جوزى

لمحة نيوز

أول وظيفة لها، ونور حولت موهبتها في الرسم إلى مشروع صغير، أما تاليا فكانت تستعد لامتحانات الثانوية.
محمود كان يتابع نجاحهن واحدة واحدة، وكلما حققت واحدة منهن شيئًا جديدًا، كان يقول نفس الجملة
أنا عندي ثلاث بنات وكل واحدة فيهم مشروع عمر كامل.
وفي يوم، دخلت فريدة البيت وهي تحمل ظرفًا كبيرًا.
قالت
بابا ماما عندي خبر.
جلست هبة بجوار محمود.
فتحت فريدة الظرف وقالت
اتقبلت في منحة دراسية خارج مصر.
البيت كله فرح.
لكن بعدها قالت فريدة
المشكلة إن السفر والتجهيزات محتاجين مبلغ كبير.
محمود سكت لحظة.
هبة قالت
مش مشكلة، هنلاقي حل.
لكن محمود قام ودخل غرفته.
رجع بعد دقائق، وفي إيده علبة صغيرة.
كانت علبة الذهب القديمة.
وضعها على الترابيزة.
فريدة سألت
إيه دي يا بابا؟
محمود ابتسم وقال
دي العلبة اللي غيرت حياتنا.
فتحها أمام بناته.
كانت الصورة القديمة ما زالت بداخلها، ومعها الأوراق التي بدأت بها الحكاية.
قال
من سنين، كنت فاكر إن الذهب هو الحل لكل مشكلة.
ثم نظر إلى فريدة وقال
لكن النهارده، أنا عايز أستخدم الحاجة اللي اتعلمنا بسببها معنى المسؤولية.
هبة فهمت قصده فورًا.
محمود كان قد ادخر مبلغًا طوال السنوات الماضية، وقرر أن يستخدمه بالكامل في تعليم فريدة.
فريدة بدأت تبكي وقالت
بس يا بابا، ده تعبك.
رد
إنتِ بنتي، ومستقبلك مش خسارة.
نور وتاليا اقتربتا من أختهم، وبدأت الأسرة كلها تتحدث عن تجهيزات السفر.
وقبل سفر فريدة بأيام، ذهبت إلى جدتها حكمت.
قالت لها
تيتة، أنا مسافرة عشان أحقق حلمي.
حكمت ابتسمت وقالت
روحي يا بنتي، وارفعي راس أبوكي وأمك.
ثم أخرجت من درجها ظرفًا.
وقالت
ده مبلغ بسيط جمعته عشانك.
فريدة رفضت في البداية، لكن حكمت أصرت.
وقالت
زمان كنت فاكرة إن البنت مالهاش لازمة غير لحد ما تتجوز. دلوقتي أنا عايزة أكون جزء من نجاحك.
احتضنت فريدة جدتها، وشكرتها.
وفي يوم السفر، اجتمعت الأسرة كلها.
محمود وقف أمام بناته وقال
اسمعوني كويس. أنا زمان غلطت لما صدقت إن قيمة الإنسان بتتحدد إذا كان عنده ولد أو بنت.
ثم نظر إلى هبة
وأمكم كانت أول واحدة حاولت تفهمني الحقيقة.
هبة ابتسمت.
قال محمود
إنتوا مش محتاجين تثبتوا إنكم تستاهلوا حاجة. إنتوا تستاهلوا من البداية.
فريدة ركبت السيارة، وقبل أن تتحرك، قالت
بابا أوعدك إني هخليك فخور بيا.
ضحك وقال
أنا فخور بيكي قبل ما تبدأي.
تحركت السيارة.
وقفت هبة بجوار محمود، وكل منهما ينظر إلى الطريق.
قال محمود
فاكرة لما كنت واقف هنا وبطلب منك علبة الذهب؟
ضحكت هبة وقالت
إزاي أنسى؟
قال
لو الزمن رجع بيا، كنت هطلب منك حاجة واحدة بس.
