مراتى
المحتويات
وسط مانهاتن.
طول الطريق ما اتكلمتش.
وأنا كنت ماسك المفتاح في إيدي.
سألتها
المفتاح ده كان مع مين؟
قالت بصوت منخفض
مع والدك.
إزاي وصل لك؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
قبل الحادثة بأسبوع، أبوك كان باعتلي رسالة.
اتصدمت.
أبويا؟ قبل ما يموت بعشر سنين؟
لا كان بيتكلم عنك أنت. قال إن في يوم ممكن يحصل لك حاجة، وإن المفتاح ده لازم يفضل مع شخص تثق فيه.
ضحكت بمرارة.
وإنتِ كنتِ الشخص ده؟
قالت
أيوه.
طب ليه خبيتي عليا؟
نزلت دموعها.
لأنك بعد الحادثة كنت بتتعالج، والدكاترة قالوا إن حالتك النفسية هشة. كنت خايفة لو عرفت إن الحادثة متدبرة تنهار.
ليلى قاطعتها
بس هي كانت عارفة إن عينك ممكن تتعالج.
سكتُّ.
التفتُّ ناحية صوتها.
إيه؟
قالت
بابا كان عنده ورق عن علاج معين.
سلمى قالت بسرعة
ليلى، مش هنا.
لكن أنا صرخت
لا! كفاية أسرار! أنا عايز أعرف كل حاجة!
العربية سكتت تمامًا.
وبعد دقائق، وصلنا لمبنى قديم.
نزلنا.
دخلنا من باب جانبي، وصعدنا عدة أدوار لحد ما وقفنا أمام باب خشبي.
طلعت المفتاح.
دخلته في القفل.
وفتح الباب.
أول ما دخلت، حسيت برائحة أعرفها.
رائحة مكتب والدي.
الخشب القديم ورائحة القهوة وحتى العطر اللي كان بيستخدمه.
وقفت مكاني.
رغم إني مش شايف، حسيت كأني رجعت طفل تاني.
قالت سلمى
المكان ده مقفول من يوم وفاة والدك.
مشيت ببطء.
مددت إيدي على المكتب.
ولقيت درجًا صغيرًا.
فتحتُه.
كان فاضي.
قلت
فين الورق؟
ليلى قالت
مش في الدرج.
أمال فين؟
قالت
دور على المكان اللي أبوك كان بيخبي فيه الحاجات المهمة.
ابتسمت رغم توتري.
تحت الأرض؟
قالت
لأ.
سكتت.
ثم قالت
جوه الساعة.
اتجهت ناحية الحائط.
لمست ساعة قديمة معلقة.
وبالفعل، لما ضغطت على جانبها، سمعت صوت نقرة.
اتفتح جزء صغير.
مددت إيدي.
طلعت صندوقًا معدنيًا.
فتحته.
جواه ملف.
أول ورقة لمستها كانت تحمل اسمي.
وتحت اسمي جملة قصيرة
إذا وصل هذا الملف إلى أدهم، فهذا يعني أن الخطر بدأ.
بلعت ريقي.
بدأت أقلب الأوراق.
وفجأة وقعت إيدي على تقرير طبي.
سألت
إيه ده؟
سلمى أخذته.
ثم سكتت.
قلت
اقري.
صوتها كان يرتجف
التقرير بيقول إن إصابة عينيك قابلة للعلاج.
سكتُّ.
ثم سألت
يعني إيه؟
قالت
يعني إن فقدان النظر مش بالضرورة دائم.
لأول مرة من ست شهور، حسيت إن قلبي بيرجع ينبض.
لكن ليلى قالت بهدوء
وده مش كل حاجة.
في إيه تاني؟
قالت
في اسم الشخص اللي أخفى التقرير.
سألت
مين؟
ليلى ردت
الدكتور اللي كان مسؤول عن علاجك.
تجمدت.
لأن الاسم اللي نطقته
كان اسم الطبيب اللي كنت بثق فيه طول الست شهور الماضية.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب المكتب.
سلمى همست
حد جاي.
وليلى قالت
هو وصل.
قلت
مين؟
ردت
الشخص اللي تسبب في كل ده.
ثم انفتح الباب ببطء
وسمعنا صوت رجل يقول
كنت متأكد إنكم هتيجوا هنا صوت الرجل خلاني أتجمد.
ما احتجتش أشوفه عشان أعرفه.
