من يوم ما اتولدت

لمحة نيوز

الشخص اللي كان بيدير الموضوع من الداخل كان قريب جدًا منه.
سألتها
مين؟
بصت لأمي.
ثم قالت
جدك.
اتجمدت.
جدي؟
كان هو اللي بدأ فكرة إخفاءك، لكن لما عرف إن أبوكي استعمل الفكرة ضدك، حاول يوقفه.
أمي قالت
وعشان كده حصل الخلاف الكبير بينهم.
خالتي أخرجت خطابًا أخيرًا.
لكن ده أهم خطاب.
فتحته.
وكان مكتوبًا بخط جدي
أنا أخطأت عندما ظننت أن السيطرة يمكن أن تكون حماية. لو عاد بي الزمن، لما سمحت لأحد أن يغطي وجه حفيدتي ولو لدقيقة.
بكيت.
مش لأن جدي كان شريرًا
لكن لأنني فهمت إن كل واحد في العيلة كان بيحاول يحميني بطريقته، وفي النهاية نسوا يسألوا أهم شخص
أنا كنت عايزة إيه؟
رجعت البيت وأنا شايلة الخطاب.
وقفت قدام المراية.
وبصيت لنفسي.
ثم قلت
أنا مش محتاجة حد يحميني من الحياة.
ومن يومها، قررت إن مؤسستي مش هتساعد الأطفال ماديًا بس.
هتساعدهم يتعلموا حقوقهم، ويعرفوا يقولوا لا، ويختاروا مستقبلهم بأنفسهم.
وبعد شهور، في حفل كبير للمؤسسة، وقفت على المسرح قدام مئات الناس.
ورفعت قطعة الشاش القديمة.
وقلت
ده كان جزء من حياتي.
ثم وضعته داخل صندوق زجاجي.
لكنه مش هيكون جزء من مستقبلي.
صفق الناس.
ونظرت لأمي وجوزي وجدّي.
ثم ابتسمت.
لأول مرة فهمت إن أعظم انتصار مش إنك تكشف سر
ولا إنك تنتقم من اللي ظلمك.
أعظم انتصار إنك تعيش حياتك من غير ما تسمح للماضي يحدد قيمتك.
وفي آخر الحفل، جاءت طفلة صغيرة ومسكت إيدي.
قالت
ممكن أشوف وشك؟
ضحكت وقلت
طبعًا.
بصت لي ثواني، ثم قالت ببراءة
إنتِ جميلة.
انحنيت لمستواها وقلت
وإنتِ كمان.
ثم مشيت معها وسط الناس
من غير شاش.
ومن غير خوف.
ومن غير أي شيء يخبّي وجهي عن العالم بعد سنوات، بقت قصتي معروفة، لكني عمري ما حكيتها باعتبارها قصة انتقام.
كنت بقول دائمًا
أنا ما انتصرتش على أبويا أنا انتصرت على الخوف.
أبويا قضى آخر سنواته وهو بيحاول يصلح أخطاءه، وأمي رجعت تعيش معايا، وجدي ظل قريبًا مني حتى آخر أيامه.
أما أنا، فأسست مؤسسة كبيرة لحماية الأطفال من التحكم والاستغلال، وكنت أحرص إن كل طفل يدخلها يعرف حقوقه ويعرف إن صوته مهم.
وفي يوم افتتاح أكبر فرع للمؤسسة، وقفت أمام المراية للمرة الأخيرة.
كانت قطعة الشاش القديمة موضوعة في صندوق زجاجي بجانبي.
نظرت إليها وابتسمت.
افتكرت الطفلة اللي كانت بتفك طبقة من الشاش وهي بترتعش من الخوف، واللي كانت فاكرة إن الحقيقة هتكون مرعبة.
لكن الحقيقة كانت أجمل من كل الأكاذيب.
وضعت يدي على وجهي وقلت
أنا مش عايزة أفتكر الشاش كحاجة أخافتني عايزة أفتكره كاليوم اللي عرفت فيه إن حياتي ملكي.
ثم فتحت باب المؤسسة.
دخلت مجموعة من الأطفال.
واحدة من البنات قربت مني وسألت
هو إنتِ كنتِ فعلًا بتخبي وشك زمان؟
ضحكت وقلت
أيوه.
وخفتِ لما شلتي الشاش؟
ابتسمت.
جدًا.
وبعدين؟
نظرت لها في عينيها وقلت
اكتشفت إن أكتر حاجة كانت مخوفاني مش شكلي كانت الكذبة اللي صدقتها عن نفسي.
الطفلة حضنتني.
وفي اللحظة دي، فهمت إن كل السنوات الصعبة ما راحتش هدر.
لأنها حولتني من بنت كانت محتاجة حد يحميها
لإنسانة أصبحت تحمي غيرها من نفس الألم.
رجعت لبيتي في آخر اليوم، وقفت قدام المراية.
ماكانش فيه شاش.
ماكانش فيه خوف.
ماكانش فيه حد واقف ورايا يقولي أعمل إيه.
بس أنا
وحياتي
واختياراتي.
ابتسمت لنفسي وقلت
من يوم ما اتولدت، كانوا بيحاولوا يخبّوا وشي عن العالم لكنهم ماقدروش يخبّوا روحي.
وأغلقت النور.
وهكذا انتهت الحكاية
بنت قضت 18 سنة خلف الشاش، خرجت في النهاية من القصر، ومن الخوف، ومن سيطرة الآخرين وبدأت أخيرًا تعيش الحياة التي اختارتها بنفسها.

تم نسخ الرابط