ابويا أصر يجوزني

لمحة نيوز

حاجة واحدة بس
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
أهلًا.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها كانت أصعب عليا من أي لوم.
رديت
أهلًا.
قعدت بعيد عني.
وبدأت تتكلم مع أمي عن الجامعة.
عرفت إنها خلصت دراستها، وكملت طريقها، وبقت بتشتغل وبتساعد والدها.
كنت بسمع كلامهم وأنا حاسس إن صورة منار القديمة اللي في دماغي بتتكسر واحدة واحدة.
وفي لحظة، سألتني
مراتك اسمها إيه؟
قلت
سارة.
ابتسمت وقالت
ربنا يسعدكم.
بس.
ولا كلمة زيادة.
كنت أنا اللي مش قادر أبص في عينيها.
وبعد شوية، خرجت منار من الصالة.
فضلت متابعها بعيني لحد ما اختفت.
مراتي لمست إيدي وقالت
إنت تعرفها كويس؟
اتوترت.
قلت
دي بنت عمي.
قالت
واضح إن بينكم حكاية.
سكت.
مكنتش عارف أقول إيه.
لكن في نفس اللحظة، أبويا ناداني
تعالى معايا.
دخلت وراه أوضة المكتب.
قفل الباب.
وقعد على الكرسي.
وبصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
فاكر ليلة جوازك من منار؟
قلبي وقع.
قلت
أيوه.
قال
في حاجة لازم تعرفها.
سكت.
ثم مد إيده ناحية درج مكتبه، وطلّع ظرف قديم.
حطه قدامي.
وقال
الظرف ده كان ممكن يغير كل حاجة من خمس سنين.
بصيت للظرف.
وكان عليه اسم منار.
رفعت عيني لأبويا وقلت
إيه ده؟
رد بصوت هادي
حاجة منار طلبت مني أخبيها عنك.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
وقبل ما أقرأ أول سطر، أبويا قال
بعد ما تعرف اللي جواه هتفهم ليه منار عمرها ما حاولت تنتقم منك.
ساعتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأن لأول مرة فهمت إن الخمس سنين اللي فاتوا
كان فيهم جزء من الحقيقة محدش قالهولي فتحت الظرف ببطء.
كان جواه ورق كتير، وفي أول ورقة لقيت خط منار.
إيدي بدأت ترتعش.
رفعت عيني لأبويا وقلت
إيه ده؟
قال
اقرأ.
بدأت أقرأ.
كانت رسالة كتبتها منار بعد اللي حصل بأيام.
كانت بتقول إنها مش عايزة مشاكل، ولا عايزة حد يضغط عليا، ولا عايزة عمي يدخل في خناقة مع أبويا.
لكن أكتر جملة وقفت عندها كانت
أنا مش عايزة حد يعاقبه عشاني لأنه مهما كان، هو اختار يعمل كده، ولازم في يوم يفهم لوحده هو عمل إيه.
سكت.
كملت القراءة.
كانت بتحكي عن الفترة اللي بعدها.
عن كلام الناس.
عن نظرات بعض أهل البلد.
عن أيام كانت بتروح فيها الجامعة وهي بتسمع كلام يوجعها من ورا ضهرها.
لكنها كانت مصممة تكمل.
كتبت
أنا مش هسيب مستقبلي يضيع بسبب قرار شخص تاني.
نزلت الورقة من إيدي.
بصيت لأبويا.
قلت
إنت كنت عارف الكلام ده كله؟
هز راسه.
أيوه.
وليه مخبيه عني؟
اتنهد وقال
لأنك وقتها مكنتش هتسمع.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
حاولت أدافع عن نفسي
أنا كنت غضبان.
رد بهدوء
الغضب مش عذر.
سكت.
وبعدين قال
إنت فاكر إن منار كانت ضعيفة؟
بصيتله.
كمل
أنا كنت فاكر إنها هتنهار. عمي كان فاكر كده. حتى أمها كانت خايفة عليها. لكن البنت دي فاجأتنا كلنا.
خرجت من الأوضة وأنا مش قادر أرفع عيني.
لقيت مراتي قاعدة مع أمي.
منار كانت موجودة في الصالة.
أول ما شافتني، قامت.
قلت بسرعة
منار ممكن أتكلم معاكي؟
بصتلي شوية، وبعدين قالت
اتفضل.
خرجنا ناحية الحوش.
وقفنا بعيد عن باقي الناس.
أنا كنت مجهز كلام كتير.
لكن لما وقفت قدامها، كل الكلام اختفى.
