قبلت

لمحة نيوز

اكتشفت إن بداية الحياة مع آسر كانت محتاجة شجاعة أكتر من كل اللي فات.
في أول أسبوع، آسر أخدها لمقر المؤسسة في الصباح.
أول ما دخلوا، الموظفين كلهم وقفوا احترامًا.
مريم بصت له وقالت
هو أنا كده بقيت مرات صاحب المؤسسة؟
ابتسم
لأ.
أمال إيه؟
بقيتي الشخص الوحيد اللي يقدر يقولي إني غلطان من غير ما أخاف منه.
ضحكت.
لكن قبل ما يكملوا كلامهم، دخل موظف بسرعة.
أستاذ آسر، في مشكلة في الفرع الجديد.
آسر بص لمريم.
نروح؟
هزت رأسها.
في الفرع، اكتشفوا إن المشروع الخيري الجديد متعطل بسبب خلاف بين المقاولين، وإن مئات الأسر مستنية تسليم الوحدات.
المدير قال
الموضوع محتاج وقت.
مريم بصت للملفات وقالت
لأ، الموضوع محتاج قرار.
بدأت تراجع العقود، واكتشفت إن المشكلة مش في المقاول.
كان فيه خطأ في التصميم تسبب في تأخير التصاريح.
قالت
لو عدلنا الجزء ده، نقدر نكمل الإجراءات.
آسر ابتسم.
كنت عارف إنك هتلاقيها.
خلال يومين، اتحلت المشكلة.
لكن أثناء رجوعهم، آسر كان ساكت بشكل غريب.
مريم سألته
مالك؟
قال
بفكر في حاجة.
إيه؟
المؤسسة دي كبرت جدًا، وأنا مش عايز أفضل الشخص اللي بياخد كل القرارات لوحده.
بص لها.
عايزك تبقي شريكتي في إدارتها.
مريم اتفاجئت.
أنا؟
إنتِ.
بس أنا خبرتي أقل منك.
قال
وأنا عندي خبرة أكتر منك لكن مش عندي نظرتك للناس.
وبالفعل، بدأت مريم تدخل في الإدارة بشكل رسمي.
ومع الوقت، بقت المؤسسة تحقق نجاحات أكبر.
لكن المفاجأة حصلت بعد سنة.
وصل ظرف قديم لمكتب آسر.
كان جواه خطاب من والده المتوفي.
آسر فتحه، وقرأه في صمت.
مريم لاحظت تغير ملامحه.
في إيه؟
ناولها الخطاب.
كان والده كاتب
يا آسر، لو في يوم قابلت شخص يخليك تثق في الناس من جديد، ما تضيّعوش بسبب خوفك.
مريم بصت له.
هو كان يعرف؟
آسر ابتسم بحزن.
أبويا كان دايمًا بيقول إن أقوى شخص في الدنيا مش اللي يخلي الناس تخاف منه لكن اللي يخليهم يثقوا فيه.
قرب منها وقال
وأنا أخيرًا فهمت قصده.
بعدها بشهور، أقاموا أكبر حفل للمؤسسة.
وفي منتصف الحفل، آسر وقف على المسرح.
وقال أمام الجميع
المؤسسة دي مش أنا اللي بنيتها لوحدي.
ثم نظر لمريم.
في ناس دخلوا حياتنا صدفة لكن وجودهم بيغير كل حاجة.
الجمهور صفق.
ومريم ابتسمت.
وبعد انتهاء الحفل، رجعت للقاعة القديمة.
البورتريه كان لسه موجود.
وقفت قدامه وضحكت.
آسر دخل وراها وقال
بتفكري تبوسي الصورة تاني؟
ردت
لأ.
ليه؟
ابتسمت وقالت
خلاص، عندي الأصل.
ضحك آسر.
وقرب منها وقال
عارفة إيه أكتر حاجة بحبها في الحكاية دي؟
إيه؟
إن أول مرة شوفتك فيها، كنتِ بتحاولي تختفي من الإحراج.
ودلوقتي؟
دلوقتي بقيتي أكتر شخص مستحيل أسمح له يختفي من حياتي.
مريم ابتسمت.
وبصت للبورتريه مرة أخيرة.
وقالت
أهو طلع أغبى موقف في حياتي هو نفسه أحلى موقف.
آسر رد
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هقف وراكي أسرع.
ضحكت.
