ابويا أصر يجوزني
أبويا كان شايف إن الجواز مش مجرد اختيار بين اتنين بيحبوا بعض لأ، بالنسبة له كان صفقة كبيرة بتربط عيلتين ببعض.
أبويا وعمي كانوا شركاء في الأرض والشغل، وعلاقتهم كانت قوية، لكنه كان شايف إن أقوى شراكة ممكن تحصل هي إن ابنه يتجوز بنت أخوه.
وعشان كده اختارلي منار بنت عمي.
منار كانت بنت بسيطة وهادية، لسه في أولى جامعة، متربية وسط أهلها، ومش بتعرف من الدنيا غير دراستها وبيتها وأهلها.
أنا مكنتش شايف نفسي معاها خالص.
كنت شاب عايز أعيش في القاهرة، أشتغل في شركة كبيرة، أتعرف على ناس جديدة، وأبني لنفسي حياة مختلفة عن الحياة اللي أبويا رسمهالي.
لما أبويا قالي
هتتجوز منار.
بصيتله وقلت من غير تردد
لأ.
رفع عينه من الورق اللي كان قدامه وبصلي كأنه مش مصدق إني رفضت.
قال بهدوء مخيف
إنت بتقول إيه؟
رديت
بقول إني مش عايز أتجوزها. منار بنت عمي وأنا بحترمها، بس مش شايفها مراتي.
اتغيرت ملامحه وقال
يعني كل اللي أنا عملته عشانك، وكل اللي بنيته، وفي الآخر تيجي تقوللي مش عايز؟
حاولت أشرحله إن دي حياتي وإن الجواز مش شراكة أرض ولا صفقة شغل.
لكنه قاطعني
لو مش هتتجوز منار، يبقى ملكش مكان هنا.
سكت.
كمل وهو بيبصلي بثبات
الشغل ده بتاعي، والبيت ده بيتي، والفلوس اللي إنت عايش منها فلوسي. يا تتجوز بنت عمك وتفضل ابني وسندي، يا تختار طريقك وتخرج من البيت ده من غير ما تستنى مني حاجة.
الكلام وقع عليا تقيل.
كنت عارف إن أبويا قادر ينفذ اللي بيقوله.
وفي الآخر، بعد أيام من الضغط والخناق، وافقت.
لكن الحقيقة إني وافقت بجسمي بس.
أما دماغي، فكانت بتدور على أي طريقة أخلص بيها من الجوازة دي.
وقلت لنفسي
هتجوزها، وبعد فترة صغيرة أختلق أي مشكلة، وأطلب الطلاق، وأمشي للقاهرة وأعيش حياتي زي ما أنا عايز.
كنت فاكر إن الموضوع هيخلص بسهولة.
لكن ليلة الفرح، وأنا واقف جنب منار، شفت قدامي بنت مختلفة تمامًا عن الصورة اللي كنت عاملها في دماغي.
كانت متوترة، ساكتة، وكل شوية تبص للأرض.
ولما خلصت الليلة وبدأنا نتكلم لوحدنا، كانت مرتبكة جدًا.
حاولت أطمنها.
لكن أنا نفسي كنت متوتر من المستقبل اللي دخلته غصب عني.
وفي اللحظة دي، حصل موقف بسيط جدًا
موقف كان ممكن يعدي في ثواني.
لكن عقلي وقتها بدأ يفسره بطريقة غلط.
وبدل ما أسأل نفسي سؤال واحد بسيط
هل أنا فعلًا عايز أظلم البنت دي؟
سمحت للغضب والرفض اللي جوايا يسيطروا عليا.
ومن هنا بدأت أكبر غلطة في حياتي
غلطة هفضل أدفع تمنها سنين.
لأن اللي حصل في الليلة دي، مكنش مجرد خلاف بين عريس وعروسته
كان بداية حكاية قلبت حياة عيلتين بالكامل بصيت لمنار، لقيتها واقفة قدامي مش فاهمة أنا ساكت ليه ولا إيه اللي بيدور في دماغي.
قالت بصوت ضعيف
مالك؟ إنت كويس؟
السؤال كان بسيط جدًا، لكن بدل ما أجاوبها بهدوء، افتكرت كل حاجة حصلت قبل الجواز.