سألته
إيه؟
قال
كنت هطلب منك تسامحيني بدري.
سكتت هبة قليلًا، ثم قالت
المهم إنك اتعلمت.
رد محمود
وأهم درس اتعلمته إن الإنسان ممكن يكون غني جدًا وهو مش واخد باله.
ثم نظر إلى البيت.
أنا عندي زوجة وقفت جنبي، وثلاث بنات كل واحدة فيهم عندها حلم إيه أكتر من كده؟
ابتسمت هبة.
وفي المساء، فتحت علبة الذهب مرة أخيرة.
وضعت بداخلها صورة جديدة لفريدة وهي تسافر لتحقيق حلمها.
وبجانب الصورة كتبت
العلبة التي بدأت بحكاية الذهب انتهت بحكاية ثلاث بنات علّموا أباهم أن أغلى ما يملكه الإنسان ليس ما يضعه في خزائنه، بل ما يزرعه في أولاده.
وأغلقت العلبة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد هبة تفتحها إلا عندما تحتاج أن تتذكر شيئًا واحدًا
أحيانًا، أكبر خسارة يخاف منها الإنسان تكون هي نفسها بداية أجمل تغيير في حياته مرت ثلاث سنوات أخرى، وتغيرت حياة الأسرة أكثر مما كانت هبة تتخيل.
فريدة أنهت دراستها في الخارج بتفوق، ورجعت مصر وهي تحمل شهادة كبيرة وفرصة عمل ممتازة.
نور أصبح لها مشروعها الخاص في الرسم والتصميم، وتاليا دخلت الجامعة وبدأت تدرس المجال الذي تحبه.
أما محمود، فكان كلما جلس مع أصدقائه يتحدث عن بناته الثلاث بفخر.
وفي أحد الأيام، عاد محمود إلى البيت ومعه ظرف بني كبير.
قال لهبة
فاكرة الشقة اللي فوق؟
قالت
طبعًا.
ابتسم وقال
أنا اشتريتها تاني.
هبة اتفاجئت
ليه؟
قال
مش علشان أتجوز فيها، ولا علشان أبيعها.
ثم وضع المفتاح على الطاولة.
أنا عايز أحولها لمشروع للبنات.
استغربت هبة.
شرح لها
فريدة عندها خبرة في الإدارة، ونور عندها موهبة في التصميم، وتاليا لسه بتتعلم. عايز أجهز لهم المكان ده عشان يبدأوا مشروعهم مع بعض.
سكتت هبة وهي تنظر إليه.
ثم قالت
أنت فاكر أول مرة دخلت الشقة دي؟
ضحك محمود
فاكر كويس وعمري ما هنسى.
قالت
وقتها كنت بتبنيها عشان تبدأ حياة بعيد عننا.
رد
دلوقتي ببنيها عشان بناتي يبدأوا حياتهم وهما قريبين مني.
بعد أسابيع، تحولت الشقة التي كانت يومًا سببًا في أكبر خلاف داخل الأسرة إلى مكان مليء بالحياة.
مكتب لفريدة.
ركن واسع لنور.
ومكتبة كبيرة لتاليا.
وعلى الحائط علقت البنات صورة قديمة لوالدهم ووالدتهم.
وفي المنتصف وضعت هبة علبة الذهب القديمة.
نور ضحكت وقالت
ماما، ليه حاطينها هنا؟
ابتسمت هبة
عشان كل واحد يدخل المكان ده يعرف الحكاية.
سألت تاليا
حكاية إيه؟
نظر محمود إلى العلبة وقال
حكاية إن الإنسان ممكن يتعلم متأخر لكن المهم إنه يتعلم.
ثم أضاف
وأنا اتعلمت إن البنت مش مشروع زواج، ولا عبء، ولا أقل من الولد.
فريدة ابتسمت وقالت
وإحنا اتعلمنا إن بابا ممكن يغلط وممكن كمان يصلح غلطه.
ضحك محمود
بس أوعى تفضحيني قدام الناس.
