تركته لآدم في مكان لم يزره منذ كان طفلًا
وكان اسم المكان
مدرسته الأولى.
وهناك، كانت تنتظر آدم ذكرى أخيرة من والده ستغير نظرته إلى كل السنوات التي عاشها بعيدًا عن أمه في صباح اليوم التالي،
متابعة القراءة