لما رجعت بدرى

لمحة نيوز

لما رجعت بدري عن معادي لأرض ابني، ما كنتش متخيلة إن أول حاجة هشوفها هتكون مرات ابني راكعة جوه حظيرة الفراخ، وبتاكل علف الطيور بإيديها.
كنت راجعة من فرنسا قبل معادي ب أيام.
بعد وفاة جوزي، قضيت حوالي 7 سنين في فرنسا بشتغل في رعاية كبار السن، وكل قرش كنت بحوشه كنت ببعت جزء منه لابني عشان يساعدني في مصاريف الأرض.
كنت فاكرة إنه بيحافظ عليها.
لكن أول ما دخلت البيت، حسيت إن فيه حاجة غلط.
الشبابيك مقفولة، الأدوات الزراعية مصدية، والحوش مهمل، وكأن المكان ما اتفتحش من شهور.
وفجأة سمعت صوت معدن بيتخبط ورا المخزن.
مشيت ناحية الصوت، لقيت ابني بيقفل باب حظيرة الفراخ بقفل حديد.
قلت له
إنت بتعمل إيه؟
اتخض أول ما شافني.
ماما؟! إنتي رجعتي إمتى؟
مين جوه؟
اتوتر وقال
مراتي.
افتح الباب.
ماما، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.
افتح.
حاول يمنعني، لكني رفعت المزلاج وفتحت الباب.
وساعتها اتجمدت مكاني.
مرات ابني كانت قاعدة وسط القش والريش والفضلات، هدومها متبهدلة، وشكلها مرهق بشكل يخوف.
وفي إيدها حفنة علف.
أول ما شافتني، خبت إيدها ورا ضهرها.
قلت لها
إنتي بتاكلي علف؟
قالت بصوت ضعيف
كنت جعانة.
بصيت لابني.
يعني إيه جعانة؟
رد بكل برود
هي اللي رفضت تسمع الكلام.
وإنت بتحبس مراتك في حظيرة الفراخ؟
دي طريقتي عشان أخليها تتعلم المسؤولية.
بصيت له ومصدقة إني سامعة الكلام ده من ابني.
رجعت للبنت وقلت
آخر مرة أكلتي فيها وجبة كاملة إمتى؟
سكتت.
وبعد لحظات قالت
من 12 يوم.
حسيت إن قلبي وقع.
طلعت موبايلي وصورت القفل والمزلاج والحظيرة، وبعدها صورت الإصابات الظاهرة على إيديها.
ابني حاول ياخد الموبايل مني.
إنتي بتعملي إيه؟
قلت له
بوثق اللي شوفته بعيني.
واتصلت بالطوارئ.
بعد دقائق وصلت الشرطة والإسعاف.
وخدت مرات ابني للمستشفى، واتصلت بمحامية.
في المستشفى، الأطباء بدأوا الفحوصات.
وبعد ساعات، خرجت الدكتورة بتقارير الأشعات والتحاليل.
قالت لي
هي عندها سوء تغذية شديد، وفيه إصابات حديثة.
سألتها
وهل فيه حاجة تانية؟
الدكتورة سكتت شوية.
فيه إصابات قديمة جدًا.
قديمة قد إيه؟
بعضها من أكتر من سنة.
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم.
يعني إيه؟
قالت
فيه كسر قديم في منطقة الحوض، والتئم من غير علاج مناسب، وفيه إصابات تانية واضحة إنها حصلت قبل فترة طويلة.
رجعت للأوضة وقعدت جنب مرات ابني.
قلت لها
مين عمل فيكي كده؟
دموعها نزلت.
جوزي.
سألتها
من إمتى؟
قالت
من أول سنة في الجواز.
وليه ما قلتيليش؟
ردت بصوت مكسور
كنت خايفة أكون السبب في خراب بيتنا.
مسكت إيدها وقلت
البيت اللي بيتبني على الخوف مش بيت.
وبعدها دخلت المحامية.
حطت ملف قدامي وقالت
فيه حاجة أخطر.
بصيت لها.
إيه؟
قالت
راجعنا حسابات الأرض، وفيه مبالغ كبيرة اختفت على مدار السنين.
اتصدمت.
اختفت إزاي؟
ابنك كان بيسحب فلوس بحجة شراء معدات وأعلاف، لكن جزء كبير من المصاريف مالوش مستندات.
بصيت لمرات ابني.
قالت
أنا كنت عارفة.
عرفتي منين؟
لقيت دفتر حسابات قديم في مكتب الأرض.
المحامية سألتها
الدفتر فين؟
قالت
لسه موجود.
في اللحظة دي فهمت إن اللي حصل مش مجرد خلاف بين زوجين.
ابني أخفى عني حقيقة الأرض، واستغل فلوسي، وعذب زوجته، وحبسها، ومنع عنها الأكل.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن دفتر الحسابات ده كان هيكشف سر أكبر بكتير...
سر يثبت إن جزء من الأرض نفسها كان على وشك يضيع.
والأخطر...
إن ابني كان مخبي الورق في مكان قريب جدًا مني طوال السنين دي رجعت البيت في نفس الليلة، لكن المرة دي ما رجعتش كأم مكسورة خايفة على ابنها.
رجعت كصاحبة حق.
المحامية كانت معايا، ومعانا نسخة من محضر الشرطة.
وقفت قدام مكتب الأرض، ومرات ابني كانت لسه في المستشفى تحت الملاحظة.
فتحت الأدراج واحد واحد.
فواتير قديمة.
إيصالات.
عقود.
أوراق زراعة.
لكن الدفتر اللي قالت عليه مرات ابني ما كانش موجود.
