تزوجت

لمحة نيوز

متأكدين.
وفجأة سمعنا صوت طرق شديد على الباب.
ذهب أحد الحراس ليفتح.
وبعد ثوانٍ عاد قائلاً
في محامي اسمه الأستاذ سامح، بيقول إنه جاي بخصوص تركة والد مدام نور.
نظر عم شاكر إلى ليلى.
ثم إليّ.
وقال
خليه يدخل.
دخل رجل في الخمسين من عمره، يحمل حقيبة جلدية.
جلس بهدوء ووضع ملفاً أمامه.
أنا مش جاي أهدد حد. أنا جاي أسلم مدام نور حقها.
فتحت الملف.
كانت هناك نسخة من عقد قديم.
وفي أسفل الصفحة توقيع والدي.
لكن المفاجأة كانت في السطر الأخير.
كان مكتوباً أن والدي ترك جزءاً من ممتلكاته لشخص آخر غيري.
رفعت رأسي بدهشة.
مين الشخص ده؟
المحامي نظر إليّ وقال
أختك.
سقط الصمت على المكان.
نظرت إلى عم شاكر.
أنا معنديش أخت.
قال المحامي
كان عندك.
ثم أخرج صورة قديمة لامرأة تحمل طفلة صغيرة.
وأشار إلى الطفلة.
دي أختك، واتسجلت باسم مختلف بعد وفاة والدك.
شعرت أن أنفاسي توقفت.
لكن المحامي لم ينتهِ.
قال
والمشكلة إننا مش عارفين هي فين.
عم شاكر أخذ الصورة من يده، وما إن نظر إليها حتى تغير وجهه تماماً.
قال بصوت منخفض
أنا أعرفها.
التفتنا جميعاً إليه.
سألته ليلى
تعرفها إزاي يا جدي؟
ظل صامتاً لثوانٍ، ثم قال
لأنها كانت قدامي طول السنين اللي فاتت
ثم نظر إليّ مباشرة.
وهي الشخص اللي كان أبوكي خايف عليكِ منه.
شعرت بقلبي يهبط.
قلت
مين هي؟
عم شاكر لم يجب.
بل أشار إلى الصورة مرة أخرى وقال
نور أختك مش اختفت.
ثم أضاف
هي عايشة وقريبة منك أكتر مما تتخيلي ظللتُ أنظر إلى عم شاكر وأنا عاجزة عن الكلام.
قريبة مني إزاي؟
أخرج الصورة من الملف ووضعها أمامي.
لأن البنت دي عاشت بعد وفاة أبوكي باسم جديد.
قلت بسرعة
مين؟
نظر إلى ليلى.
ثم قال
أم ليلى.
اتسعت عيناي.
التفتُّ إلى ليلى، فوجدتها هي الأخرى مصدومة.
أمي؟!
أومأ عم شاكر.
أيوه.
ليلى وقفت فجأة.
مستحيل! أمي كانت متجوزة جدي قبل ما أتولد؟
قال عم شاكر
لا. أمك كانت بنت صغيرة وقتها. أبو نور كان مخبي وجودها عن أغلب الناس، لأنه كان خايف عليها من الخلافات اللي حصلت بين الشركاء.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
ملامح الطفلة كانت مختلفة، لكن كان هناك شيء مألوف في عينيها.
قلت
يعني أمي أختي؟
رد المحامي
حسب الأوراق الموجودة، أيوه.
جلست وأنا أحاول استيعاب كل شيء.
كنت أعيش عمري كله وأنا أعتقد أنني وحيدة.
وفجأة اكتشفت أن لي أختاً، وأنها كانت قريبة مني طوال الوقت، دون أن أعرف.
لكن السؤال الأصعب كان
ليه أمي ما قالتليش؟
ساد الصمت.
ثم قال عم شاكر
لأنها ما كانتش تعرف الحقيقة كاملة.
إزاي؟
بعد وفاة أبوكي، حصلت مشاكل كبيرة. بعض الأشخاص أقنعوها إن وجودك في حياتها هيعرضك للخطر، وإن أفضل طريقة لحمايتك إنها تبعد عنك.
نظرت إلى ليلى.
كانت دموعها تنزل بصمت.
قالت
عشان كده أمي كانت دايماً بتقول إن جدي هو اللي اختارني أعيش معاه هنا؟
هز عم شاكر رأسه.
كنت بحاول أحميكم أنتم الاتنين.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لكن أبوكي ترك دليلاً أخيراً.
فتحت الورقة.
كان مكتوباً
لو نور وصلت للحقيقة، خليها تعرف إن أختها لم تختر الابتعاد عنها بل تم إبعادها عنها.
وضعت يدي على فمي.
فهمت فجأة لماذا كانت ليلى مختلفة عن الجميع.
لماذا كانت الوحيدة التي وقفت بجانبي منذ طفولتي.
لماذا لم تنظر إليّ يوماً باحتقار.
كانت تشعر تجاهي بشيء لا تستطيع تفسيره.
لكن بقي سؤال واحد.
وفين أختي؟
نظر عم شاكر إلى ليلى.
وقال
هي قدامك.
تجمدت.
يعني إيه؟
أجاب
ليلى هي أختك.
لم أستطع الرد.
