تم الافراج
تم الإفراج عني من السجن بعد أربع سنين وأنا مصابة بسرطان رئة في مراحله الأخيرة، وكان أخويا واقف مستنيني جنب 3 عربيات سوداء.
تعالي معايا البيت.
قالها برجاء.
لكنني عدّلت معطفي بهدوء وقلت
أنا مبقاش ليا بيت عندك.
وبعدين طلعت الفلاشة الصغيرة اللي كنت مخبياها بقالها سنين...
وفي اللحظة دي، وشه اتغير تمامًا.
لو جبتي سيرة الفلاشة دي تاني، هتموتي قبل ما السرطان يقتلك.
كانت دي أول جملة قالتها لي ماريانا أورتيجا لما لقتني، في نفس اليوم اللي خرجت فيه من سجن سانتا مارتا للنساء.
كنت قضيت أربع سنين في السجن على جريمة أنا ما ارتكبتهاش.
وقبل خروجي بشهرين، دكتور السجن سلّمني حكم تاني على حياتي
سرطان رئة في مراحله الأخيرة.
تلات شهور... ويمكن ستة.
لما بوابة السجن اتفتحت، كنت متوقعة ألاقي شارع رمادي وتاكسي قديم مستنيني.
لكن بدل كده، لقيت 3 عربيات SUV سوداء واقفة قدام البوابة.
عرفت الشعار الفضي الموجود على أبوابها فورًا.
مجموعة السعدي.
وكان واقف جنب أول عربية أخويا الكبير، ياسين.
الراجل اللي رباني من يوم ما أمي ماتت.
نفس الراجل اللي، أثناء محاكمتي، قال إنه مش فاكر إذا كنت قضيت ليلة حادثة السرقة المزعومة في بيته ولا لأ.
تردده دمّر حجة غيابي.
ليلى...
همس باسمي لما شافني.
لكنني كملت طريقي.
تعالي معايا البيت.
أنا مبقاش ليا بيت عندك.
لحقني ياسين.
لازم نتكلم.
بصيت له ببرود.
كان لازم نتكلم من أربع سنين، لما قعدت بالساعات على ركبتي قدام بيتك وأنا بتوسل لك تراجع تسجيلات كاميرات المعمل.
ملامحه اتصلبت للحظة.
أنا فاكرة الليلة دي بالتفصيل.
المطر كان متجمد، وركبي كانت على الأرض من شدة البرد، وماريانا كانت واقفة بتتفرج عليّ من ورا الشباك.
وياسين...
قفل الستارة.
أنا غلطت.
حكايات_شروق_خالد
حصري
قالها بصوت منخفض.
هزيت رأسي.
لأ. إنت اخترت.
عدّيت من جنبه وركبت أتوبيس، ومعايا شنطة هدوم، شوية فلوس، وفلاشة USB صغيرة كنت مخبياها جوه بطانة جاكيتى.
أربع سنين كاملة وأنا بحافظ على الفلاشة دي كأنها حياتي.
لأنها كانت آخر وعد قطعته للدكتورة ربيكا منصور.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلت إلى مستشفى القاهرة العام، وطلبت أقابل الدكتورة نجلاء فؤاد، وهي باحثة كانت بتشتغل مع ربيكا.
لما دخلت عليها، طلعت الفلاشة من جيبي.
الدكتورة ربيكا قالتلي أسلمها لك لو حصل لها أي حاجة.
وش الدكتورة نجلاء شحب فجأة.
ربيكا ماتت من أربع سنين، بعد ما عربيتها خرجت عن الطريق وهي راجعة من طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.
الشرطة قالت إنها حادثة.
حكايات_شروق_خالد
حصري
لكن أنا عمري ما صدقت.
الدكتورة نجلاء حطت الفلاشة في الكمبيوتر.
ظهرت على الشاشة نسخ احتياطية لقواعد بيانات، ورسائل إلكترونية، وتسجيلات، ونتائج تجارب سريرية تخص مشروع M17.