افتكرت تهديد أبويا.
افتكرت إني اتجوزت واحدة أنا مكنتش عايزها.
وافتكرت الخطة اللي كنت راسمها لنفسي قبل الفرح.
كنت عايز أهرب.
لكن في اللحظة دي، بدل ما أواجه أبويا وأتحمل نتيجة قراري، عقلي بدأ يدور على مخرج أسهل.
لقيت نفسي بقول لمنار
إنتِ كنتِ عايشة فين قبل ما تتجوزيني؟
بصتلي باستغراب
يعني إيه؟ في بيتنا.
ومين كان بيجيلكم؟
اتوترت وقالت
محدش إنت عارف إن بابا مش بيحب حد يدخل البيت.
سكت شوية.
كان جوايا صوت بيقول لي إنت عارف البنت دي من سنين، وعارف أخلاقها متظلمهاش.
لكن صوت تاني كان أقوى، صوت بيقول
دي فرصتك تخلص من الجوازة.
وبدأت أسألها أسئلة كتير بطريقة خلتها تحس إني باتهمها.
منار بدأت تبكي.
قالت
إنت بتشك فيا ليه؟
رديت بعصبية
أنا بسأل.
قالت وهي بتمسح دموعها
بس أسئلتك مش طبيعية.
كنت عارف إنها عندها حق.
وعارف إن مفيش أي سبب حقيقي يخليني أشك فيها.
لكن بدل ما أوقف نفسي، كملت.
وصلت الأمور بينا لطريق مسدود، وفي لحظة غضب قلت كلام قاسي جدًا.
منار بصتلي كأنها أول مرة تشوفني.
وقالت
أنا عمري ما أذيتك ليه بتعمل فيا كده؟
ملقتش إجابة.
لأن الحقيقة إن المشكلة مكانتش فيها.
المشكلة كانت فيا أنا.
أنا اللي دخلت الجوازة وأنا رافضها.
أنا اللي كنت بدور على حجة أهرب بيها.
وأنا اللي كنت مستعد أظلم إنسانة بريئة عشان أوصل للي أنا عايزه.
ومع تصاعد الخلاف، منار انهارت في البكاء.
مدت إيدها لتليفونها، لكنها رجعتها تاني، كأنها كانت خايفة تعمل أي حاجة تزود المشكلة.
وأنا وقتها، بدل ما أهدى، عملت أسوأ حاجة ممكن يعملها إنسان وهو غضبان.
اتصلت بعمي.
أول ما رد، قلتله
تعالى خد بنتك.
سكت لحظة، وبعدين صوته اتغير
في إيه؟
قلت
تعالى بس.
مفهمتش منار أنا بعمل إيه غير لما سمعتني بقول
أنا مش هكمل الجوازة دي.
وشها اتغير تمامًا.
قالت
يعني إيه؟
ما جاوبتهاش.
وبعد أقل من ساعة، باب البيت اتفتح بعنف.
دخل عمي، وورا أبويا.
وأول ما عمي شاف بنته بالحالة دي، اتجمد مكانه.
قرب منها وقال
منار مالك؟
منار مقدرتش ترد.
أبويا بصلي وقال
إنت عملت إيه؟
رديت بعناد
أنا مش هكمل.
قال
طب ليه؟
قلت
مش مرتاح.
عمي انفجر
مش مرتاح؟! إنت فاكر بنتي لعبة؟
بدأت الأصوات تعلى.
أبويا كان بيحاول يفهم اللي حصل، وعمي كان بيحاول يحمي بنته من أي كلمة زيادة.
أما منار
فكانت قاعدة في ركن بعيد، ساكتة تمامًا.
وفجأة رفعت عينيها وبصتلي.
النظرة دي كانت مختلفة.
مكانش فيها غضب.
ولا كراهية.
كان فيها وجع.
وقالت بهدوء
أنا كنت فاكرة إنك على الأقل هتديني فرصة.
الكلمة دي هزتني للحظة.
لكن كبريائي منعني أرجع.
وأخدت قرارًا متسرعًا، قرار مكنتش فاهم وقتها إنه هيغير حياتنا كلنا.
