مراتى
مراتي سابتني أعمى لوحدي على دكة في سنترال بارك، وقالتلي إوعى تكلم حد الناس بتبص علينا بسببك.
ماكنتش أعرف إن بعد دقائق، بنت صغيرة عمرها ما يتعداش سبع سنين هتمسك إيدي وتقوللي بمنتهى الثقة
أنا أقدر أخليك تشوف تاني.
افتكرت إنها طفلة بتتكلم من غير ما تفهم.
لكن لما سمعت صوت كعب جزمة مراتي وهو بيقرب من بعيد، البنت ضغطت على إيدي فجأة وهمست
ماتقولهاش إني هنا هي خايفة مني.
وقتها، لأول مرة من ست شهور، حسيت إن العمى مش أكتر حاجة لازم أخاف منها.
لأن مراتي، سلمى، كانت واقفة قدامي وبتتنفس بطريقة عمري ما سمعتها بيها قبل كده.
كانت مرعوبة.
والسؤال اللي مكنتش أعرف إجابته وقتها هو
إيه اللي شافته سلمى في البنت الصغيرة دي وخلاها تخاف بالشكل ده؟
قبل الحادثة، كان اسمي أدهم الشناوي.
كنت شاب عندي كل حاجة ممكن أي حد يحلم بيها؛ فلوس، نفوذ، وشركة تكنولوجية ضخمة خلت اسمي معروف في نيويورك.
كنت فاكر إن حياتي هتفضل زي ما هي.
لحد الليلة اللي عربية نقل خبطت عربيتي على الطريق السريع بره جرينيتش.
الحادثة أخدت مني أغلى حاجة
نظري.
ومن ساعتها، بقى العالم بالنسبة لي مجرد أصوات وروائح ولمسات.
الدكاترة قالولي
لازم تتعلم تتأقلم.
بس محدش قاللي إزاي واحد يصحى كل يوم ويعيش في عالم مش قادر يشوفه.
بعد ست شهور من الحادثة، أخدتني سلمى لسنترال بارك.
قعدتني على دكة خشب، وكنت لابس بدلتي الرمادي، وبحاول أتخيل شكل أوراق الشجر الصفراء اللي كانت أكيد مالية المكان.
لكن حتى اللحظة دي كانت بتضايقها.
قالتلي بعصبية
ممكن تبطل تتحرك؟ إنت كده بتوترني.
سألتها
الدنيا مشمسة النهارده؟
ردت بسرعة
أنا عندي مكالمة مهمة مع مجلس الإدارة.
وبعدين سكتت لحظة، قبل ما تقول الجملة اللي عمرها ما كانت هتطلع من بالي
خليك هنا، وماتكلمش أي حد غريب. الناس بتبص علينا، وتصرفاتك بقت محرجة.
وبعدها سمعت صوت كعبها وهو بيبعد.
واحدة
اتنين
تلاتة
لحد ما اختفى.
فضلت قاعد لوحدي.
لكن بعد دقائق قليلة
سمعت خطوات صغيرة بتقف قدامي.
وجاتني ريحة غريبة؛ خشب محروق، مخلوطة بريحة حلوة شبه الفانيليا.
وبعدين سمعت صوت بنت صغيرة
إنت عايز تشوف تاني؟
اتجمدت مكاني.
لأني في اللحظة دي، ماكنتش أعرف إن السؤال ده
هيغيّر حياتي كلها.
قلت وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي
مين إنتِ؟
البنت ما ردتش.
سمعت صوت حذائها الصغير بيتحرك على الأرض، وبعدها حسيت بإيد صغيرة بتلمس طرف العصاية اللي في إيدي.
قلت
إنتِ لوحدك؟ مامتك فين؟
قالت
أنا مش لوحدي.
اتوترت.
أمال فين أهلك؟
سكتت.
وبعدين قالت بمنتهى الهدوء
هما مش عارفين إني جيتلك.
اتنهدت وأنا مش فاهم.
طب إنتِ عرفتي منين إني مش بشوف؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
عشان إنت بتخبط بالعصاية.
ابتسمت غصب عني.
أول مرة من أسابيع حد يكلمني من غير شفقة.
قلت
اسمك إيه؟
ردت
ليلى.
ليلى عندك كام سنة؟
سبعة.
سبعة؟
أيوه.
وطب إنتِ منين؟
ما ردتش.
