من يوم ما اتولدت

لمحة نيوز

على الترابيزة.
طب هو فين دلوقتي؟
سكتت أمي شوية، وبعدين قالت
عايش.
الكلمة نزلت عليّ كأنها صدمة جديدة.
يعني جدي عايش كمان؟
أيوه لكن أبوكي منع أي حد في العيلة من الوصول ليه.
جوزي كان واقف بيسمع من غير ما يتدخل.
سأل أمي
وإيه علاقة الجد بالشاش؟
أمي بصت لي وقالت
يوم ولادتك، جدك كان موجود في المستشفى. وهو أول شخص شاف وشك بعد الولادة.
وقال إيه؟
ابتسمت أمي وسط دموعها.
قال إنك أجمل طفلة شافها في حياته.
نزلت دموعي فورًا.
طول عمري كنت فاكرة إن الناس هتخاف مني
لكن الحقيقة إن أول شخص شافني كان فخور بيا.
أمي كملت
أبوكي كان مختلف معاه بسبب موضوع الميراث. جدك كان عايز يكتب كل ممتلكاته باسمك، لأنه كان شايف إنك الوحيدة اللي تستحقها.
وعشان كده بابا منعني أشوفه؟
مش بس كده.
فتحت أمي صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وأخرجت منه مفتاحًا قديمًا.
جدك كان سايب لك أمانة.
مسكت المفتاح.
أمانة إيه؟
قالت
خزنة.
جوزي سأل
فين؟
أمي ردت
في بنك قديم. والمفتاح ده هو الدليل الوحيد اللي يثبت إنها باسمك.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى البنك.
بعد مراجعة الأوراق، الموظف فتح لنا غرفة صغيرة.
كان فيها صندوق معدني قديم.
وضعت المفتاح في مكانه.
فتحته.
جواه كان فيه خطاب، وصور، ودفتر حسابات.
فتحت الخطاب.
وكان مكتوب
إلى حفيدتي
توقفت أنفاسي.
لو وصلتي للخطاب ده، يبقى أبوكي ماقدرش يمنعك من معرفة الحقيقة.
وتحت الكلام كان فيه توقيع جدي.
قرأنا باقي الرسالة، واكتشفنا إن جدي كان قد نقل جزءًا كبيرًا من ثروته باسمي قبل سنوات، لكنه أخفى الأمر عن أبي حتى لا يستطيع السيطرة عليه.
لكن كان فيه شرط واحد
لا أستطيع التصرف في الثروة إلا بعد أن أثبت أنني أصبحت مستقلة قانونيًا وأعرف حقيقة ما حدث لي.
رفعت عيني لجوزي.
يعني كل اللي حصل
قال
كان محاولة لمنعك من الوصول للحقيقة.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف أمي.
ردت.
وبعد ثوانٍ تغير وجهها.
مين؟
قالت بصوت مرتعش
جدك.
أخذت الهاتف منها.
وسمعت صوت رجل عجوز يقول
يا بنتي أنا مستنيكي من زمان.
دموعي نزلت.
جدو؟
قال
تعالى لي عندي آخر حاجة لازم تعرفيها عن أبوكي.
سألته
إيه؟
سكت لحظة.
ثم قال
أبوكي مش هو اللي كان صاحب فكرة الشاش من البداية.
اتجمدت مكاني.
أمال مين؟
جدي رد بصوت منخفض
أنا.
وسقط الهاتف من إيدي وقعت في الكرسي وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
إنت؟! إنت اللي طلبت يغطوا وشي؟
جدي رد بصوت مكسور
أيوه بس مش للسبب اللي في بالك.
صرخت
أمال ليه؟! أنا عشت 18 سنة وأنا فاكرة إني مشوهة!
سكت طويلًا، ثم قال
لأن يوم ولادتك حصلت محاولة لخطفك من المستشفى.
اتسعت عيني.
إيه؟
في نفس اليوم، مجموعة من الناس كانت بتحاول توصل ليكي بسبب ثروة العيلة. أبوكي كان عنده أعداء كتير، وكانوا عارفين إنك الوريثة الوحيدة لبعض الممتلكات.