ومن اللحظة دي، بدأت الحكاية الحقيقية
لكن اللي مكنتش أعرفه إن السنين الجاية هتخليني أتمنى لو أقدر أرجع لليلة دي دقيقة واحدة بس الصبح طلع وأنا حاسس إن البيت كله بقى غريب.
الفرح اللي كان المفروض يبقى بداية حياة جديدة، اتحول في ساعات قليلة لبيت مليان صمت ووشوش مكسورة.
عمي أخد منار ومشي.
قبل ما تخرج، وقفت عند الباب لحظة، وبصتلي.
مكنتش بتبكي المرة دي.
كانت ساكتة، لكن عينيها كانت مليانة كلام.
قالت بهدوء
ربنا يسامحك.
ومشيت.
الكلمة فضلت ترن في ودني.
أما أبويا، ففضل واقف في الصالة فترة طويلة من غير ما يتكلم.
وأخيرًا قال
إنت فاهم إنت عملت إيه؟
رديت بعناد
فاهم.
قال
إنت كسرت بنت أخويا.
سكت.
كمل
ولو كنت مش عايزها من الأول، كان لازم تقول. لكن إنك تدخل عليها وتخرجها بالطريقة دي دي مش رجولة.
الكلمة وجعتني.
لكن بدل ما أعترف بغلطتي، رديت
أنا مش هعيش حياتي عشان أرضي حد.
أبويا بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
إنت حر.
دخل أوضته وقفّل الباب.
بعدها بساعات، لمّيت هدومي.
كنت فاكر إني أخيرًا كسبت.
هخرج من البيت.
هروح القاهرة.
هعيش بالطريقة اللي كنت بحلم بيها.
لكن وأنا شايل الشنطة، وقفت قدام المراية للحظة.
ولأول مرة سألت نفسي
هو أنا فعلًا كسبت؟
حاولت أطرد السؤال من دماغي.
وسافرت القاهرة.
بدأت حياة جديدة.
شغل جديد.
ناس جديدة.
ومع الوقت، بدأت أقنع نفسي إن اللي حصل في البلد بقى مجرد ذكرى.
لكن الذكريات مبتختفيش لمجرد إننا قررنا منفتكرهاش.
كل ما كنت أسمع اسم منار بالصدفة، كنت بتوتر.
وكل ما حد يسألني عن سبب إن الجوازة انتهت بسرعة، كنت أغير الموضوع.
بعد شهور، بدأت أسمع أخبارها من بعيد.
عرفت إنها كملت دراستها.
عرفت إنها رجعت الجامعة رغم كل الكلام اللي اتقال عليها.
وعرفت إنها كانت بتخرج الصبح وتروح محاضراتها وترجع، وكأنها بتحاول تثبت لنفسها قبل أي حد إنها مش هتسمح للي حصل يدفن مستقبلها.
في مرة، أمي اتصلت بيا.
قالت
منار نجحت.
قلت ببرود
ربنا يوفقها.
لكن أول ما قفلت، فضلت ساكت شوية.
كنت فاكر إني مش مهتم.
لكن الحقيقة إني كنت متابع أخبارها أكتر مما كنت أحب أعترف لنفسي.
مرت سنة.
وبعدين سنتين.
وأنا في القاهرة بدأت أحقق جزء من الحياة اللي كنت بحلم بيها.
شغل مستقر.
مرتب كويس.
أصحاب.
خروجات.
وحياة بعيدة عن سيطرة أبويا.
وفي يوم، قابلت بنت في الشغل.
كانت مختلفة عن كل الناس اللي عرفتها.
مثقفة، هادية، وطموحة.
حسيت إنها أقرب للصورة اللي كنت دايمًا برسمها لزوجة المستقبل.
ومع الوقت، قررت أتقدم لها.
اتصلت بأبويا وقلتله
أنا هتجوز.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
ربنا يكتبلك الخير.
ما جادلنيش.
ما حاولش يمنعني.
يمكن لأنه كان شايل جواه إحساس بالذنب تجاه اللي حصل لمنار.
ويمكن لأنه كان عارف إن أي كلام منه مش هيغير حاجة.