المحامية سألتني
متأكدة إن المكتب ده ما اتغيرش؟
قلت
أنا اللي عملته بإيدي من سنين.
بدأنا نفتش بهدوء.
وفجأة لاحظت إن الخزانة الخشبية مكانها مختلف شوية عن اللي كنت فاكرها.
زقيتها.
سمعت صوت خبطة من وراها.
المحامية قالت
استني.
فتحت الجزء الخلفي من الخزانة، وظهر تجويف صغير في الحائط.
جواه كان فيه صندوق حديد.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الصندوق بالمفتاح القديم اللي كان معايا.
ولقيت الدفتر.
لكن ما كانش لوحده.
كان فيه مجموعة عقود، وإيصالات تحويل، وصور بطاقات، وكشف حساب كامل.
قعدت على الكرسي وبدأت أقلب الصفحات.
كل شهر كنت ببعت فيه فلوس من فرنسا، كان ابني بيسجل قدامها سبب مختلف.
سماد.
معدات.
عمال.
علف.
صيانة.
لكن الأرقام الحقيقية كانت أقل بكتير من اللي كان بيطلبه مني.
يعني جزء كبير من الفلوس كان بيتحول بعيد عن الأرض.
المحامية بصت للأوراق وقالت
هنا الدليل.
سألتها
دليل على إيه؟
قالت
إن فلوسك اتستخدمت في سداد ديون شخصية باسم ابنك.
حسيت بغضب شديد.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان كنت طول السنين فاكرة إني ببني مستقبل ابني.
وهو كان بيهد الأرض اللي تعبت عشانها.
في اليوم التالي، رجعت المستشفى.
مرات ابني كانت صاحيّة.
قعدت جنبها وقلت
لقيت الدفتر.
اتغير وشها.
لقيتيه؟
أيوه.
سألتها
ليه خبتيه؟
قالت
كنت خايفة إنه ياخده ويحرقه.
وإنتي عرفتي كل ده إزاي؟
سكتت شوية وقالت
من يوم ما بدأ يطلب منك فلوس أكتر من الطبيعي، بدأت أشك.
وكنتِ بتحاولي تساعدي الأرض؟
هزت راسها.
أيوه.
طيب ليه ما واجهتيهوش؟
قالت
واجهته.
ثم سكتت.
وبعدها حصلت الإصابات؟
هزت رأسها.
المحامية كانت واقفة عند الباب، وسجلت كلامها في محضر رسمي.
بعد يومين، الشرطة استدعت ابني للتحقيق.
كان أول ما دخل، بيبصلي بغضب.
إنتي وصلتي الموضوع لكده ليه يا ماما؟
قلت له
أنا ما وصلتش الموضوع لأي مكان. إنت اللي وصلته.
قال
دي مراتي وأنا أتصرف معاها.
ردت المحامية
لا. مش لما يكون فيه احتجاز ومنع طعام وإصابات موثقة.
سكت.
وبعدين قال
أنا كنت بحاول أصلحها.
بصيت له وقلت
الإصلاح مش بيكون بالتجويع.
ما ردش.
لكن قبل ما يخرج، قال جملة خلتني أعرف إن القصة لسه ما خلصتش
إنتي فاكرة إن الدفتر ده هيخلص كل حاجة؟
سألته
إنت تقصد إيه؟
ابتسم ابتسامة غريبة وقال
افتحي الملف الأزرق.
خرج.
بصيت للمحامية.
قالت
ملف أزرق؟
رجعنا البيت.
ودورنا على الملف.
وبعد ساعة كاملة، لقيناه جوه درج قديم في مكتب والده.
فتحناه.
وكانت الصدمة.
جواه عقد ملكية للأرض.
لكن اسم المالك في العقد لم يكن اسمي...
ولم يكن اسم ابني أيضًا.
كان اسم شخص غريب تمامًا.
وفي أسفل العقد، كان فيه توقيع منسوب ليا.
توقيع أنا متأكدة إني ما كتبتهوش.
رفعت عيني للمحامية وقلت
يعني إيه ده؟
قالت بهدوء
يعني إننا مش قدام قضية أذى أسري بس.
ثم أشارت للعقد وقالت
إحنا قدام محاولة للاستيلاء على الأرض نفسها.
وساعتها بدأت أفهم إن اللي حصل لمرات ابني كان جزء من مشكلة أكبر...
لكن السؤال الأصعب كان
مين الشخص اللي اسمه موجود على عقد الأرض؟
وليه ابني خبّى العقد عند والده؟
والأهم...
مين اللي زوّر توقيعي؟في اللحظة اللي شفت فيها العقد، حسيت إن السنين اللي قضيتها في فرنسا بتجري قدامي.
كل تحويل كنت ببعته.
كل مرة كنت أقول فيها لابني
حافظ على الأرض دي، دي تعب أبوك.
وكل مرة كان يطمني ويقول
متقلقيش يا أمي، أنا محافظ عليها أكتر من عيني.
طلع الكلام كله مجرد ستار.
المحامية مسكت العقد وقالت
ما تلمسيش الورقة أكتر من كده. هنحتاجها كدليل.
سألتها
والاسم ده؟
قالت
لازم نعرف مين صاحبه الأول.
في نفس اليوم، بدأت تتحرك رسميًا.
طلبت مراجعة أصل العقد وسجلات التسجيل، وكمان مقارنة التوقيع بتوقيعاتي القديمة.
بعد يومين، ظهرت النتيجة.
التوقيع الموجود على العقد مزور.
لكن المفاجأة الأكبر إن العقد نفسه ما كانش مسجل بشكل نهائي.
يعني الأرض قانونيًا

تم نسخ الرابط