جوزى
أتعلم إني ما أنساش تعبك.
في اليوم التالي، اجتمعت الأسرة كلها في المكتب.
كانت هناك لوحة جديدة على الحائط كتب عليها
عائلة محمود وهبة البداية كانت بيتًا، والنهاية أصبحت حلمًا.
وقفت البنات أمام اللوحة، وكل واحدة وضعت بصمتها بجوار اسمها.
ثم قالت فريدة
بابا، إحنا عايزين نعمل حاجة.
سألها
إيه؟
قالت
عايزين جزء من أرباح المشروع يروح لتعليم بنات محتاجين.
نظر محمود إلى هبة، ثم ابتسم.
قال
دي أجمل فكرة سمعتها.
ومن يومها، بدأ المشروع يساعد فتيات صغيرات على إكمال تعليمهن.
كانت هبة كلما رأت واحدة من هؤلاء الفتيات تحقق حلمًا، تتذكر الأيام التي كان محمود يردد فيها أن البيت يحتاج ولدًا.
وتقول في نفسها
ربنا أحيانًا بيحط قدامنا نعمة، وإحنا بنفضل ندور على نعمة تانية.
وفي عيد ميلاد تاليا، اجتمعت العائلة كلها.
أحضرت تاليا هدية ملفوفة لمحمود.
فتحها فوجد إطارًا كبيرًا.
في داخله صورة قديمة جدًا لهبة وهي تحمل علبة الذهب، وصورة حديثة تجمع الأسرة كلها.
وتحت الصورتين جملة واحدة
من يوم كنا فاكرين إننا ناقصين لحد ما عرفنا إننا كنا كاملين من البداية.
محمود ظل ينظر إلى الصورة طويلًا.
ثم قال
أنا عايز أقول لكم حاجة قدام الكل.
سكت الجميع.
قال
أنا أخطأت في حقكم زمان. ولو كان ينفع أرجع بالزمن، كنت هتصرفت بشكل مختلف.
ثم نظر إلى بناته
بس ربنا اداني فرصة أصلح غلطي، وإنتوا ساعدتوني أصلحه.
ثم نظر إلى هبة
وأنتِ كنتِ أقوى مني يوم أنا كنت أضعف ما أكون.
هبة ابتسمت وقالت
المهم إننا وصلنا.
وفي نهاية الحفل، أخرجت هبة علبة الذهب القديمة.
لكن هذه المرة لم تفتحها.
وضعتها أمام بناتها وقالت
دي مش علبة دهب.
سألتها تاليا
أمال إيه؟
ابتسمت هبة
دي علبة فيها درس عمرنا كله.
ضحكوا جميعًا.
ثم أخذ محمود العلبة ووضعها في خزانة زجاجية داخل المكتب.
وبجانبها وضعوا لوحة صغيرة كتبوا عليها
لا تجعل ما تتمناه يجعلك لا ترى ما تملكه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت العلبة جزءًا من قصة الأسرة.
كل شخص كان يدخل المكتب ويسأل عنها، كانت البنات يحكوا له الحكاية.
لكنهم لم يحكوا قصة رجل كان يريد ولدًا.
بل حكوا قصة رجل تعلم أن أعظم رزق قد يأتي في صورة لم يكن يتوقعها.
أما هبة، فكانت كلما نظرت إلى بناتها الثلاث، تقول بابتسامة
أنا ما كنتش محتاجة أدافع عنهم الأيام هي اللي أثبتت قيمتهم.
وكانت تلك هي الحقيقة التي لم يعد أحد في البيت يستطيع إنكارها
فريدة ونور وتاليا لم يكنّ يومًا قلة بخت بل كنّ أجمل ثلاث نعم دخلت بيتهم بعد سنوات طويلة، كبرت فريدة ونور وتاليا، وأصبح لكل واحدة منهن طريقها ونجاحها.
وفي يوم، اجتمعت الأسرة كلها في البيت القديم.
كانت هبة جالسة وسط بناتها، ومحمود بجوارها، والحاجة حكمت أمامهم.
أخرجت هبة علبة الذهب القديمة من الخزانة، ووضعتها على الطاولة.
قالت تاليا
لسه محتفظين بيها؟
ابتسمت هبة وقالت
دي مش علبة دي ذكرى.
نظر محمود إليها وقال
دي أكتر حاجة علمتني في حياتي.
فتح العلبة.
لم يكن بداخلها ذهب.
كانت فيها الصورة القديمة التي جمعتهم يوم بدأت المشكلة، وصورة أحدث تجمع الأسرة كلها.
وفوق الصور ورقة صغيرة كتبت عليها هبة
الذهب ممكن يخلص لكن البيت اللي فيه احترام ومودة عمره ما يفتقر.
قرأ محمود الجملة، وسكت لحظات.
ثم نظر إلى بناته وقال
أنا زمان كنت بدور على ولد يشيل اسمي دلوقتي أنا شايف اسمي فيكم أنتم.
فريدة ابتسمت.
ونور أمسكت بيد أختها.
أما تاليا فقالت
وإحنا فخورين إنك أبويا.
الحاجة حكمت مسحت دموعها وقالت
ربنا يسامحني على كل كلمة قلتها زمان.
هبة ردت بهدوء
المهم إننا اتعلمنا.
ثم أغلقت العلبة، ووضعتها في مكانها.
محمود أمسك يد هبة وقال
فاكرة يوم ما طلبت منك الدهب؟
ضحكت وقالت
طبعًا.
قال
لو كنتِ اديتيني الدهب وقتها، كنت هبيعُه وأكمل الشقة ويمكن ما كنتش أفهم أبدًا قيمة اللي عندي.
ابتسمت هبة وقالت
يبقى الحمد لله إن العلبة كانت فاضية.
ضحك الجميع.
وفي تلك اللحظة، فهمت هبة أن أعظم انتصار لم يكن أنها منعت محمود من أخذ ذهبها.
بل أنها رأت أسرتها تستعيد تماسكها، ورأت بناتها يكبرن وهن يعرفن أنهن نعمة، لا عبء.
أما الشقة التي كانت يومًا سببًا في الأزمة، فتحولت إلى مشروع ناجح للبنات، وأصبحت مصدر رزق للأسرة كلها.
وعاشت هبة ومحمود سنوات طويلة وهما يريان بناتهما يحققن أحلامهن واحدة تلو الأخرى.
وفي آخر مرة سألت فيها إحدى البنات هبة عن سر علبة الذهب، ابتسمت وقالت
العلبة كانت فاضية من الذهب لكنها كانت مليانة درس.
ثم أضافت
الإنسان لما يبص على اللي ناقصه، ممكن يخسر اللي ربنا اداهوله. لكن لما يعرف قيمة النعمة اللي في إيده، ساعتها بس يفهم معنى الغنى الحقيقي.
ومن يومها، ظلت علبة الذهب في مكانها
شاهدة على اليوم الذي كاد فيه محمود يخسر أسرته،
واليوم الذي فهم فيه أن فريدة ونور وتاليا لم يكنّ أبدًا قلة بخت بل كنّ أجمل رزق في حياته.
تمت.