وانتهت الحكاية مش ببوسة على صورة
لكن بحياة كاملة بدأت من لحظة محرجة، وتحولت لحب، وثقة، وشراكة حقيقية. مرت سنتين على اليوم اللي وقفت فيه مريم قدام صورة آسر لأول مرة.
مريم بقت مديرة قسم المشروعات في المؤسسة، وآسر كان لسه محتفظ بنفس هدوئه وهيبته، لكن حياته اتغيرت تمامًا.
بقى يرجع البيت بدري.
يسألها عن يومها.
ويستشيرها في قرارات كان زمان بياخدها لوحده.
وفي صباح هادي، مريم دخلت مكتبه وهي ماسكة ملف.
آسر، عندي خبر.
رفع عينه من الأوراق.
خير؟
حطت الملف قدامه وقالت
المؤسسة هتبدأ مشروع جديد.
فتح الملف، وقرأ التفاصيل.
المشروع كان بناء مركز كبير للأطفال الأيتام، فيه مدرسة وعيادة ومكان للإقامة والتدريب.
ابتسم.
ده مشروع كبير.
عارفة.
ومين هيشرف عليه؟
ابتسمت بثقة.
أنا.
ضحك.
كنت متأكد.
لكن قبل ما يبدأوا التنفيذ، ظهر شخص جديد في المشهد.
رجل اسمه ياسين فؤاد، مهندس شاب كان مسؤولًا عن التصميم الهندسي للمركز.
كان محترم وهادئ، وكل تعامله مع مريم كان في حدود الشغل.
لكن آسر، بطبيعته الحذرة، لاحظ إن ياسين بيعتمد على رأي مريم في كل التفاصيل.
في يوم، دخل آسر اجتماع المشروع فجأة.
قال ياسين
أستاذ آسر، مريم عندها ملاحظة مهمة على التصميم.
آسر بص لمريم.
ملاحظة؟
قالت
أيوه، شايفة إن مساحة الملعب لازم تكبر.
آسر ابتسم.
موافق.
ياسين استغرب.
حضرتك ما شفتش التصميم.
رد آسر
مش محتاج.
مريم ضحكت
بدأنا؟
قال آسر
أنا بثق في رأيها.
وبعد الاجتماع، قالت له
إنت كنت غيران؟
وقف وبصلها بجدية مصطنعة.
أنا؟
أيوه.
مستحيل.
ضحكت.
وشك بيقول غير كده.
ابتسم وقال
أنا مش غيران من حد.
ثم قرب منها وقال
أنا بس بحب أعرف مين اللي بيقف جنب مراتي.
ضحكت وهزت رأسها.
لكن في نفس الليلة، وصل خبر قلب كل شيء.
المبنى المخصص للمركز ظهر في سجلات قديمة إنه مملوك لجهة قانونية أخرى.
آسر اتصل بالمحامي.
عايز أعرف الحقيقة قبل الصبح.
المحامي راجع الأوراق وقال
في عقد قديم جدًا والمفاجأة إن صاحب الملكية الأصلي كان والد حضرتك.
آسر اتجمد.
أبويا؟
أيوه.
مريم بصت له.
يعني المشروع اتبنى على أرض تخص عيلتك؟
آسر قال
الظاهر إن والدي كان مخطط للمشروع ده من زمان.
بدأوا يبحثوا في أرشيف والده.
وبعد ساعات، وجدوا صندوقًا قديمًا.
داخله صور، أوراق، وخطاب.
فتح آسر الخطاب.
وكان مكتوبًا
يا آسر، لو وصلت للورقة دي، يبقى أنت كبرت وفهمت إن الثروة الحقيقية مش في الفلوس. الأرض دي مخصصة لمكان يخدم الأطفال اللي مالهمش سند. ما تسمحش أبدًا إن حد يحولها لمشروع تجاري.
مريم بصت له وقالت
أبوك كان بيحلم بنفس اللي إنت بتعمله.
آسر سكت طويلًا.
وبعدين قال
وأنا كنت فاكر إني طول عمري بحاول أبني حاجة من غير ما أعرف إنها كانت حلمه من البداية.
قرر آسر تنفيذ وصية والده.
وبعد شهور، افتتح المركز.
في يوم الافتتاح، وقف أمام مئات الأطفال.
وقال
المكان ده مش باسمي.
ثم نظر إلى مريم.
ده باسم كل شخص آمن إن الطفل يستحق فرصة.
صفق الجميع.
مريم كانت واقفة بعيد، ودموع الفرح في عينيها.
بعد الحفل، رجعوا للقاعة القديمة في المؤسسة.