اتجوزت.
ومرت السنين.
خمس سنين كاملة.
خلال الخمس سنين دول، تقريبًا انقطعت عن البلد.
مكنتش بروح غير نادر جدًا.
وكل مرة كنت بفكر أرجع، كنت أفتكر وش منار وهي واقفة عند الباب.
فأغير رأيي.
كنت بهرب من المواجهة.
لكن الهروب له نهاية.
وفي يوم، صحيت الصبح وقلت لمراتي
إيه رأيك نروح البلد؟
بصتلي باستغراب
فجأة كده؟
ابتسمت وقلت
أبويا وأمي كبروا، ولازم أزورهم.
وافقت.
وفي الطريق، كنت ساكت أغلب الوقت.
كل ما العربية تقرب من البلد، ضربات قلبي كانت بتزيد.
مراتي لاحظت وقالت
إنت متوتر؟
قلت
شوية.
دخلنا الشارع.
شفت البيت من بعيد.
نفس البيت.
نفس البوابة.
لكن أنا مكنتش نفس الشخص اللي خرج منها من خمس سنين.
نزلت من العربية، ومشيت ناحية الباب.
فتحت أمي.
حضنتني وهي بتعيط.
وبعدين بصت لمراتي ورحبت بيها.
دخلنا.
كنت فاكر إن أصعب لحظة هتكون لما أشوف أبويا.
لكن أول ما دخلت الصالة، أبويا قال جملة واحدة
خلتني أتجمد مكاني.
لأنها كانت مرتبطة بمنار.
ومرتبطة بسر أخفاه الجميع عني طوال الخمس سنين أبويا كان قاعد في مكانه، ولما شافني وقف ببطء.
حضني، لكن الحضن كان غريب.
كان فيه فرحة، وفيه حاجة تانية معرفتش أحددها.
بعد ما سلم على مراتي، قعدنا كلنا.
وأنا كنت بحاول أتصرف طبيعي، لكن عيني كانت بتلف في البيت من غير ما أحس.
كنت بدور على أي أثر لمنار.
لكن مفيش حاجة.
سألت أمي
منار أخبارها إيه؟
أمي بصت لأبويا بسرعة.
نظرة صغيرة جدًا، لكنها لفتت انتباهي.
أبويا قال
كبرت.
قلت
يعني أخبارها إيه؟
رد
كملت تعليمها.
سكت لحظة، وبعدين قال
وبقت أحسن مما كنت متخيل.
مش عارف ليه الكلمة ضايقتني.
يمكن لأني كنت متوقع أسمع إنها انهارت أو بطلت تعليمها.
كنت محتاج أعرف إن القرار اللي أخدته كان نهاية حياتها.
لكن الظاهر إن الحياة كان عندها رأي تاني.
بعد شوية، دخل عمي.
أول ما شافني، وقف مكانه.
الجو كله اتغير.
مراتي قامت سلمت عليه، وهو رد عليها باحترام.
لكن لما بصلي، ملامحه كانت جامدة.
قال
نورت البلد.
رديت
الله ينور عليك.
قعد، لكن ما اتكلمش معايا كتير.
وبعد فترة، سألني فجأة
إنت عايز تشوف منار؟
قلبي دق بسرعة.
بصيتله من غير ما أجاوب.
مراتي كانت قاعدة جنبي، وأبويا وأمي ساكتين.
قلت
هي هنا؟
عمي ابتسم ابتسامة غريبة وقال
أيوه.
قبل ما أقول أي حاجة، سمعنا صوت مفتاح في الباب.
الباب اتفتح.
ودخلت منار.
للحظة، معرفتش إنها هي.
كانت مختلفة تمامًا.
مش البنت الصغيرة اللي كانت واقفة قدامي من خمس سنين وهي مرعوبة.
كانت لابسة لبس بسيط، ماسكة كتب في إيدها، ووشها هادي جدًا.
دخلت، سلمت على الموجودين.
وبعدين شافتني.
وقفت.
ثواني طويلة مرت من غير ما حد يتكلم.
أنا كنت مستني إنها تزعل.
أو تعيط.
أو حتى تبصلي بغضب.
لكنها عملت