كل السنوات التي عشناها معاً مرت أمام عيني في لحظة واحدة.
ضحكات الجامعة.
أيام الفقر.
خوفنا من المستقبل.
كل مرة قالت لي فيها أنا مش هسيبك.
اقتربت ليلى مني، وقالت بصوت مرتجف
نور أنا ما كنتش أعرف. والله ما كنت أعرف.
قلت لها
وأنا كمان ما كنتش أعرف.
ثم التفتُّ إلى عم شاكر.
طب وحق أبويا؟
ابتسم لأول مرة منذ ساعات.
رجعناه.
وضع أمامي ملفاً جديداً.
كان يحتوي على العقود الأصلية، وأوراق الملكية، وإثباتات تثبت أن جزءاً ضخماً من ثروة الشركة كان من حق والدي.
قال
من النهارده، مش هتبقي زوجة الملياردير اللي الناس فاكرة إنك اتجوزتيه عشان فلوسه.
ثم نظر إلى ليلى وقال
ومش هتبقي البنت الوحيدة اللي كبرت وهي فاكرة إنها ملهاش أهل.
ثم وضع القلم أمامي.
إنتِ صاحبة حق وليكي عيلة.
نظرت إلى القصر الكبير حولي.
في البداية دخلته وأنا أظن أنني حصلت على حياة بالمال.
لكنني اكتشفت أنني لم أدخل القصر من أجل الثروة أصلاً.
لقد دخلته لأجد الحقيقة التي فقدتها منذ طفولتي.
أما الزواج الذي ظننته صفقة من أجل الورث
فكان في الحقيقة الوعد الذي قطعه رجل عجوز لأبي منذ سنوات
أن يحمي ابنته، حتى يأتي اليوم الذي تستطيع فيه معرفة حقيقتها بنفسها.
وفي اليوم التالي، خرجت أنا وليلى من القصر معاً.
ولأول مرة في حياتي
لم أشعر أنني وحيدة بعد أيام، بدأت الحقيقة تظهر كاملة.
المحامي استطاع إثبات أن والد نور لم يترك لها مجرد مبلغ من المال، بل ترك لها نصيباً كبيراً في الشركة التي ساهم في تأسيسها.
أما الرجل الذي حاول الاستيلاء على حقوق الأسرة، فقد فشلت محاولاته بعد ظهور العقود الأصلية وشهادة عم شاكر.
لكن نور لم تعد تهتم بالمال كما كانت من قبل.
في أحد الأيام، جلست مع عم شاكر وقالت له
أنا عايزة أرجعلك كل حاجة.
ابتسم وقال
ترجعيلي إيه؟
الفلوس اللي خلتني أوافق على الجواز.
هز رأسه وقال
إنتِ لسه فاهمة الجواز غلط.
سكتت.
فأكمل
أنا ما اخترتش واحدة عشان شكلها، ولا عشان محتاجة فلوسي. اخترتك لأن أبوكي كان واثق إنك إنسانة تستحق
فرصة، وأنا وعدته إني أحافظ على حقك.
قالت نور
وليه ما قلتليش من الأول؟
ابتسم بحزن
لأنك لو عرفتي إن عندك ثروة، كنت هتفتكري إن كل شخص بيقرب منك عايز فلوسك. كنت عايز أعرف الأول إنك قادرة تثقي في نفسك قبل ما تعرفي قيمتك في حساب البنك.
كانت تلك الكلمات أكثر شيء أثر فيها.
وبعد فترة، اتخذت نور قراراً مهماً.
لم تترك القصر هروباً من الماضي، ولم تتمسك به بسبب المال.
بل اختارت أن تبدأ حياة مستقلة، وأن تدير نصيبها بنفسها.
أما ليلى، فقد بقيت بجانبها.
وبعد أن ظهرت الحقيقة لعائلتهما، أصبح الاثنان أقرب من أي وقت مضى.
وفي يوم هادئ، وقفت نور أمام المرآة وتذكرت الفتاة التي كانت تخجل من شكلها، وتعتقد أن لا أحد يمكن أن يحبها.
ابتسمت لنفسها وقالت
أنا ما كنتش قليلة أنا بس كنت مستنية اليوم اللي أعرف فيه قيمتي.
أما عم شاكر، فظل يحتفظ بصورة والد نور في مكتبه.
وفي كل مرة كان ينظر إليها، كان يقول
وعدي ليك اتوفى يا صاحبي.
ثم ينظر من النافذة إلى نور وليلى وهما تضحكان في الحديقة.
لقد بدأت القصة بزواج ظن الجميع أنه طمع في ورث رجل ثري.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً.
نور لم ترث المال فقط
بل ورثت الحقيقة، وعائلتها، وحقها في أن تعيش لأول مرة دون أن تشعر أنها أقل من أي شخص.
وأهم شيء تعلمته كان
أحياناً، الشيء الذي نظنه بداية سقوطنا يكون هو الباب الذي يقودنا إلى الحياة التي كنا نستحقها من البداية.

تم نسخ الرابط