أمي بدأت تبكي.
جدي كمل
أنا اقترحت إن وشك يتغطى، لكن كان المفروض الموضوع يستمر فترة قصيرة، لحد ما نأمّن البيت ونغيّر مكانك.
لكن ليه استمر 18 سنة؟
سكت جدي.
ثم قال
لأن أبوكي خاف.
خاف من إيه؟
خاف إنك لما تكبري تعرفي إن كل الممتلكات اللي باسمك حقك إنتِ، مش حقه.
فهمت أخيرًا.
الشاش بدأ كوسيلة حماية
ثم تحول إلى وسيلة سيطرة.
قلت
يعني بابا استغل قرارك؟
أيوه.
وإنت سكت؟
صوته انكسر
حاولت أوقفه، لكنه منعني من الاقتراب منك. ولما أمك اعترضت، أبعدها عنك.
بصيت لأمي، وبعدها قلت
أنا عايزة أشوفه.
جدي سأل
متأكدة؟
أيوه.
بعد ساعات، دخلت القصر لأول مرة من غير الشاش.
الحراس وقفوا مذهولين.
وأنا مشيت وسطهم ورأسي مرفوعة.
دخلت مكتب أبي.
كان واقفًا أمام النافذة.
أول ما شافني، اتغير لون وشه.
قال
إنتِ شلتي الشاش؟
قلت
أيوه.
بص لي طويلًا، ثم قال
كنت عايز أحميكي.
ضحكت بمرارة.
الحماية مش معناها إنك تحبسني عن العالم وتخليني أكره شكلي.
نزل رأسه.
لأول مرة، شفت أبي عاجزًا عن الرد.
قلت
أنا مش جاية آخد فلوسك.
رفع عيني.
أمال جاية ليه؟
جاية آخد حقي في حياتي.
ساد الصمت.
ثم أخرجت الأوراق من حقيبتي وحطيتها أمامه.
كل حاجة عملتها فيا انتهت.
بص للأوراق، وفهم إن سيطرته انتهت فعلًا.
بعد أيام، اجتمعت العيلة كلها.
جدي أعلن الحقيقة كاملة، وأمي رجعت تعيش معايا، وأبي اضطر يعترف بكل اللي حصل.
أما جوزي، ففاجأني وقال
لو عايزة تنهي الجواز، أنا هحترم قرارك.
بصيت له وقلت
لأول مرة حد بيسألني أنا عايزة إيه.
ابتسم.
ودي كانت أهم حاجة كان لازم تتعلميها.
لم أتركه بسبب ما حدث، لأنني اكتشفت أنه لم يكن يريد السيطرة عليّ، بل كان مستعدًا يتركني أختار طريقي.
بدأت حياتي من جديد.
درست الجامعة اللي كنت أحلم بيها، وسافرت، وعملت مشروعًا خاصًا باسمي.
أما الشاش؟
احتفظت بآخر قطعة منه في صندوق صغير.
مش علشان أفتكر خوفي
لكن علشان أفتكر اليوم اللي قررت فيه إن حياتي ملكي أنا.
وبعد سنوات، وقفت قدام المراية من غير شاش، وابتسمت.
وقلت لنفسي
أنا مش البنت اللي كانت مستخبية طول عمرها أنا البنت اللي عرفت حقيقتها، واختارت تعيش.
ومن يومها، ما غطيتش وشي تاني.
ولا سمحت لأي إنسان يقرر عني أنا مين لكن الحكاية ما انتهتش هنا.
بعد ما بدأت أعيش حياتي بحرية، اكتشفت إن جوايا سنين طويلة من الخوف ولسه محتاجة أتعالج منها.
كنت كل ما أدخل مكان جديد، أحس إن الناس بتبص على وشي.
ولو حد بص لي ثانيتين زيادة، قلبي كان يدق بسرعة.
كنت أرجع البيت وأبص في المراية وأسأل نفسي
هو فعلًا شايفني عادية؟
وفي يوم، وأنا في الجامعة، بنت قعدت جنبي وقالت بابتسامة
إنتِ جديدة هنا؟
ابتسمت وقلت
أيوه.
قالت
شكلك هادي أوي.
