لما رجعت بدرى
المحتويات
ينفع، عايز أصلح اللي عملته.
فضلت الرسالة قدامي وقت طويل.
مرات ابني سألتني
هتسامحيه؟
قلت لها
ممكن أسامحه يومًا، لكن السماح مش معناه إن اللي حصل يتنسي.
قالت
وأنا؟
إنتي مش مطالبة تسامحي حد.
هزت رأسها.
وبعد فترة، طلب ابني أن يكلمني.
وافقت، لكن عن طريق المحامية.
لما شوفته، كان مختلف.
ما بقاش الشخص اللي وقف قدام حظيرة الفراخ وقال إن زوجته لازم تتعلم الطاعة.
كان إنسانًا محطمًا بسبب نتائج أفعاله.
قال
ماما، أنا آسف.
سألته
آسف على إيه؟
بص للأرض.
على كل حاجة.
قلت له
الاعتذار بداية، مش نهاية.
قال
عارف.
ثم سألني
الأرض لسه موجودة؟
قلت
أيوه.
ابتسم لأول مرة.
كنت خايف أكون ضيعتها.
قلت
الأرض اتنقذت.
سكت.
ثم قلت
لكن لازم تفهم إن اللي اتكسر مش الأرض بس.
رفع عينه.
عارف.
خرجت من اللقاء وأنا مش عارفة إذا كنت هقدر أرجع أشوف ابني زي زمان.
لكن كنت عارفة حاجة واحدة
أنا مش هسمح للخوف أو الأمومة إنهم يخلوني أتجاهل الظلم مرة تانية.
بعد سنة كاملة، كانت الأرض مختلفة تمامًا.
المحصول زاد.
العمال بقوا بياخدوا حقوقهم في مواعيدها.
والحسابات بقت واضحة.
أما مرات ابني، فبدأت مشروعًا صغيرًا لبيع منتجات الأرض.
وكانت لأول مرة تحط اسمها على شغل هي اللي بتديره.
وفي يوم، وقفت قدام الحظيرة.
نظرت للباب وقالت
فاكرة أول مرة شفتيني فيها؟
قلت
عمري ما هنساها.
قالت
وأنا كمان.
ثم فتحت الباب بنفسها.
دخلت.
وقفت في نفس المكان اللي كانت فيه من سنة.
لكن المرة دي كانت واقفة على رجليها، قوية، وصحتها رجعت، وما فيش حد يقدر يقفل عليها الباب.
بصت لي وقالت
يمكن المكان نفسه ما اتغيرش قوي.
قلت
إنتي اللي اتغيرتي.
ابتسمت وقالت
لأ أنا رجعت لنفسي.
وساعتها فهمت إن النهاية الحقيقية للقصة مش إن ابني اتعاقب.
ولا إن الأرض اتنقذت.
النهاية الحقيقية كانت إن إنسانة اتسلب منها صوتها لفترة طويلة
رجع لها صوتها.
وإن الباب اللي اتقفل عليها يومًا بالقوة
هي اللي فتحته بإيدها.
ومن يومها، كل ما كنت أعدي جنب الحظيرة، أفتكر حاجة واحدة
السكوت ممكن يطول، لكن الحقيقة لما تخرج بتفتح كل الأبواب بعد ما افتكرت إن الحكاية خلصت، وصلني اتصال من المحامية.
قالت
لازم تيجي المكتب النهارده.
قلتلها
حصل إيه؟
ردت
وصلنا مستند جديد من البنك.
روحت لها وأنا قلبي مش مطاوعني.
حطت قدامي ورقة وقالت
فاكرة إن كل الفلوس اللي خرجت من حساب الأرض كانت بسبب ديون ابنك؟
هزيت راسي.
قالت
جزء كبير منها فعلًا، لكن فيه تحويلات تانية ما كانتش ليه.
بصيت لها باستغراب.
أمال راحت لمين؟
فتحت كشف الحساب وأشارت لاسم مؤسسة صغيرة.
مؤسسة خيرية.
استغربت أكتر.
ابني كان بيتبرع؟
قالت
لأ. المؤسسة دي كانت بتشتري مستلزمات طبية ومواد غذائية، والفلوس اتدفعت باسم مجهول.
رجعت لورا في الكرسي.
مين كان بيعمل كده؟
قالت
مرات ابنك.
سكت.
لما رجعت البيت، سألتها مباشرة.
في البداية رفضت تتكلم.
لكن لما عرفت إن الموضوع ظهر في الحسابات، قالت
أيوه.
إنتي كنتي بتحولي فلوس من الأرض؟
قالت بسرعة
فلوس قليلة جدًا، ومش لنفسي.
ليه؟
قالت
كنت بساعد ناس محتاجة في البلد.
استغربت.
وإنتي كنتي بتعملي ده من غير ما أعرف؟
قالت
كنت بخاف أقول لجوزي. هو كان بياخد كل حاجة تخص الحسابات.
ثم أضافت
لما كنت بلاقي مبلغ صغير ناقص من المصروفات، كنت أوفره وأشتري بيه علاج أو أكل لناس محتاجة.
بصيت لها طويلًا.
فهمت وقتها إن ابني كان بيحكي لي إنها متهورة وبتضيع الفلوس.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
هي كانت بتحاول تساعد غيرها، رغم إنها نفسها كانت محتاجة المساعدة.
قلت لها
كان لازم تقوليلي.
قالت
كنت خايفة.
رديت
خلاص. من النهارده مفيش خوف.
وبعد أيام، حصلت مفاجأة أكبر.
