لما رجعت بدرى

لمحة نيوز

ما راحتش مني.
تنفست لأول مرة من يوم ما رجعت.
لكن المحامية قالت
لسه عندنا سؤال مهم. مين اللي حاول يعمل كده؟
رجعت للمستشفى.
مرات ابني كانت حالتها اتحسنت شوية، وأصبحت قادرة تتكلم أكتر.
قلت لها
تعرفي اسم الشخص اللي كان بيتردد على الأرض؟
فكرت شوية.
أيوه.
مين؟
رجل اسمه سامح.
كان بييجي ليه؟
كان بيتكلم مع جوزي عن الأرض والديون.
شوفتيه معاه وقت توقيع العقد؟
سكتت.
وبعدين قالت
شوفته داخل مكتبك القديم في يوم جوزي قال لي فيه إنه هيحل كل المشاكل.
المحامية سألت
هل كان فيه حد تاني؟
هزت رأسها.
كان فيه موظف من مكتب التسجيل.
هنا المحامية بدأت تكتب بسرعة.
وقالت
دي شهادة مهمة جدًا.
بعدها بأيام، تم استدعاء ابني مرة تانية.
المرة دي ما دخلش بنفس الثقة.
كان عارف إن الدفتر والعقد وشهادة زوجته كلهم ضده.
قعد قدام المحقق وسكت.
لكن لما سألوه عن العقد، قال
أنا ما زورتهوش.
المحقق سأله
مين زوره؟
فضل ساكت.
ثم قال
أنا كنت بحاول أحمي الأرض.
المحقق رد
تحميها من مين؟
رفع عينه وقال
من الديون.
كان بيحاول يقنعهم إنه كان ناوي يبيع جزء من الأرض عشان يسدد الديون ويحافظ على الباقي.
لكن المشكلة إن العقد كان باسم شخص آخر، وإن التوقيع منسوب لي من غير علمي.
ومع مراجعة الحسابات، ظهر إن جزءًا من الأموال اتصرف بالفعل في ديون ومصاريف شخصية.
وفي نفس الوقت، بدأت مرات ابني تتعافى.
وفي أول يوم قدرت فيه تمشي خطوات بسيطة، طلبت مني حاجة غريبة.
قالت
عايزة أرجع الأرض.
بصيت لها باستغراب.
ليه؟
قالت
عشان أواجه كل اللي حصل.
رجعنا الأرض بعد خروجها من المستشفى، لكن المرة دي كانت الشرطة معانا.
دخلت الحظيرة.
وقفت عند الباب وبصت للمكان اللي كانت بتاكل فيه العلف.
ثم قالت
أنا كنت فاكرة إني مش هخرج من هنا.
قلت لها
بس خرجتي.
قالت
مش أنا لوحدي.
بصت لي.
إنتي اللي فتحتي الباب.
ما عرفتتش أرد.
لكن في اللحظة دي، دخل واحد من رجال الشرطة وقال
لقينا حاجة جديدة في المخزن.
سألته
إيه؟
طلع كيس بلاستيك صغير من صندوق قديم.
جواه مفاتيح، ونسخة من العقد، وإيصالات تحويل.
وفي آخر ورقة كان فيه اسم شخص واحد متكرر في كل المستندات.
سامح.
المحامية بصت للأوراق وقالت
كده الصورة بدأت تكتمل.
لكن قبل ما نتحرك، رن موبايلي.
كان اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل وقال
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن ابنك ما تروحيش للمحكمة.
سألته
مين إنت؟
قال
واحد كان موجود من أول يوم.
ثم أغلق الخط.
مرات ابني بصت لي وقالت
صوته...
سألتها
تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه.
وبصوت مرتجف قالت
ده صوت الشخص اللي كان بييجي لجوزي ويتكلم معاه عن الأرض.
ساعتها عرفت إن القضية لسه فيها شخص أكبر من ابني.
وشخص كان مستعد يعمل أي حاجة عشان الأرض تقع في إيده.
لكن المرة دي...
مش هسيبه يختفي المحامية طلبت مني ما أردش على أي اتصال تاني من الرقم المجهول، واحتفظنا بسجل المكالمة.
وفي نفس الليلة، وصلنا خبر إن سامح حضر للتحقيق.
كان فاكر إن كل حاجة هتتحل بسهولة.
لكن أول ما واجهوه بالعقد المزور، وأنكر معرفته.
المحامي بتاعه قال
موكلي لا علاقة له بالأرض.
المحقّق رد بهدوء
إذن إزاي اسمه موجود في أكثر من مستند؟
ما عرفش يجاوب.
بعد ساعات من التحقيق، ظهرت نقطة جديدة.
كاميرا قديمة في مكتب قريب من الأرض كانت مسجلة يوم دخول سامح إلى مكتب والدي.
والتاريخ كان نفس اليوم الموجود على العقد.
لكن التسجيل كشف حاجة أهم.
سامح ما دخلش لوحده.
كان معاه ابني.
لما شفت التسجيل، ما حسيتش بالغضب قد ما حسيت بالخذلان.
ابني وقف قدام المحقق، وبعد لحظات طويلة قال
أيوه، أنا كنت موجود.
سأله
وإيه اللي حصل؟
قال
سامح قال لي إن الديون هتضيع الأرض، وإن الحل الوحيد إننا ننقل الملكية مؤقتًا.