قلت
أنا قريت الرسالة.
قالت
عرفت.
إنتِ ليه عملتي كده؟
بصتلي باستغراب
عملت إيه؟
ليه مقولتيش لأبويا يحكيلي؟
ابتسمت بحزن وقالت
كنت عايزة إيه؟ أرجعك غصب؟
سكت.
كملت
إنت كنت رافضني من البداية. وأنا مش هعيش عمري كله أحاول أقنع حد بيا.
الكلام كان بسيط، لكنه وجعني.
قلت
أنا ظلمتك.
قالت
أيوه.
أول مرة تقولها صريحة.
مفيش تبرير.
مفيش مجاملة.
بس الحقيقة.
قلت
أنا آسف.
بصتلي طويلًا.
وبعدين قالت
أنا سامحتك من زمان.
فرحت للحظة.
لكنها كملت
بس المسامحة مش معناها إن اللي حصل ميتنساش.
نزلت عيني.
قالت
أنا مش عايزة منك حاجة. ولا عايزة منك تبرير. كل اللي كنت محتاجاه وقتها إنك تسمعني.
رفعت عيني ليها.
قالت
بس إنت مديت نفسك الحق تحكم عليا قبل ما تسمعني.
ملقتش رد.
وبعد لحظات، قالت
وعشان كده في حاجة تانية لازم تعرفها.
اتوترت.
إيه؟
قالت
أنا عمري ما حكيت لأبويا كل اللي حصل بينا.
سألتها
ليه؟
بصت ناحية البيت.
وقالت
لأن في سبب خلاني أختار أسكت سبب لو كنت عرفته وقتها، يمكن كنت هتتغير حياتك وحياتي كلها.
وقبل ما أسألها عن السبب، نادت أمي من جوه
منار! تعالي بسرعة.
منار بصتلي وقالت
مش هنا.
وسابتني واقف لوحدي.
لكن المرة دي، عرفت إن الحكاية لسه مخلصتش.
لأن السر اللي كانت مخبياه من خمس سنين
مكنش متعلق بيها لوحدها.
كان متعلق بيا أنا كمان رجعت للبيت وأنا دماغي مشغولة بكلام منار.
السر مش متعلق بيا لوحدي متعلق بيك إنت كمان.
الجملة فضلت تلف في دماغي.
حاولت أسأل أبويا، لكنه رفض يتكلم.
قلتله
إنت عارف هي كانت تقصد إيه؟
قال
مش كل حاجة لازم تعرفها مني.
يعني إيه؟
رد
لو منار عايزة تقولك، هتقولك بنفسها.
دخلت أوضتي وأنا متضايق.
مراتي كانت ملاحظة إن في حاجة غلط.
قالت
إنت من ساعة ما جيت البلد وإنت مش على بعضك.
قلت
في حاجات قديمة بحاول أفهمها.
قالت
متفضلش تعاقب نفسك على حاجة حصلت من خمس سنين.
بصيتلها.
كان عندها حق.
لكن اللي مكنتش عارف أقولهولها إن المشكلة مش إني بفتكر الماضي.
المشكلة إن الماضي كان لسه عايش حواليا.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.
لقيت أبويا قاعد لوحده.
قعدت جنبه.
قلت
أنا مش جاي أفتح مشاكل.
قال
عارف.
بس عايز أفهم.
فضل ساكت.
قلت
منار قالتلي إن في حاجة كانت مخبياها عني.
أبويا تنهد.
وقال
هي وعدتني إني مش هقولك.
وإنت هتفضل ساكت؟
قال
أنا احترمت وعدي.
فضلت ساكت شوية.
وبعدين سألته
هي كانت بتخبي ليه؟
بصلي وقال
عشان تحميك.
ضحكت من غير ما أحس.
تحميني أنا؟ بعد كل اللي عملته فيها؟
قال
أيوه.
وبعدين أضاف
لأن منار، رغم كل اللي حصل، عمرها ما كانت عايزة تنتقم.
خرجت من البيت وأنا مش فاهم.
وفي الطريق قابلت عمي.
وقفت قدامه.
قلت
عمي، ممكن أسألك سؤال؟
قال
اتفضل.
منار كانت مخبية عني إيه؟
ملامحه اتغيرت.
قال
دي حاجة ترجع لها.
قلت
أنا محتاج أفهم.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
لو عايز تفهم، روح لها.
فين؟
ابتسم.
في الجامعة القديمة.
رحت.
وقفت قدام المكان اللي كانت بتدرس فيه من سنين.
لقيتها خارجة من الباب ومعاها كتب.