ضحكت.
لأول مرة حد يوصفني من غير ما يذكر الشاش.
ومع مرور الأيام، بدأت أكون صداقات، وأخرج، وأشارك في الأنشطة، وأتعلم حاجات كنت محرومة منها.
لكن كان عندي هدف واحد
إني أمنع أي طفل من إنه يعيش اللي أنا عشته.
استخدمت جزءًا من أموالي في إنشاء مؤسسة صغيرة لمساعدة الأطفال اللي بيتعرضوا للعزلة أو التنمر بسبب شكلهم أو ظروفهم.
وفي أول يوم افتتاح، وقفت قدام مجموعة أطفال وقلت لهم
محدش من حقه يخليكم تكرهوا نفسكم.
طفلة صغيرة رفعت إيدها وسألتني
وإنتِ كنتِ بتكرهي نفسك؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسمت.
زمان كنت فاكرة إني لازم أخبي نفسي.
وبعدين؟
عرفت إن المشكلة عمرها ما كانت في وشي.
الطفلة ابتسمت.
وفي آخر اليوم، جالي اتصال من أبي.
ترددت قبل ما أرد.
قال بصوت مختلف تمامًا
أنا عايز أعتذرلك.
سكت.
ثم قال
عارف إن كلمة آسف مش هترجع السنين اللي ضاعت.
قلت
لأ، مش هترجعها.
بس أتمنى تسمحيلي أصلح اللي أقدر عليه.
ماوعدتوش إني هنسى.
لكن قلت
ممكن تبدأ بأنك تحترم اختياراتي.
قال
حاضر.
قفلت المكالمة.
ماحسيتش بالانتصار.
حسيت بالراحة.
لأنني أخيرًا بقيت قادرة أسمع صوته من غير ما أخاف.
وبعد فترة، رجع جدي يعيش قريب مني، وأمي بقت تزورني كل يوم تقريبًا.
أما زوجي، فكان أكتر شخص ساعدني أتعلم معنى الحرية.
وفي يوم، سألني
لو رجع بيكي الزمن لأول يوم فكيتِ فيه الشاش، كنتِ هتعملي إيه؟
بصيت له وقلت
كنت هفكه بدري.
ضحك.
حتى لو عرفتي كل اللي حصل؟
هزيت رأسي.
أيوه.
ليه؟
بصيت للمراية.
وقلت
لأن الخوف عمره ما كان هيحميني.
ثم لمست وجهي وابتسمت
الحقيقة كانت أرحم من الكذبة.
ومن يومها، بقيت أحكي قصتي لكل بنت حاسة إنها أقل من غيرها.
وأقول لها جملة واحدة
إوعي تسمحي لحد يقنعك إنك لازم تختفي علشان تستحقي الحب.
وكانت دي أول مرة في حياتي
أحس إن وشي اللي أخفوه عن العالم 18 سنة
بقى السبب اللي خلاني أساعد آلاف الناس يشوفوا قيمتهم الحقيقية مرت سنة كاملة، وحياتي اتغيرت تمامًا.
لكن في يوم، وصلني ظرف من غير اسم مرسل.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة جدًا ليا وأنا طفلة، وكان الشاش مغطي وشي.
وتحت الصورة مكتوب
لسه فيه جزء من الحقيقة ماعرفتيهوش.
قلبي اتقبض.
جريت لأمي، لكن أول ما شافت الصورة، وشها اتغير.
قلت لها
ماما، إنتِ عارفة حاجة؟
سكتت.
اتكلمي.
تنهدت وقالت
فيه شخص تاني كان موجود يوم ولادتك.
مين؟
الدكتور اللي ولّدك.
سألتها
وإيه اللي حصل له؟
قالت
اختفى من البلد بعدها بأيام.
قررت أبحث عنه.
وبعد أسابيع من البحث، قدرنا نوصل لعنوانه في مدينة بعيدة.
سافرنا أنا وأمي وجدي.
لما وصلنا، فتح لنا رجل عجوز الباب.
أول ما شافني، حط إيده على صدره.
وقال
كنت مستني اليوم ده.