المحقق سأله
باسم مين؟
سكت.
ثم قال
باسم شركة.
المحامية سألت
وليه العقد باسم شخص مختلف؟
ابني ما ردش.
هنا اتضح إن سامح كان بيحاول يعمل شركة وهمية، وينقل ملكية الأرض ليها، وبعدها يبيع جزءًا منها لتسديد ديون.
لكن ابني لم يكن بريئًا.
هو وافق على الخطة، واستغل ثقتي وأموالي، وحاول تزوير توقيعي.
أما مرات ابني، فكانت تعرف جزءًا من الحقيقة، ولذلك حاول منعها من الكلام.
لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد كانت في شهادة موظف التسجيل.
قال إن ابني حضر إليه قبل توقيع العقد، وطلب منه تجهيز الأوراق، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة.
وبعدها اختفت نسخة من المستندات.
لما واجهوا ابني بالأدلة، انهار.
وقال
أنا غلطت.
بصيت له من خلف الزجاج.
كان ابني.
نفس الطفل اللي كنت أشتغل في الغربة عشانه.
لكن الغلط ما كانش موقف واحد.
كان سلسلة قرارات، كل قرار فيها كان ممكن يرجع عنه.
اختار يكمل.
بعد انتهاء التحقيق، رجعت لمرات ابني.
كانت قاعدة في المستشفى، وأول ما دخلت قالت
هو هيكرهني.
قلت لها
إنتي ما عملتيش حاجة غلط.
قالت
بس بسبب كلامي، ابنه هيتحاسب.
رديت
هو هيتحاسب على أفعاله، مش على كلامك.
سكتت.
ثم قالت
أنا مش عايزة الأرض.
بصيت لها باستغراب.
أمال عايزة إيه؟
قالت
عايزة أعيش من غير خوف.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
وفهمت إن الأرض، مهما كانت غالية، عمرها ما كانت أهم من الإنسان اللي تعب عشانها.
قررت أبيع جزءًا صغيرًا من المحصول، وأسدد علاجها، وأوفر لها مكانًا مستقلًا تعيش فيه بعيدًا عن ابني.
أما الأرض، فقررت أرجع أديرها بنفسي.
وبعد أسابيع، صدر قرار رسمي بمنع ابني وسامح من التصرف في الأرض لحين انتهاء القضية.
أما مرات ابني، فبدأت رحلة علاج طويلة.
ولأول مرة من شهور، نامت وهي مطمئنة إن محدش هيقفل عليها باب.
وفي صباح يوم جديد، وقفت قدام الحظيرة.
المكان اللي شهد أسوأ أيامها.
فتحنا الباب.
لكن المرة دي، ما كانش جواه إنسانة خايفة.
كان فيه أدوات جديدة، وأقفاص نظيفة، وعلف متخزن بشكل سليم.
مرات ابني بصت للمكان وقالت
غريبة الدنيا.
قلت لها
ليه؟
قالت
نفس الباب اللي كنت بخاف منه بقى مفتوح.
ابتسمت وقلت
عشان اللي بيتقفل على الظلم لازم ييجي يوم ويتفتح بالحق.
ومع مرور الشهور، الأرض بدأت ترجع للحياة.
والبنت بدأت تستعيد صحتها.
أما ابني، فكان عليه يواجه نتائج أفعاله أمام القانون.
وأنا اتعلمت درسًا عمري ما هنساها
مش كل مرة تساعد فيها ابنك تكون بتساعده فعلًا.
أحيانًا أكبر مساعدة تقدمها له
إنك توقفه عند غلطه، حتى لو كان أغلى شخص عندك.
لأن الأم اللي تحب ابنها بجد مش اللي تغطي على غلطه.
لكن اللي تمنعه من إنه يتحول لإنسان أسوأ مرت ستة شهور، والأرض بدأت ترجع للحياة من جديد.
الأشجار اتقليمّت، المخزن اتنضف، والحظيرة اتصلحت بالكامل.
أما مرات ابني، فكانت حالتها الصحية اتحسنت جدًا، لكن آثار اللي عاشته كانت لسه موجودة.
كانت بتخاف من الأماكن المقفولة، وبتفزع من أي صوت مفتاح أو قفل.
عشان كده قررت ما أضغطش عليها.
قلت لها
خدي وقتك. محدش مستعجل على حاجة.
وبعد فترة، بدأت تساعدني في إدارة الأرض.
كانت بتراجع الحسابات، وتكتب المصروفات، وتتابع العمال.
وبالصدفة اكتشفت حاجة مهمة.
الأرض كانت ممكن تحقق دخل أكبر بكتير من اللي كنا متخيلين.
المشكلة إن ابني كان بيبيع المحصول بسعر أقل من قيمته، وبعدها يسجل أرقام مختلفة في الدفاتر.
يعني حتى بعد ما استخدم فلوسي، كان بيضيّع دخل الأرض.
المحامية قالت لي
لازم نبدأ من الصفر، لكن المرة دي كل حاجة تكون مكتوبة ومثبتة.
عملنا حسابًا مستقلًا للأرض، وخلينا كل المصروفات والتحويلات موثقة.
وبعد شهور قليلة، بدأ الوضع يتحسن.
وفي يوم، وصلتني رسالة من ابني من مكان احتجازه.
كان كاتب
ماما، أنا عارف إني خذلتك. بس لو
تم نسخ الرابط