قالت فريدة
دي مش فضيحة، دي قصة نجاح.
ضحك الجميع.
وبعد فترة قصيرة، بدأ مشروع البنات يحقق نجاحًا كبيرًا.
جاء أول عقد كبير لهم، وكانت قيمته أكبر مما توقعوا.
احتفلوا جميعًا في البيت.
الحاجة حكمت كانت جالسة بينهم، تنظر إلى حفيداتها الثلاث بسعادة.
ثم قالت
يا هبة فاكرة اليوم اللي قلت فيه إن البنات قلة بخت؟
هبة ابتسمت.
قالت حكمت
أنا كنت غلطانة جدًا.
ثم نظرت إلى محمود
وأنت كنت هتخسر أجمل حاجة في حياتك بسبب كلامي.
محمود رد بهدوء
إحنا الاتنين اتعلمنا.
سكتت حكمت لحظة، ثم قالت
بس عندي طلب.
نظروا إليها.
قالت
عايزة صورة تجمعنا كلنا.
ضحكت تاليا
تيتة عايزة تعمل ذكريات!
قالت حكمت
أيوه عايزة أفتكر إني كنت غلطانة، وأفتكر كمان إزاي ربنا علمني.
وقفوا جميعًا أمام الكاميرا.
هبة بجوار محمود.
وفريدة ونور وتاليا في المنتصف.
والحاجة حكمت بينهم.
التقطت الصورة.
وفي اللحظة دي، محمود بص لهبة وقال
عارفة إيه أغرب حاجة؟
قالت
إيه؟
قال
إن العلبة اللي كنت فاكر إنها هتجيب لي الدهب هي نفسها اللي خلتني أكتشف قيمة بيتي.
ابتسمت هبة وقالت
يبقى الحمد لله إنها كانت فاضية.
ضحك محمود وقال
أيوه لأنها لو كانت مليانة ذهب، يمكن ما كنتش اتعلمت.
نظرت هبة إلى بناتها الثلاث.
ثم قالت
الذهب بيتباع ويتعوض لكن لو الإنسان خسر أهله، مش كل حاجة بتتعوض.
وهكذا، تحولت الشقة التي بدأت منها المشكلة إلى بداية جديدة.
وتحولت علبة الذهب من رمز للطمع والأنانية إلى ذكرى تعلمت منها الأسرة كلها درسًا لن تنساه.
وأصبح محمود كلما رأى بناته الثلاث يقول
أنا زمان كنت بدور على ابن يحمل اسمي وما كنتش فاهم إن عندي ثلاث بنات هيخلوا اسمي يعيش في الدنيا بعدي مرت الأيام، ونجاح البنات بدأ يكبر بشكل واضح.
فريدة أصبحت المسؤولة عن إدارة المشروع، ونور تولت التصميم، وتاليا كانت تتعلم منهما كل يوم.
أما محمود، فكان يشعر أن البيت الذي ظن يومًا أنه ناقص، أصبح أكثر بيت مليء بالحياة.
وفي إحدى الليالي، جلس محمود مع هبة وقال
هبة، أنا عايز أقول لك حاجة.
قالت
خير؟
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا ووضعه أمامها.
قال
ده مفتاح مكتب جديد.
استغربت
مكتب جديد لمين؟
قال
ليكي إنتِ.
ضحكت
أنا؟ هعمل إيه بمكتب؟
رد
سنين وإنتِ واقفة ورا الكل. بتربي البنات، وبتحافظي على البيت، وبتساعديهم في شغلهم. أنا شايف إن الوقت جه يكون ليكي حاجة باسمك.
ثم أخبرها أنه جهز لها مكانًا صغيرًا داخل المشروع، تستطيع فيه إدارة حسابات العمل وبيع المنتجات التي كانت تصنعها بنفسها منذ سنوات.
هبة سكتت، وعينيها امتلأت بالدموع.
قالت
إنت فاكر كل ده؟
رد
أنا نسيت حاجات كتير زمان بس دلوقتي بقيت
تم نسخ الرابط