مشروع علاجي تجريبي كانت بتموله مجموعة السعدي.
الدكتورة نجلاء قربت من الشاشة وهمست
دي البيانات الأصلية.
بصيت لها.
يعني إيه؟
قالت
ربيكا ما زورتش أي حاجة.
سكتنا لحظة.
ثم سألتها
أمال مين اللي غيّر النتائج؟
وفجأة...
الباب اتفتح.
دخلت ماريانا أورتيجا، لابسة بدلة كريمية أنيقة، وعلى وشها ابتسامة متقنة.
كانت أختنا بالتبني.
وكانت المفضلة عند أبويا.
حكايات_شروق_خالد
حصري
وهي نفسها الست اللي اتهمتني بسرقة عينات من المعمل، وتخريب الأبحاث، ومسح المعلومات.
دخل ياسين وراها.
بصت لي ماريانا وقالت بهدوء
مش هقدر أسمح لك تنشري اللي على الفلاشة دي يا ليلى.
الدكتورة نجلاء سحبت الفلاشة من الكمبيوتر.
دي استشارة خاصة.
ماريانا ما حتى بصتلهاش.
ليلى مريضة. لسه خارجة من السجن. مش في حالتها إنها تاخد قرارات مصيرية.
ثبتُّ عيني عليها.
إنتِ عرفتي منين إني مريضة؟
ابتسامتها اختفت للحظة.
ياسين بص لها.
وأنا لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف عليّ.
خوف من الحقيقة اللي بدأ يفهمها عن الست اللي اختار يصدقها بدل أخته.
ماريانا قربت مني وخفضت صوتها.
لأن في حاجات... أنا عمري ما بطلت أراقبها.
ساعتها حسيت ببرودة بتسري في جسمي.
أنا ما كنتش قلت لأي حد عن تشخيص السرطان.
ولا حتى لياسين.
ولا حتى للدكتورة نجلاء.
بصيت لماريانا وقلت
إنتِ كنتِ بتراقبيني؟
حكايات_شروق_خالد
حصري
ما ردتش.
لكن نظرتها قالت كل حاجة.
والأسوأ من كل ده...
إني اكتشفت إن ماريانا ما كانتش الوحيدة اللي مخبية الحقيقة.
كان فيه شخص تاني عارف كل حاجة.
وشخص كنت طول عمري فاكرة إنه وقف في صفي.
وقفت ماريانا قدامي من غير ما ترمش، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
قالت الدكتورة نجلاء بحدة
إنتِ دخلتي هنا إزاي؟
ابتسمت ماريانا ابتسامة باردة.
أنا عيلتها، ومن حقي أعرف هي بتعمل إيه.
رديت وأنا ببص لياسين
عيلتي؟
سكت.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي اتهام.
مدت ماريانا إيدها للدكتورة نجلاء.
الفلاشة.
نجلاء ضمت إيدها حوالين الفلاشة.
مستحيل.
ماريانا قربت خطوة.
إنتِ مش فاهمة حجم اللي بتلعبي فيه.
قلت
لا، هي فاهمة.
التفتت لي.
وإنتِ؟
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى.
أنا بدأت أفهم.
وفجأة، موبايل الدكتورة نجلاء رن.
بصت للشاشة، ووشها اتغير.
ده رقم ربيكا...
اتجمدت مكاني.
ربيكا ماتت من أربع سنين.
عارفة.
فتحت المكالمة على السماعة.
في البداية ما سمعناش غير تشويش.
وبعدين جاء صوت متقطع، ضعيف، لكنه واضح.
لو ليلى وصلت للفلاشة... يبقى أنا فشلت.
شهقت نجلاء.
أما أنا فحسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
الصوت كمل
ما تثقوش في ياسين.
رفعت عيني ناحية أخويا.
كان واقف مكانه كأنه اتشل.