لما شافتني، وقفت.
قلت
منار، محتاج أتكلم معاكي.
قالت
اتكلم.
قلت
أنا عرفت إن في حاجة حصلت من خمس سنين، وإنتِ اخترتي تخبيها.
قالت
مش كل حاجة لازم تتقال.
بس أنا لازم أعرف.
سكتت.
وبعدين قالت
فاكر اليوم اللي خرجت فيه من بيت أبوك؟
قلت
أيوه.
قالت
بعدها بيومين، حصلت حاجة صغيرة لكن الحاجة دي غيرت قراري إني أتكلم.
إيه اللي حصل؟
بصتلي في عيني.
وقالت
وصلني خبر إنك كنت ناوي تعمل حاجة معينة قبل ما تتجوزني.
اتوترت.
مين قالك؟
قالت
مش مهم.
إيه الحاجة؟
ردت
إنك كنت ناوي تستخدم أول مشكلة بينا كسبب عشان تسيبني وتمشي القاهرة.
اتصدمت.
أنا فعلًا كنت مخطط لكده.
لكن معرفتش مين حكى لها.
قلت
مين قالك؟
قالت
اللي قال لي كان عايزني أكرهك.
وإنتِ؟
قالت
أنا رفضت.
سكت.
ثم أضافت
لأنني اكتشفت إنك مش وحش زي ما الناس كانت بتقول إنت كنت ضعيف قدام ضغط أبوك، وكنت أناني، لكن كان ممكن تتغير.
الكلام وجعني أكتر من أي اتهام.
قلت
بس أنا ظلمتك.
قالت
أيوه.
ومع ذلك سامحتيني؟
قالت
سامحتك عشان أنا مش عايزة أفضل عايشة طول عمري في دور الضحية.
سكتنا.
وبعدين قالت
بس في حاجة أهم.
قلت
إيه؟
قالت
أنا عرفت الحقيقة كاملة بعد ما سبتني.
حقيقة إيه؟
بصتلي وقالت
عن أبوك وعن السبب الحقيقي اللي خلاه مصر على جوازنا.
اتجمدت.
لأن لأول مرة، بدأت أشك إن جوازنا من البداية
مكانش مجرد رغبة من أبويا في تقوية الشراكة بينه وبين عمي.
كان في سبب تاني.
وسبب أكبر بكتير مما كنت أتخيل روحت بيت عمي وأنا مش عارف إيه اللي مستنيني.
دخلت، لقيت عمي قاعد لوحده.
قال
منار في أوضتها.
سألته
قالتلك إيه؟
رد
قالت إنها مش هتخبي أكتر من كده.
دخلت الصالة، وبعد دقائق خرجت منار.
كانت ماسكة ملف صغير.
قعدت قدامي، وحطته على الترابيزة.
وقالت
قبل ما أقولك أي حاجة، عايزاك توعدني إنك هتسمع للآخر.
قلت
أوعدك.
فتحت الملف.
كان فيه صور من عقود قديمة، وإيصالات، وورق خاص بالشراكة بين أبويا وعمي.
قالت
أنا عرفت بعد طلاقنا إن أبوك كان داخل في أزمة كبيرة.
بصيتلها باستغراب.
قالت
مش أزمة فلوس بس كان فيه خلاف على ملكية الأرض، وكان ممكن الشراكة كلها تنتهي.
سألتها
وإيه علاقة جوازنا؟
قالت
عشان أبوك كان شايف إن جوازنا هيخلي كل حاجة تفضل بين العيلتين.
سكت.
قالت
لكن فيه حاجة تانية أنت متعرفهاش.
رفعت عيني لها.
قالت
قبل الجواز بأيام، أبوك راح لأبويا وقاله إن عنده شرط.
شرط إيه؟
قالت
إن لو الجواز فشل، كل طرف يحتفظ بحقه، ومحدش يطالب التاني بأي حاجة.
بدأت أفهم.
قالت
يعني أبوك كان عايز يضمن إن الجوازة متبقاش سبب في خسارة الشراكة.
ضحكت بمرارة.
يعني أنا كنت بند في عقد؟
منار قالت
أنا كمان حسيت بكده.
سكتنا.
وبعدين قالت
لكن ده مش كل حاجة.
فتحت ورقة تانية.
وقالت
بعد الطلاق بأسبوع، بابا راح لأبوك.
قلت
ليه؟
قالت
عشان يطلب منه حاجة.
إيه؟
قالت
إنه يعترف قدام العيلة إن اللي حصل كان بسبب ضغطه عليك.