كان الدكتور سامر، الطبيب اللي تابع حالتي من أول يوم في المستشفى.
قال بهدوء
حطوا الملف على المكتب يا أدهم.
سألته
إنت عايز مني إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة.
أنا مش عايز منك حاجة. أنا بس عايز الملف.
سلمى قالت
إنت كذبت علينا ست شهور.
رد ببرود
أنا نفذت اللي اتطلب مني.
قبضت إيدي.
مين طلب منك؟
سكت.
ثم قال
والدك كان مخبي حاجة مهمة جدًا قبل وفاته. حاجة كانت ممكن تغيّر مستقبل الشركة كلها.
قلت
وإيه علاقة عيني؟
قال
الحادثة أصابت عينك، لكن كان ممكن تتعالج. التقرير موجود قدامك.
وأنت أخفيته.
أيوه.
صوتي ارتفع
ليه؟!
رد
لأنهم كانوا محتاجينك بعيد عن إدارة الشركة.
ليلى قالت فجأة
وأبويا؟
ساد الصمت.
الدكتور قال
أبوك عرف الحقيقة.
وعشان كده مات؟
لم يجب.
لكن صمته كان كفاية.
سمعت ليلى تبكي.
سلمى قربت منها وقالت
أنا آسفة يا ليلى.
ليلى ردت
إنتِ وعدتيني إنك هتفضحيهم.
سلمى قالت
وكنت هعمل كده.
فهمت وقتها إن سلمى ما كانتش بتخوني.
كانت بتحاول تحميني.
لكن السؤال الأهم كان
فين الدليل على كل ده؟
الدكتور قال
الملف اللي معاك مش الدليل الكامل.
أمال فين؟
قال
في الشركة.
سألته
فين بالضبط؟
ابتسم.
في السيرفر القديم.
وفجأة سمعنا أصوات سيارات الشرطة في الخارج.
الدكتور اتوتر.
سلمى قالت
أنا بلغت الشرطة قبل ما نيجي.
الدكتور سكت.
ثم قال
إنتِ عملتي إيه؟
ردت
اللي كان لازم أعمله من زمان.
بدأت أصوات خطوات تقترب من السلم.
الدكتور حاول يهرب.
لكن الشرطة دخلت في اللحظة نفسها.
بعد دقائق، انتهى كل شيء.
اتقبض عليه، وبدأ التحقيق في الحادثة والملفات الطبية والتلاعب بحسابات الشركة.
لكن بالنسبة لي، كان فيه شيء أهم.
بعد أيام، دخلت مركزًا متخصصًا لعلاج إصابة عيني.
الدكتور الجديد قال
عندك فرصة كويسة جدًا لاستعادة جزء كبير من النظر.
سألت
قد إيه؟
قال
مش هقدر أوعدك، لكن العلاج ممكن ينجح.
بصوت ضاحك قلت
أنا استنيت ست شهور هستنى أكتر.
وبعد أسابيع من العلاج، كنت في غرفة هادئة.
الدكتور قال
افتح عينيك.
فتحتهم.
في البداية، كل شيء كان ضبابيًا.
ثم ظهر نور.
ثم بدأت ملامح الغرفة تتضح.
وأول وجه شفته
كان سلمى.
كانت بتعيط.
ضحكت وقلت
إنتِ بتعيطي ليه؟
قالت
عشان أخيرًا رجعت تشوف.
مددت إيدي لها.
ثم سمعت صوت صغير.
وأنا؟
لفيت رأسي.
كانت ليلى واقفة عند الباب.
نظرت لها لأول مرة.
طفلة صغيرة، بشعر بني وابتسامة هادئة.
نزلت لمستواها وقلت
إنتِ ليلى؟
ضحكت.
أيوه.
قلت
كنتِ بتقولي إنك تقدري تخليني أشوف تاني.
ردت
وأنا قلتلك إني أقدر.
ابتسمت.
بس إنتِ ما كنتيش تقصدي بعينيك.
قالت
كنت أقصد إنك لازم تشوف الحقيقة الأول.
سكتُّ.
ثم حضنتها.
بعد أشهر، رجعت لشركتي.
اكتشفت إن والدي كان سايب لي نظامًا قانونيًا لحماية الشركة وموظفيها من الاستيلاء، وإن الملف اللي كشف الحقيقة أنقذ الشركة من الانهيار.
