جوزى ضرب امى بالقلم مرتين قدامى
المحتويات
مش طالب منك تنسي اللي حصل. أنا بس طالب منك تشوفي إن بنتك اختارت تديلي فرصة، وأنا هفضل طول عمري أحافظ عليها.
أمي بصت له طويلًا.
وقالت
أنا مش هسامحك عشانك جوز بنتي. هسامحك لو أثبتلي بأفعالك إنك اتغيرت.
كريم هز راسه.
وعد.
بعد سنة، كنا قاعدين أنا وكريم وأمي على سفرة واحدة.
ما كانش كل شيء رجع زي الأول.
كان أحسن.
لأننا المرة دي كنا بنبني بيتنا على الصراحة، مش على السكوت.
وفي آخر اليوم، بصيت لأمي، وبعدين لكريم.
وفهمت إن بعض البيوت ما بتحتاجش إننا نرجعها زي ما كانت.
أحيانًا
لازم نهدم الطريقة القديمة كلها، ونبني مكانها حياة جديدة.
والحقيقة إن اليوم اللي كريم ضرب فيه أمي كان أسوأ يوم في حياتي لكنه كان كمان اليوم اللي علّمني إن كرامتي وكرامة أمي مش ثمن لأي جواز.
ومن يومها، ما بقيتش أخاف من كلمة
الطلاق.
لأني عرفت إن خسارة شخص لا تحترمه كرامتي
أهون بكتير من خسارة نفسي مرت سنتين على اليوم اللي خرجت فيه من شقة كريم وأنا ماسكة إيد أمي.
وفي السنتين دول، حصلت حاجات ما كنتش أتخيلها.
كريم فعلاً اتغير.
مش بالكلام.
بالأفعال.
سدد كل جنيه كان أخده من فلوسنا، وقفل المشروع القديم، وبدأ شغل جديد بإمكانياته هو.
أما أنا، فبدأت شغلي من جديد، ورجعت أحوش لنفسي، وبقيت أتعامل مع الفلوس اللي معايا على إنها أمان ليا، مش احتياطي لأي حد يطلب مساعدة.
وأمي؟
أمي بقت أقرب واحدة ليا.
لكنها عمرها ما تدخلت في حياتي مع كريم.
كانت دايمًا تقول
أنا أمك، مش صاحبة القرار مكانك. إنتِ اللي تختاري حياتك.
وفي يوم، كنت قاعدة مع كريم في البيت الجديد اللي اشتريناه بعد ما بعنا الشقة القديمة بالاتفاق بينا.
قال لي
فاكرة أول يوم خرجنا فيه من بيتنا؟
ابتسمت.
أنساه إزاي؟
سكت شوية، وقال
أنا كنت فاكر إن أكبر خسارة ممكن تحصل لي هي إنك تسيبيني.
بصيت له.
ودلوقتي؟
قال
دلوقتي عرفت إن أكبر خسارة كانت إني أخليكي تخافي مني أصلًا.
الكلمة لمست قلبي.
لكن قبل ما أرد، جرس الباب رن.
كانت أمي.
دخلت وهي شايلة كيس صغير.
وقالت
جبتلكم حاجة.
فتحناه.
كان فيه فازة صغيرة شبه الفازة اللي اتكسرت يوم الخناقة.
بصيت لها وضحكت.
ماما، إنتِ ليه جبتي دي؟
قالت
عشان أقولك إن الحاجة اللي اتكسرت ممكن تتعوض.
بصيت لكريم.
هو فهم قصدها.
قال
بس في حاجات لازم نحافظ عليها من الأول.
أمي ابتسمت.
وحطت الفازة على الترابيزة.
في اللحظة دي، افتكرت الخمس ثواني اللي عدّيتهم يوم الواقعة.
واحد
اتنين
تلاتة
أربعة
خمسة.
وقتها كنت فاكرة إن حياتي بتنهار.
لكن الحقيقة إن حياتي القديمة هي اللي كانت بتنهار.
ومن تحت الركام، بدأت أبني حياة جديدة.
حياة ما فيهاش خوف.
ولا أسرار.
ولا فلوس مستخبية.
ولا حد بيطلب مني أختار بين كرامتي وبين اللي بحبهم.
وعرفت أخيرًا إن الجواز الحقيقي مش إنك تفضلي متمسكة بالبيت مهما حصل.
الجواز الحقيقي إن البيت نفسه يبقى مكان آمن ليكي.
ولو الأمان اختفى
يبقى أول واجب عليكي إنك ترجعي لنفسك.
أما كريم، ففضل كل سنة في ذكرى اليوم ده يطلب من أمي السماح.
وأمي كانت دايمًا ترد عليه
أنا سامحتك من زمان، بس خلي بالك من بنتي.
فيضحك ويقول
دي بقت أهم وصية في حياتي.
وبصراحة
أنا ما نسيتش اللي حصل.
لكنّي بطلت أعيش جواه.
لأن الماضي علّمني درسًا عمره ما هيروح
اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تتنازلي عن كرامتك عشان تفضلي معاه واللي يغلط في حق أهلك، لازم يعرف إن الاعتذار بداية الإصلاح، مش نهايته.
ومن يومها، كل ما أشوف الفازة الصغيرة على الترابيزة، أفتكر إن بعض الكسور ما بتكونش نهاية الحكاية
أحيانًا بتكون أول علامة إننا أخيرًا بدأنا نعيش صح عدت تلات سنين كمان.
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت يوم رجع الهدوء لبيتنا، لكن الحياة كان لسه مخبية لنا درس أخير.
في صباح يوم جمعة، رن تليفوني.
كان حسام، أخو كريم.
رديت، فسمعته بيقول
ندى، ممكن كريم ييجي لي؟ أنا محتاج أتكلم معاه.