بدل كده، قربت مني أكتر، لدرجة إني حسيت بأنفاسها عند إيدي.
وقالت
إنت مش أعمى بسبب الحادثة.
اتجمد الدم في عروقي.
إيه؟
قالت تاني
اللي حصل لعينيك مش زي ما هما قالولك.
صوتي خرج متوتر
مين هما؟
الدكاترة.
إنتِ تعرفي الدكاترة اللي عالجوني؟
لأ.
أمال عرفتي منين؟
سكتت ليلى فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا سمعت بابا بيتكلم.
قلبي بدأ يدق أسرع.
باباكي مين؟
قبل ما تجاوب، سمعت صوت خطوات بعيدة.
خطوات سريعة.
كعب جزمة.
عرفتها فورًا.
سلمى.
لكن الغريب إن ليلى، أول ما سمعت الخطوات، مسكت إيدي بقوة.
وهمست
ماتقولهاش إني هنا.
ليه؟
عشان هي هتخليني أمشي.
ومين هي؟
سكتت.
ثم قالت
مراتك.
سمعت سلمى وهي بتقرب.
أدهم؟
رفعت رأسي ناحيتها.
أيوه.
قالت وهي بتحاول تخفي توترها
أنا خلصت المكالمة.
لكن صوتها كان غريب.
متقطع.
نَفَسها سريع.
قلت
سلمى إنتِ كويسة؟
آه.
ردت بسرعة زيادة عن اللازم.
ثم قالت
يلا نمشي.
كنت لسه ماسك إيد ليلى.
وسلمى ماكنتش عارفة.
سألتها
إنتِ ليه متوترة؟
أنا؟ متوترة؟
ضحكت ضحكة مصطنعة.
إنت بقيت بتتخيل حاجات يا أدهم.
لكن قبل ما أقوم، ليلى قربت من ودني وهمست
ماتمشيش معاها دلوقتي.
جسمي كله اتشد.
وسألتها بصوت منخفض
ليه؟
قالت
عشان هي مش جاية تاخدك البيت.
اتجمدت.
في نفس اللحظة، سمعت سلمى تقول
أدهم، قوم.
قلت
رايح فين؟
سكتت.
ثواني طويلة مرت.
وبعدين قالت
عندي مشوار صغير قبل ما نرجع.
فين؟
مش مهم.
سلمى.
نبرة صوتي اتغيرت.
فين؟
بدأت تتنفس أسرع.
ولأول مرة، حسيت إنها بتخبي حاجة.
قالت
هتعرف لما نوصل.
ليلى شدّت على إيدي أكتر.
ثم همست
هو نفس المكان اللي بابا كان بيتكلم عنه.
اتنفست ببطء.
أي مكان؟
لكن قبل ما أسمع الإجابة
سلمى قالت فجأة
إنت بتكلم مين؟
الصمت نزل علينا مرة واحدة.
أنا ما رديتش.
وليلى ما اتحركتش.
سلمى قربت خطوة.
ثم قالت بصوت منخفض جدًا
أدهم مين اللي واقف جنبك؟
وقتها فهمت.
هي مش بس كانت عارفة بوجود ليلى.
هي كانت مستنياها.
ولأول مرة من ست شهور، تمنيت إني أقدر أشوف.
مش عشان أشوف الدنيا.
لكن عشان أشوف
وش مراتي وهي بتبص للبنت الصغيرة.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا سلمى ما ردتش.
فضلت واقفة قدامي ثواني، وأنا سامع أنفاسها المضطربة، وليلى ماسكة إيدي بقوة.
قلت
سلمى أنا سألتك مين اللي واقف جنبي؟
صوتها خرج متردد
مفيش حد.
ليلى قربت من إيدي وهمست
هي بتكدب.
سلمى سمعتها.
وفجأة صرخت
ليلى! ابعدي عنه!
اتصدمت.
أنا عمري ما سمعت سلمى بتصرخ بالشكل ده.
شدّيت إيدي للخلف وقلت
إنتِ تعرفيها؟
سلمى سكتت.
جاوبيني يا سلمى.
قالت بصوت مكسور
أيوه.
مين ليلى؟
قبل ما ترد، ليلى قالت
أنا بنت الراجل اللي أنقذ أبوك من زمان.
سكتُّ.
أبويا؟
أيوه.