الصورة الأولى لآسر كانت لسه معلقة.
مريم بصت لها وقالت
فاكر البداية؟
قال
مستحيل أنساها.
لو ما دخلتش ورايا اليوم ده؟
ابتسم وقال
كان ممكن أفضل سنين من غير ما أعرف إن الشخص اللي قدامي هو أجمل صدفة حصلتلي.
ضحكت.
يعني البوسة كانت حظ؟
رد
لأ.
أمال إيه؟
كانت بداية.
ثم أخذ يدها وقال
والحكاية لسه ما خلصتش.
مريم بصت له باستغراب.
إيه اللي لسه؟
ابتسم.
عندي مفاجأة ليكي.
ولأول مرة، مريم هي اللي توترت.
لأن آسر الجوهري، الرجل اللي ما كانش بيخاف من أي شيء
كان واضح جدًا إنه مخبي عنها سر كبير. مريم فضلت واقفة قدامه وهي بتحاول تفهم هو مخبي إيه.
مفاجأة إيه يا آسر؟
ابتسم وقال
تعالي معايا.
أخدها للقاعة القديمة، نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
لكن المرة دي، كانت القاعة مليانة ورد وصور من كل المراحل اللي عاشوها سوا.
صورة من أول حفلة.
صورة من افتتاح مركز الأطفال.
صورة ليهم وهما بيوقعوا أول عقد شراكة.
وفي المنتصف، كانت فيه الصورة القديمة لآسر.
مريم ضحكت أول ما شافتها.
إنت لسه محتفظ بيها؟
قال
دي أهم صورة عندي.
وبعدين أشار لحائط تاني.
كان عليه لوحة كبيرة مكتوب عليها
من هنا بدأت الحكاية.
مريم بصت له باستغراب.
إنت عامل كل ده ليه؟
آسر قرب منها وقال
عشان عايزك تفتكري إن أول حاجة جمعتنا ما كانتش البوسة.
أمال إيه؟
الشجاعة.
شجاعة؟
أيوه. إنتِ كنتِ شجاعة لما اعترفتي بإعجابك حتى لو كان في صورة. وكنتِ أشجع لما وقفتي قدام كل مشكلة في المؤسسة وما هربتيش.
مسك إيدها.
وأنا عايز أكمل باقي حياتي مع نفس الست دي.
مريم دمعت عينيها.
آسر
ابتسم وقال
لسه المفاجأة ما خلصتش.
فتح باب جانبي.
دخلت مجموعة من أطفال المركز اللي ساعدوا في بنائه، ومعاهم موظفو المؤسسة.
واحدة من البنات الصغيرة كانت ماسكة وردة.
جريت ناحية مريم وقالت
دي ليكي.
مريم نزلت لمستواها وأخدتها.
شكرًا يا حبيبتي.
البنت ابتسمت وقالت
عمو آسر قال إنك أهم واحدة هنا.
مريم بصت له وضحكت.
قال كده؟
رد
قلت الحقيقة.
بعدها وقف آسر أمام الجميع وقال
من النهارده، المركز ده هيكون له صندوق دائم باسم مريم الشامي، عشان كل طفل محتاج مساعدة يلاقي حد يقف جنبه.
مريم حطت إيدها على قلبها.
ليه باسمي؟
قال
لأنك علمتيني إن الخير مش مجرد فلوس الخير إنك تفضل موجود لما الكل يمشي.
صفق الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، خرجت مريم مع آسر إلى الحديقة.
الجو كان هادي.
قالت
تعرف؟ لو حد حكالي من سنتين إني هقف هنا معاك، كنت هضحك عليه.
قال
وأنا لو حد قالي إن أخطر موقف في حياتي هيبدأ ببوسة على صورتي، كنت هضحك برضه.
ضحكت.
ولسه شايفني محرجة؟
لأ.
أمال؟
ابتسم.
شايفك أجمل صدفة حصلتلي.
مريم سكتت لحظة، ثم قالت
وأنا شايفة إن الصورة فعلًا ما كانتش قد كده.
رفع حاجبه.
لسه مصممة؟
ضحكت.
طبعًا.
قال
خلاص، عندي حل.
إيه؟
أشار لنفسه.
المرة دي احكمي بنفسك.
ضحكت مريم، ووقفت بجانبه وهي تقول
واضح إنك مش هتنسى الموضوع ده أبدًا.
رد
مستحيل.
ومشوا سوا
تم نسخ الرابط