اتصدمت.
وأبويا وافق؟
هزت راسها
لأ.
ليه؟
قالت
عشان كان خايف إن اعترافه يهد كل حاجة.
سكت.
ثم قالت
بابا كان ممكن يعمل مشكلة كبيرة. لكنه اختار يسكت.
قلت
ليه؟
ابتسمت بحزن
عشاني.
فضلت ساكت.
قالت
قال إن لو الناس عرفت إن أبوك هو اللي ضغط عليك، الكلام ممكن يهدى شوية لكن هيبدأ كلام تاني عن إن بنت عمي اتجوزت غصب، وإن الجوازة كانت صفقة، وإن العيلتين ضيعوا بنتهم وابنهم.
فقرر يسكت.
وأنا كمان سكت.
سألتها
كل السنين دي؟
قالت
أيوه.
وليه؟
ردت
لأن كان عندي حاجة أهم أعملها.
إيه؟
قالت
أبني نفسي.
بصتلي بثبات.
أنا دخلت الجامعة وأنا مكسورة. لكن قلت لنفسي إن لو فضلت مستنية الناس تعتذرلي، عمري كله هيضيع.
سكت.
قالت
فدرست، واشتغلت، وكملت.
وبعدين قالت جملة هزتني
أنا مكنتش عايزة أثبتلك إنك خسرتني كنت عايزة أثبت لنفسي إني متهدمتش.
نزلت عيني.
لأول مرة فهمت إن كل السنين اللي كنت عايش فيها وأنا فاكر إني خرجت منتصر
كانت هي بتبني حياة جديدة من الصفر.
قلت
طب ليه رجعتي البلد؟
قالت
عشان بابا تعب، ومبقتش عايزة أكون بعيدة عنه.
ثم سكتت.
وبصتلي وقالت
وكمان عشان كنت عارفة إنك هترجع في يوم.
قلبي اتقبض.
قلت
كنتِ مستنياني؟
هزت راسها
مش مستنياك ترجع ليا مستنياك ترجع لنفسك.
مش فاهم.
قالت
كنت مستنياك في يوم تفهم إن اللي حصل مكنش مشكلة فيا.
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين وقفت.
وقالت
دلوقتي إنت عرفت الحقيقة.
قلت
لسه في حاجة.
بصتلي.
قلت
حاسس إن في حاجة أكبر من كل ده.
منار سكتت.
وبعدين قالت
أيوه.
إيه؟
قالت
في ورقة أبوك مخبيها.
اتجمدت.
ورقة إيه؟
قالت
ورقة لو شفتها هتعرف إن أبوك مكانش بيحاول يحافظ على الشراكة بس.
سألتها
أمال كان بيحاول يحمي مين؟
منار بصتلي طويلًا.
وقالت
كان بيحاول يحميك إنت فضلت واقف قدام منار، مش قادر أتكلم.
قلت لها
يعني إيه سبب تاني؟
قالت
أبوك عمره ما قالك الحقيقة كاملة.
طب قولي.
هزت راسها
مش أنا اللي المفروض أقولك.
اتعصبت
أمال مين؟
قالت بهدوء
أبوك.
رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي من كتر التفكير.
دخلت على أبويا، وقفلت الباب ورايا.
قلتله
أنا عرفت إن جواز منار كان وراه سبب تاني.
أبويا سكت.
قلت
عايز الحقيقة.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
كنت مستني اليوم ده.
يعني إيه؟
فتح درج المكتب تاني.
طلع ملف قديم، وحطه قدامي.
قال
إنت فاكر إن شراكتنا أنا وعمك كانت بس في الأرض والشغل؟
قلت
أيوه.
قال
الشراكة كانت أكبر من كده.
فتح الملف.
كان فيه عقود ومستندات قديمة.
وبين الورق، لقيت عقد مكتوب من سنين.
قرأته بسرعة، وبعدين رفعت عيني
إيه ده؟
قال
ده اتفاق بيني وبين عمك.
اتفاق على إيه؟
قال
لو حصلت ظروف معينة، جزء كبير من الأرض والشغل كان هينتقل لمنار.
اتصدمت.
قلت
وليه؟
قال
لأن عمك كان شريك أساسي، وكان عايز يضمن مستقبل بنته.
فضلت أقلب في الأوراق.
وفجأة لقيت حاجة تانية.
ورقة بتاريخ قبل الجواز بشهور.
قرأتها.
وكان مكتوب فيها إن جوازنا هيخلي ملكية معينة تفضل داخل
تم نسخ الرابط