بدأت أفكر بسرعة.
والدي توفى من عشر سنين، وعمري ما سمعت منه عن طفلة اسمها ليلى.
قلت
إنتِ تعرفي أبويا إزاي؟
قالت
بابا كان شغال معاه.
سلمى قاطعتها
كفاية يا ليلى.
ليلى ردت بهدوء
لا. المرة دي لازم يعرف.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
قلت
يعرف إيه؟
ليلى مدت إيدها ولمست عيني.
إن الحادثة اللي حصلتلك ما كانتش حادثة عادية.
تجمدت.
سلمى بدأت تعيط.
أدهم أنا كنت بحاول أحميك.
صرخت
تحميني من إيه؟!
قالت
من الحقيقة.
أي حقيقة؟
سكتت لحظات، ثم قالت
العربية اللي خبطتك كانت مستهدفاك.
قلبي وقع.
مين كان مستهدفني؟
سلمى ما جاوبتش.
ليلى هي اللي قالت
ناس كانوا عايزين ياخدوا الشركة من أبوك ولما فشلوا معاه، استنوا لحد ما أنت بقيت صاحب القرار.
افتكرت كل حاجة.
قبل الحادثة بأيام، كان فيه ملف اختفى من مكتبي.
كنت فاكر إن الموضوع مجرد خطأ إداري.
لكن دلوقتي بدأت كل القطع تركب.
قلت
طب وإيه علاقة ليلى؟
سلمى شهقت.
وليلى قالت
بابا مات وهو بيحاول يحتفظ بالدليل.
سألتها
فين الدليل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
معايا.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية وقفت قريب من الدكة.
سلمى اتوترت جدًا.
قالت
لازم نمشي حالًا.
قلت
مش هتحرك خطوة قبل ما أفهم.
ليلى شدت إيدي.
أدهم، لازم تثق فيا.
قلت
أنا حتى مش عارف إنتِ مين.
قالت
عشان كده لازم نروح مكان آمن.
سمعت باب العربية بيتفتح.
ثم صوت رجل من بعيد
أستاذ أدهم؟
سلمى مسكت دراعي.
ماتردش.
الرجل قرب.
أستاذ أدهم، أنا جاي من المستشفى.
اتنهدت.
أي مستشفى؟
قال
المستشفى اللي اتعالجت فيها بعد الحادثة.
سلمى سحبتني للخلف.
لكن ليلى همست
هو مش دكتور.
سألتها
عرفتي منين؟
قالت
عشان ريحة إيده نفس ريحة المكان اللي بابا كان بيخاف منه.
الرجل وقف مكانه.
ثم قال بنبرة مختلفة تمامًا
واضح إن البنت قالتلك كتير.
سكتنا جميعًا.
عرفت وقتها إن ليلى كانت على حق.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت الرجل يقول
لو عايز تشوف تاني يا أدهم لازم تيجي معايا.
ولأول مرة، ظهر أمامي أمل صغير.
لكن ليلى صرخت
ماتروحش معاه!
الرجل ضحك.
وقال
متأخر يا ليلى.
ثم سمعنا صوت سيارات تانية بتقرب من كل ناحية.
سلمى أمسكت بإيدي وقالت
أدهم لازم تثق فيا دلوقتي.
قلت
بعد كل اللي حصل؟
ردت وهي بتبكي
أنا خبيت عليك الحقيقة لكن عمري ما كنت ضدك.
ثم وضعت شيئًا صغيرًا في إيدي.
كان مفتاحًا.
وقالت
المفتاح ده هيفتح المكان اللي فيه كل الحقيقة.
سألتها
مكان إيه؟
قالت
مكتب أبوك القديم.
وقبل ما أفهم أي حاجة، ليلى قالت
لازم نتحرك لأنهم لو وصلوا للمكتب قبلنا، مش هنعرف أبدًا مين اللي تسبب في الحادثة.
وهنا بدأت أخطر رحلة في حياتي
رحلة البحث عن الحقيقة التي حُجبت عني لمدة ستة أشهر كاملة سلمى شدتني من إيدي، وليلى كانت ماشية جنبنا بسرعة.
صوت العربيات كان لسه قريب، لكننا قدرنا نوصل لشارع جانبي قبل ما حد يلحقنا.
ركبنا عربية أجرة، وسلّمى قالت للسواق عنوان قديم في