ماريانا لأول مرة فقدت هدوءها.
اقفلي التسجيل!
صرخت فيها
إنتِ كنتِ عارفة!
لكن قبل ما حد يرد، انقطع التسجيل.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة على موبايل نجلاء.
صورة قديمة للدكتورة ربيكا.
وتحتها جملة واحدة
النسخة التانية من الفلاشة موجودة عند ليلى من أربع سنين... وهي مش عارفة إنها معاها.
بصيت لنجلاء.
يعني إيه النسخة التانية؟
وقبل ما تجاوب...
سمعنا صوت خبطة قوية على باب المكتب.
مرة.
مرتين.
ثم انفتح الباب ببطء.
ودخل رجل كنت أعرفه كويس جدًا.
رجل كنت فاكرة إنه مات من أربع سنين مع ربيكا.
لكنّه كان واقف قدامي...
حي.
وقال
لو عايزة تعرفي مين دخلك السجن يا ليلى، لازم تخرجي من المستشفى دلوقتي.
وفي اللحظة دي، اكتشفت إن أخطر سر في حياتي...
ماكانش موجود على الفلاشة أصلًا بصيت للرجل اللي واقف قدامي، وحاولت أفتكر ملامحه.
عرفته فورًا.
الدكتور سامح؟
هز راسه.
الدكتور سامح كان مساعد ربيكا في مشروع M17، والشرطة قالت إنه اختفى ليلة الحادث.
نجلاء قربت منه بحذر.
إنت كنت فين كل السنين دي؟
رد من غير ما يبص لها
لو جاوبتكم هنا، مش هتخرجوا من المستشفى.
ماريانا ضحكت بسخرية.
واضح إن السجن ماعلّمكيش يا ليلى تختاري الناس الصح.
لفيت ناحيتها.
وإنتِ واضح إنك متوترة أكتر من اللازم.
اتغيرت ملامحها.
في اللحظة دي، ياسين اتكلم لأول مرة
كفاية.
بصيت له.
لأ. مش كفاية.
طلعت الفلاشة من إيدي وحطيتها قدام نجلاء.
شغليها تاني.
الدكتور سامح مسك إيدي فجأة.
ما تعمليش كده.
ليه؟
لأن التسجيل اللي سمعناه مش هو أخطر حاجة عليها.
نجلاء فتحت الملفات من جديد.
ظهر مجلد باسم
M17 PATIENT 47
سألت
مين المريض رقم 47؟
سامح بص لي مباشرة.
وسكت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا؟
ما ردش.
لكن نجلاء فتحت الملف.
ظهر اسمي.
ليلى السعدي.
وتحت اسمي كانت فيه تواريخ تمتد لسنوات قبل حادث السرقة.
قلت بصوت مرتجف
أنا كنت مريضة قبل ما أدخل السجن؟
سامح قال
إنتِ ما كنتيش مريضة وقتها.
أمال ليه اسمي هنا؟
قرب من الشاشة.
لأنك كنتِ جزء من التجربة من غير ما تعرفي.
اتجمدت.
وفي نفس اللحظة، موبايل ياسين وقع من إيده.
بصيت له.
على الشاشة ظهر إشعار جديد.
رسالة من رقم مجهول
هي عرفت.
رفع عيني ناحيتي.
ولأول مرة، ما حاولش ينكر.
قال بصوت مكسور
ليلى... لازم تسمعيني.
رديت ببرود
بعد أربع سنين؟
هز راسه.
أنا ما كنتش عارف إنهم هيودوكي السجن.
ضحكت بمرارة.
لكن كنت عارف إنهم بيحاولوا يدفنوا الحقيقة.
سكت.
فهمت من سكوته إن الإجابة كانت نعم.
لكن قبل ما أقدر أضغط عليه، دوّى صوت إنذار الحريق في المستشفى.
الأنوار انطفأت.
وفي الظلام، سمعت نجلاء تصرخ
الفلاشة!
مديت