أما سلمى
ففضلت جنبي.
واعترفت لي إنها كانت تزور ليلى سرًا لأن والدها قبل وفاته طلب منها تحميها.
وفهمت أخيرًا ليه كانت مرعوبة منها في الحديقة.
مش لأنها كانت تخاف من ليلى
كانت تخاف إن الناس اللي قتلوا والدها يعرفوا إنها ما زالت حية.
أما ليلى، فقد أصبحت جزءًا من عائلتنا.
وفي يوم من الأيام، وأنا ماشي معاها في سنترال بارك، وقفت فجأة وقالت
فاكر أول مرة قابلتك هنا؟
ضحكت.
عمري ما هنساها.
قالت
كنت أعمى وقتها.
بصيت للشجر اللي حوالينا، ثم للسما.
وقلت
كنت أعمى بعيني فعلًا لكن الحقيقة إن ناس كتير كانوا شايفين أكتر مني.
ليلى ابتسمت وقالت
المهم إنك دلوقتي شايف.
مسكت إيدها.
وبصيت لسلمى وهي ماشية قدامنا.
لأول مرة فهمت إن أكبر نعمة حصلت لي بعد الحادثة
مش إني استعدت نظري.
لكن إني عرفت مين وقف جنبي وقت ما كنت عاجز أشوف أي حاجة.
ومن يومها، كل ما أعدي من قدام الدكة القديمة في سنترال بارك، أفتكر طفلة صغيرة مسكت إيدي وقالتلي
أنا أقدر أخليك تشوف تاني.
وكانت فعلًا
أول إنسانة فتحت عيني على الحقيقة. مرت سنة كاملة، وأدهم بقى بيشوف بشكل طبيعي تقريبًا، ورجع يدير شركته بنفسه.
لكن رغم كل اللي حصل، عمره ما نسي ليلى.
في يوم عيد ميلادها، جهز لها مفاجأة كبيرة، ولما دخلت المكان لقت أدهم وسلمى مستنيينها.
قال أدهم
فاكرة أول مرة قابلتك؟
ضحكت ليلى
طبعًا.
وقتها قلتيلي إنك هتخليني أشوف تاني.
هزت رأسها.
وأنا نفذت وعدي.
أدهم ابتسم وقال
مش بس خليتيني أشوف بعيني إنتِ خليتيني أشوف الناس على حقيقتها.
ثم أعطاها صندوقًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت داخله مفتاحًا.
سألته
ده مفتاح إيه؟
قال
مفتاح مكتب أبويا القديم.
اتسعت عيناها.
ليه؟
لأن أبويا كان بيعتبر المكان ده بداية كل حاجة وأنا عايز أخليه مكان آمن ليكي. مكتب للدراسة، ومكتبة، وكل حاجة نفسك فيها.
ليلى حضنته وهي بتضحك.
أما سلمى فكانت واقفة بعيدًا، ودموعها نازلة من غير ما تحس.
اقترب منها أدهم وقال
إنتِ كمان ليكي هدية.
سألته
إيه؟
قال
إني أخيرًا سامحتك.
بكت سلمى وقالت
أنا كنت خايفة أخسرك.
رد أدهم
وأنا كنت فاكر إني فقدت كل حاجة لكن الحقيقة إني كسبتكم أنتم الاتنين.
وفي المساء، رجع أدهم وحده إلى سنترال بارك.
وقف أمام الدكة القديمة.
لمسها بإيده، وابتسم.
تذكر اليوم الذي جلس فيه هناك عاجزًا، يائسًا، معتقدًا أن حياته انتهت.
ثم تذكر صوت ليلى الصغيرة
أنا أقدر أخليك تشوف تاني.
رفع عينيه للسماء وقال
وإنتِ فعلًا عملتيها يا ليلى.
لم يكن يقصد عينيه فقط.
كان يقصد قلبه أيضًا.
ومن يومها، لم يعد أدهم يخاف من الظلام.
لأنه عرف أن الإنسان قد يفقد بصره يومًا
لكن طالما حوله أشخاص صادقون، سيجد دائمًا من يمسك يده ويقوده إلى النور.
وهكذا انتهت قصة أدهم وليلى
قصة بدأت بحادث أفقده بصره، وانتهت بحقيقة أعادت له حياته.
وكان أعظم درس تعلمه
مش كل
متابعة القراءة