وصلنا خطاب رسمي من النيابة يفيد إن التحقيقات أثبتت إن سامح هو اللي أقنع ابني بخطة الاستيلاء على الأرض، وإن ابني نفذ جزءًا منها بسبب الديون.
لكن التقرير أوضح إن ابني هو اللي اتخذ قرارات الاحتجاز ومنع الطعام بنفسه.
يعني المسؤولية ما كانتش مشتركة في كل شيء.
كل واحد هيتحاسب على اللي عمله.
أما أنا، فقررت أعمل حاجة ما كنتش مخطط لها.
خصصت جزءًا من دخل الأرض لمساعدة الأسر المحتاجة في البلد، لكن بشكل قانوني ومنظم.
ومرات ابني تولت إدارة المبادرة.
وفي أول يوم، وقفت قدام مجموعة من الناس وقالت
أنا عرفت معنى إن الإنسان يبقى محتاج، وعرفت كمان إن المساعدة الحقيقية مش فلوس وبس. أحيانًا كلمة، أو باب مفتوح، أو شخص يصدقك ممكن ينقذ حياة.
كنت واقفة في آخر المكان وبسمعها.
وفخورة بيها.
بعد فترة، وصلتني رسالة من ابني.
كانت قصيرة
ماما، أنا مش طالب منك ترجعي كل حاجة زي الأول. أنا بس عايز فرصة أصلح نفسي.
قريتها أكتر من مرة.
وبعدها رديت
إصلاح نفسك مش محتاج إذني. ابدأ من النهارده.
مرت شهور.
وبدأ فعلًا يتغير.
اشتغل في مكان بعيد عن الأرض، والتزم بالعلاج النفسي وبرنامج التأهيل، وبقى يسدد جزءًا من الأموال اللي ثبت إنه أخذها.
ما رجعش يعيش مع زوجته.
وما ضغطتش عليها إنها ترجع له.
كان القرار قرارها وحدها.
وفي يوم، سألتني
هو ممكن الإنسان يتغير فعلًا؟
قلت لها
ممكن، بس التغيير بيتثبت بالأفعال مش بالكلام.
ابتسمت.
وأنا بدأت أصدق ده.
بصيت للأرض من الشباك.
الأشجار كانت خضرا، والعمال شغالين، والبيت مليان حركة من جديد.
وفكرت في أول يوم رجعت فيه من فرنسا.
كنت فاكرة إني رجعت عشان أطمن على الأرض وابني.
لكن الحقيقة إني رجعت في الوقت المناسب عشان أنقذ إنسانة كانت بتختفي قدام عينيها يومًا بعد يوم.
ومن يومها، بقيت أقول لنفسي
أحيانًا الرجوع بدري عن الميعاد مش صدفة أحيانًا ربنا بيرجعك قبل ما يفوت الأوان.
لكن بعد ما ظننا إن كل شيء انتهى، ظهر في البريد خطاب جديد...
وكان يحمل اسم والد زوجة ابني.
ولما قرأت أول سطر، عرفت إن في سرًا أخيرًا لم نكتشفه بعد فتحت الخطاب وأنا مش فاهمة ليه والد مرات ابني بعت لي بعد كل اللي حصل.
أول سطر خلاني أقعد.
أنا عارف إن بنتي قالت لك إن أهلها مش عايزين يعرفوا عنها حاجة لكن الحقيقة غير كده.
كملت القراءة.
كان بيقول إنهم حاولوا يتواصلوا معاها أكتر من مرة، لكن كل مرة كانت الرسائل بتوصلهم إنها مش عايزة تشوفهم.
اتصلت بمرات ابني فورًا.
أبوكي بعت لي.
وشها اتغير.
هو عرف مكاني؟
أيوه.
سكتت شوية، ثم قالت
أنا كنت فاكرة إنهم سابوني.
قلت لها
الخطاب بيقول العكس.
قعدت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين اعترفت إنها من أول شهرين في الجواز كانت بتحاول تتواصل مع أهلها، لكن زوجها كان بياخد تليفونها أوقات، وبيمنعها من الخروج، وبيقول لها إن أهلها مش عايزينها ترجع لهم.
قالت
كنت بصدقه.
قلت لها
ليه؟
لأنه كان كل مرة يوريني رسالة ويقول إنهم رفضوا يساعدوني.
المحامية طلبت تشوف الرسائل.
وبعد مراجعة الهاتف القديم اللي احتفظت بيه مرات ابني، اكتشفنا حاجة صادمة.
الرسائل اللي كانت بتشوفها لم تكن كاملة.
كانت فيه رسائل محذوفة، ورسائل لم تصل أصلًا.
واتضح إن والدها كان بيحاول يوصل لها طوال الفترة دي.
طلبنا منه ييجي.
ولما وصل، كانت لحظة صعبة جدًا.
مرات ابني وقفت قدامه وهي مترددة.
قال لها
أنا دورت عليكي سنين.
قالت
كنت فاكرة إنكم مش عايزيني.
رد
ولا يوم.
وبدأت تحكي له كل اللي حصل.
ما قاطعهاش.
سمعها للآخر.
وبعدين قال
أنا آسف إننا ما عرفناش نوصل لك.
ردت
مش ذنبك.
وقفت بعيد عنهم.
ما حبيتش أتدخل في اللحظة دي.
لكن لما خرج والدها، قالت لي
أول مرة أحس إن عندي بيت أرجع له.
قلت لها
وإنتي من حقك تختاري فين بيتك.
بعدها بأيام، قررت إنها تبدأ حياة مستقلة.
استأجرت شقة صغيرة قريبة من
متابعة القراءة