بصيت لكريم.
قال
روحي معايا.
رحنا له.
لقيناه قاعد ووشه مليان قلق.
قال لكريم
أنا جاي أعتذر.
كريم استغرب.
عن إيه؟
حسام نزل عينه.
عن كل اللي حصل زمان.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا كنت السبب في جزء كبير من المشاكل. كنت بطلب منك فلوس، وإنت كنت بتحاول تساعدني، وكل مرة كنت بتخاف تقول لندى الحقيقة.
كريم قال
ده كان قراري أنا.
حسام هز راسه.
عارف. بس أنا كنت أناني.
وبعدين أخرج ظرف وحطه قدام كريم.
دي آخر دفعة من الفلوس اللي كنت واخدها منك.
كريم فتح الظرف، ثم قال
إنت مش مضطر.
حسام رد
لا، أنا مضطر. لأن اللي حصل علمنا كلنا إن المساعدة من غير حدود ممكن تدمّر البيوت.
بصيت له.
لأول مرة حسيت إن كل واحد فيهم فهم الدرس.
بعدها خرجنا.
وفي الطريق، كريم قال
أنا زمان كنت فاكر إن الرجولة إني أشيل مشاكل كل الناس.
سألته
ودلوقتي؟
قال
دلوقتي عرفت إن الرجولة إني ما أظلمش أقرب الناس ليا وأنا بحاول أساعد غيرهم.
ابتسمت.
وصلنا البيت.
كانت أمي قاعدة مستنيانا.
بصت لنا وقالت
فيه إيه؟
قلت
حسام رجع آخر فلوس كانت عليه.
أمي ابتسمت.
الحمد لله.
ثم بصت لكريم وقالت
فاكر لما كنت فاكر إن المشكلة كلها في الفلوس؟
ضحك.
أيوه.
قالت
طلعت المشكلة في طريقة التفكير.
ضحكنا كلنا.
وفي المساء، وأنا برتب البيت، وقعت عيني على الفازة الصغيرة اللي أمي جابتها من سنين.
وقفت قدامها لحظة.
افتكرت الفازة القديمة اللي اتكسرت يوم الخناقة.
وقتها فهمت إن حياتي كلها اتقسمت لنصفين
قبل اليوم ده
وبعده.
قبل اليوم ده كنت بخاف أخسر الجواز.
بعد اليوم ده بقيت أخاف أخسر نفسي.
والفرق بينهم كان كبير جدًا.
قرب مني كريم وقال
بتفكري في إيه؟
قلت
في كل اللي حصل.
قال
ندمانة إنك ادتيني فرصة؟
بصيت له وقلت
لا.
وسكت شوية.
بس عارفة إيه؟
إيه؟
لو رجع بيا الزمن لنفس اليوم، كنت هعمل نفس الحاجة.
استغرب.
تطلعي من البيت؟
هزيت راسي.
أيوه.
حتى لو كنتي عارفة إننا هنرجع لبعض؟
ابتسمت.
أيوه. لأنك وقتها كنت محتاج تعرف إن فيه حدود ما ينفعش حد يعديها.
كريم هز راسه.
وأنا محتاج أفتكر ده طول عمري.
دخلت أمي علينا وهي بتضحك
خلاص بقى، سيبوا الماضي في الماضي وتعالوا نتعشى.
ضحكنا.
ومشيت معاها ناحية المطبخ.
وقبل ما أدخل، بصيت مرة أخيرة للفازة.
كانت سليمة.
لكنّي عرفت إن أهم حاجة في البيت مش الفازة
ولا الأثاث
ولا الفلوس.
أهم حاجة إن اللي عايشين فيه يعرفوا قيمة بعض، ويحافظوا على كرامة بعض.
وساعتها قلت لنفسي
يمكن اليوم اللي خرجت فيه من بيت كريم وأنا فاكرة إني خسرت جوازي
كان في الحقيقة اليوم اللي كسبت فيه نفسي.
ومن يومها، ما بقاش عندي خوف من أي بداية جديدة.
لأن اللي قدر يقوم بعد أصعب يوم في حياته
يقدر يبدأ من جديد مهما حصل بعد كام شهر، حياتنا استقرت بشكل كبير.
كنت أنا وكريم بنعيش بهدوء، وأمي بقت تزورنا من وقت للتاني، وكل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي.
لكن في يوم، وأنا براجع أوراق البيت، لقيت ظرف قديم جدًا بين المستندات.
كان مكتوب عليه بخط كريم
لندى ما يتفتحش غير لو حصلت مشكلة كبيرة.
اترددت.
وبعدين فتحته.
جواه كان فيه جواب طويل.
قعدت أقرأه، وكل سطر كان بيكشف حاجة ما كنتش أعرفها.
كريم كان كاتب الجواب قبل الخناقة بحوالي أسبوع.
وكان بيقول إنه اكتشف إن الشركة اللي دخل فيها زمان كان فيها خطأ كبير في الحسابات، وإنه ممكن يخسر جزءًا من فلوسه.
لكن اللي صدمني إن آخر سطر كان
لو حصل لي أي حاجة، ندى لازم تعرف إن الفلوس اللي اتاخدت من حسابنا ما كانتش ضاعت كلها.
وقفت عند الجملة دي.
ناديت كريم فورًا.
إيه معنى الكلام ده؟
جاء وقعد جنبي.
قرأ الورقة.
وسكت.
قلت
إنت كنت عارف إن جزء من الفلوس لسه موجود؟
قال
أيوه.
فين؟
أخرج من المحفظة ورقة صغيرة.
كانت بيانات شهادة ادخار باسم مشترك بيني وبينه.
كان فيها حوالي 250 ألف جنيه.
اتصدمت.
يعني الفلوس دي
متابعة القراءة