جوزى

لمحة نيوز

سبع سنين وأنا واقفة جنب جوزي محمود، شايلة بيته وبربي بناته الثلاثة فريدة ونور وتاليا، وعمري ما قصرت معاه في حاجة.
لكن حماتي الحاجة حكمت كانت شايفة إن البنات مش كفاية، وكانت دايمًا تقول له
يا ابني لازم يكون لك ولد يشيل اسمك.
ومحمود بدأ يصدق كلامها، وقرر يتزوج مرة تانية من بنت اسمها شيرين، بحجة إنه عايز يحاول يرزق بولد.
بدأ يجهز شقة فوق شقتنا، وكل يوم مصاريف جديدة، لحد ما الفلوس خلصت والتشطيب وقف.
في يوم دخل محمود البيت ومعاه شيرين وأمه، وقال لي بكل ثقة
هبة، هاتي علبة دهبك. أنا محتاج أبيع الدهب وأكمل الشقة، ولما ربنا يفرجها عليا أجيبهولك.
قبل ما أرد، دخلت حماتي وقالت
بتسألها ليه؟ ده حقك يا محمود!
بصيت لهم كلهم، وما عملتش مشكلة.
ابتسمت وقلت
حاضر ثواني وهجيب العلبة.
طلعت أوضتي، وبعد دقائق رجعت وأنا ماسكة علبة صغيرة.
مديتها لمحمود.
أخدها بسرعة، وفتحها قدام أمه وخطيبته.
لكن أول ما شاف اللي جواها اتغير لون وشه تمامًا.
العلبة ما كانش فيها دهب.
كان جواها عقد ملكية الشقة اللي ساكنين فيها، وإيصالات دفع باسمي، وورقة مكتوبة بخط محمود نفسه من سبع سنين.
مسك الورقة بإيد مرتعشة.
كانت إقرارًا منه إن الشقة ملك ليّ، وإنه لا يحق له بيعها أو التصرف فيها، لأنها اتدفعت من مالي قبل الزواج، وهو كان مجرد شريك في بعض المصاريف.
رفع عينه وقال
إنتِ كنتِ مخبية الورق ده؟
رديت بهدوء
أنا ما خبيتوش أنت عمرك ما سألت. أنت كنت فاكر إن كل حاجة في البيت حقك لمجرد إنك جوزي.
الحاجة حكمت خطفت الورقة من إيده، ولما قرأتها اتصدمت.
أما شيرين، فقالت لمحمود
يعني الشقة اللي كنت بتقول إنها بتاعتك مش بتاعتك؟
سكت محمود.
قلت لها
والأهم من الشقة، إن الراجل اللي هيبدأ حياته الجديدة وهو مديون ببيته القديم، لازم الأول يتعلم يحافظ على النعمة اللي في إيده.
بص محمود لبناته الثلاثة، وسكت طويلًا.
فريدة كانت واقفة ورايا، ونور ماسكة إيد أختها، وتاليا الصغيرة مش فاهمة اللي بيحصل.
وقتها قلت له
أنا مش هسمح إن بناتي يكبروا وهم فاكرين إن وجودهم أقل قيمة عشان اتولدوا بنات. دول رزقك اللي أنت كنت مش شايفه.
محمود نزل عينه في الأرض.
وبعد لحظات قال
هبة أنا غلطت.
رديت
الغلط مش إنك حلمت بولد. الغلط إنك ظلمت بناتك وزوجتك عشان حلم مش مضمون.
سادت لحظة صمت طويلة.
ثم أخذ محمود علبة الذهب، وقفلها، وحطها قدامي.
وقال
الدهب ده يفضل مكانه. والشقة دي مش هتتباع ولا هتتلمس.
أما شيرين، فقالت بهدوء
أنا مش هكمل الجواز. مش عشان الشقة ولا الدهب لكن عشان اكتشفت إنك كنت داخل حياتي وأنت مش مقدّر البيت اللي عندك.
وانتهت الخطوبة في نفس اليوم.
بعدها وقف محمود أمام بناته الثلاث، وقال لأول مرة
سامحوني أنا كنت فاكر إن الولد هو السند، ونسيت إن السند الحقيقي هو اللي بيحبك ويقف جنبك.
مرت الأيام، وبدأ محمود يتغير فعلًا.
لم يعد يتعامل مع بناته على إنهن أقل من أي طفل، بل بدأ يهتم بدراستهن ومستقبلهن، وأصبح يقول لكل من حوله
أنا عندي ثلاث بنات، ودول أغلى رزق ربنا اداهولي.
أما أنا، فلم أنسَ تلك العلبة أبدًا.
لأنها لم تكن علبة ذهب
كانت علبة كشفت قيمة أشياء أغلى من الذهب حق أولادي، وكرامتي، وحقيقة البيت الذي كنت أحافظ عليه طوال سبع سنوات.
ومن يومها، فهم محمود أن الرجل لا يقاس بعدد أبنائه ولا بنوعهم
بل بقدرته على حفظ النعمة التي أعطاها الله له مرت شهور بعد إلغاء الجوازة، والبيت بدأ يرجع لهدوئه من جديد.
محمود كان بيحاول يصلح اللي كسره، لكن المرة دي أنا ما كنتش مستعدة أصدق كلام من غير أفعال.
كان كل يوم يرجع من شغله بدري، يقعد مع البنات، يسألهم عن المدرسة، ويساعد فريدة في مذاكرتها، ويشتري لنور الأدوات اللي بتحبها، وحتى تاليا الصغيرة بقى يحفظ لها الحكايات قبل النوم.