جلست أمامه وقلت
أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
فتح درجًا قديمًا وأخرج ملفًا طبيًا.
ده تقرير ولادتك الأصلي.
قلبت الصفحات.
كل شيء كان طبيعيًا.
لا تشوه
ولا مرض
ولا أي سبب طبي يستدعي تغطية وجهي.
ثم أخرج ورقة أخرى.
وقال
دي أهم ورقة.
قرأتها.
كانت ملاحظة كتبها الطبيب في نفس يوم ولادتي
الطفلة سليمة تمامًا، لكن الأب طلب إخفاء وجهها لأسباب أمنية، بناءً على نصيحة أحد أفراد العائلة.
رفعت عيني.
أحد أفراد العائلة؟
الدكتور أومأ.
أيوه.
سألت
مين؟
وقبل ما يجاوب، جدي قال
أنا.
بصيت له مصدومة.
رجعنا لنفس النقطة!
قال جدي
أيوه، لكن فيه شيء ماكنتش عايز أقوله لك.
سألته
إيه؟
أخرج ورقة قديمة.
في يوم ولادتك، وصلني تهديد إن لو ظهرت ملامحك للناس، هيتم استخدامك للوصول إلى ممتلكات العيلة.
سألته
مين هددك؟
نظر إلى أمي.
ثم قال
الشخص مات من سنين لكن كان عنده شريك.
سكتنا جميعًا.
والشريك ده لسه عايش.
شعرت بقشعريرة.
قلت
مين؟
جدي لم يجب.
بدلًا من ذلك، أشار إلى الصورة القديمة الموجودة في الملف.
الصورة كانت تجمعني وأنا رضيعة مع أبي وجدي والطبيب.
وفي الخلفية
كان هناك رجل رابع.
كبرت الصورة.
عرفته فورًا.
كان أحد أقدم موظفي أبي.
الرجل الذي ظل يعمل في القصر طوال طفولتي.
والذي كنت أراه كل يوم تقريبًا.
قلت
هو لسه شغال عند بابا؟
جدي قال
أيوه.
وقتها فهمت إن كل الحراسة اللي كانت حواليا، وكل الأسرار اللي اتخبّت عني، وكل القرارات اللي اتاخدت باسمي
كان ممكن يكون وراءها شخص واحد يعرف كل تفاصيل حياتي.
رجعنا للقصر في نفس الليلة.
لكن هذه المرة، لم أدخل كابنة خائفة.
دخلت وأنا أعرف حقي.
ولما فتحت باب مكتب أبي، وجدته جالسًا وحده.
وضعت الصورة أمامه.
مين ده؟
نظر للصورة.
ولأول مرة، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال
ماكانش لازم تعرفي عنه.
قلت
يبقى هو السبب في كل اللي حصل؟
أبي لم يرد.
ثم قال جملة واحدة
هو اللي طلب مني أخفي وشك وأنا وافقت.
اتسعت عيني.
لكن قبل ما أسأله عن السبب
سمعنا طرقًا على باب المكتب.
ثم دخل الرجل نفسه.
وقف أمامي، وابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
أخيرًا بقيتي تعرفي إن الحكاية ما بدأتش عند الشاش.
ثم أغلق الباب خلفه دخل الرجل وأغلق الباب بهدوء، ثم وقف أمامي.
كنت عارفة إن اللحظة دي ممكن تغيّر كل حاجة.
قلت له
إنت كنت عارفني من يوم ما اتولدت؟
ابتسم وقال
كنت عارف كل حاجة.
أبي ضرب المكتب بإيده.
كفاية يا فؤاد.
بصيت لأبويا.
فؤاد؟
هز رأسه.
أيوه.
فؤاد حط ملف على المكتب.
أبوكي مش الشخص الوحيد اللي أخطأ. أنا كمان غلطت.
فتحت الملف، ولقيت تقارير وصور قديمة.
قال
يوم ولادتك، كانت فيه محاولة لاستغلال اسم العيلة وسرقة ممتلكات والدك. أنا كنت مسؤول عن تأمين القصر وقتها، وكنت مقتنع إن أفضل حل هو إخفاء هويتك عن الناس.
قلت
تم نسخ الرابط