لكن الحاجة حكمت ما كانتش راضية.
في يوم دخلت علينا وقالت لمحمود
إنت كده هتضيع عمرك يا ابني! لسه قدامك فرصة تتجوز وتجيب الولد اللي نفسك فيه.
محمود بص لها بهدوء وقال
يا أمي، أنا مش ههدم بيتي عشان أجري ورا حاجة ربنا مش كاتبها.
اتصدمت من كلامه.
قالت
يعني هتعيش عمرك كله وسط البنات؟
رد عليها
أنا مش وسط بنات غريبة دول بناتي.
الكلمة دي كانت أول مرة أسمعها منه بالشكل ده.
لكن بعدها بأيام حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
محمود رجع البيت ومعاه ملف كبير.
حطه قدامي وقال
هبة، افتحيه.
فتحت الملف، ولقيت أوراق خاصة بالشقة اللي فوقينا.
بصيت له باستغراب.
قال
أنا قررت أبيع الشقة دي.
سألته
وتعمل بإلزامها إيه؟
ابتسم وقال
هسدد بيها الديون اللي عليا، والباقي هحطه في حساب باسم البنات.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
قال
أنا كنت ببني شقة عشان أبدأ حياة جديدة، ونسيت إن عندي حياة كاملة هنا.
سكتُّ.
فكمل
مش عايز أقول لك إني اتغيرت بالكلام. أنا عايزك تشوفي ده بنفسك.
بعدها بأسبوع، بدأ محمود ينفذ كل اللي قاله.
باع الشقة، سدد التزاماته، وفتح حسابات توفير لبناته الثلاثة.
أما الحاجة حكمت، فبعد فترة طويلة من الصمت، دخلت البيت ذات يوم وهي ماسكة ثلاث هدايا.
حطت واحدة قدام فريدة، وواحدة قدام نور، وواحدة قدام تاليا.
قالت
أنا غلطت في حقكم.
البنات بصوا لها باستغراب.
قالت وهي بتحاول تخفي دموعها
كنت فاكرة إن الولد هو اللي يسند، وما فهمتش إن البنت ممكن تكون أغلى من الدنيا كلها.
فريدة قربت منها وقالت
إحنا مش زعلانين منك يا تيتة.
الكلمة دي خلت الحاجة حكمت تسكت تمامًا.
أما محمود فكان واقف بعيد، بيتفرج على المشهد.
وبعدها قرب مني وقال
فاكرة علبة الدهب؟
ابتسمت وقلت
أنساها إزاي؟
قال
العلبة دي غيرت حياتي.
سألته
إزاي؟
رد
لأني يومها كنت فاكر إني بطلب منك دهب لكن اكتشفت إني كنت على وشك أخسر حاجات أغلى من الذهب بكتير.
وبص لبناته وقال
كنت على وشك أخسر بيتي، وزوجتي، وثقة بناتي في أبوهم وكل ده عشان فكرة غلط.
ومن يومها، لم تعد العلبة مجرد ذكرى لموقف حصل في البيت.
بقت عندي في درج صغير، وكل ما أشوفها أفتكر اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن محمود هيخسرني
لكن الحقيقة إنه في اليوم ده، هو اللي كسب عيلته من جديد بعد مرور سنة، كانت حياتنا اتغيرت بشكل كبير.
محمود بقى أب مختلف تمامًا. بقى هو أول واحد يفرح بنجاح بناته، وأول واحد يقف جنبهم لو واحدة فيهم تعبت أو احتاجت حاجة.
لكن أنا كنت لسه جوايا خوف قديم.
كنت بخاف إن كلام أمه يرجع يأثر عليه، أو إن فكرة الزواج من جديد ترجع في يوم من الأيام.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق البيت، لقيت ظرف قديم بين الملفات.
فتحته، ولقيت فيه ورقة باسم محمود.
كانت عبارة عن تنازل رسمي عن أي حق له في الشقة اللي ساكنين فيها، وتسجيل حق الانتفاع والإقامة ليا وللبنات.
وقتها حسيت إن محمود فعل حاجة أكبر من مجرد الاعتذار.
دخل البيت، ولما شاف الورقة في إيدي، قال
كنت مستني الوقت المناسب أقول لك.
بصيت له وقلت
إيه ده؟
قال
أنا عايز أضمن إن بناتي عمرهم ما يخافوا من بكرة.
سألته
حتى لو حصل بينا أي خلاف؟
رد من غير تردد
حتى لو اختلفنا، حق بناتي وأمانهم مش محل تفاوض.
الكلمة دي كانت مختلفة عن كل كلامه القديم.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت بعدها بأيام.
جالي اتصال من المدرسة.
قالوا إن فريدة حصلت على المركز الأول على مستوى المحافظة، وإن فيه منحة دراسية كبيرة اتعرضت عليها.
رجعت البيت وأنا فرحانة

تم نسخ الرابط