اعتنيت

لمحة نيوز

ياسين
زمان كانت شجرة صغيرة.
دلوقتي بقت تظلل ناس كتير.
ثم أضاف
زي رسالة أمي بالضبط.
وفي تلك الليلة، كتبت زينب الصغيرة رسالة جديدة.
وضعتها في غرفة الذكريات.
كتبت
إلى الجيل القادم.
يمكن ما تعرفوش مين كانت زينب.
ويمكن ما تعرفوش كل التفاصيل اللي حصلت في حياتها.
لكن لو وصلتوا للمكان ده، افتكروا حاجة واحدة.
ما تحاولوش تكونوا نسخة من اللي سبقوكم.
كونوا أفضل.
وساعدوا شخصًا واحدًا على الأقل.
لأن شخصًا واحدًا ممكن يغير حياة إنسان.
ثم كتبت في آخر الصفحة
الحكاية بدأت بامرأة واحدة.
ثم أصبحت عائلة.
ثم أصبحت مؤسسة.
والآن أصبحت مسؤولية كل شخص يدخل من هذا الباب.
أغلقت الدفتر.
وضعته بجوار رسائل زينب القديمة.
ثم خرجت.
كانت الشمس قد بدأت تغرب.
وفي الحديقة، كان الأطفال يلعبون تحت الشجرة.
توقفت زينب ونظرت إليهم.
ثم قالت
لسه الحكاية مستمرة.
ومن خلفها، جاء صوت ياسين
ومش هتخلص.
ابتسمت.
ومشيا معًا نحو الأطفال.
أما صورة زينب، فظلت معلقة في غرفة الذكريات.
لكن هذه المرة لم تكن الصورة وحدها.
حولها أصبحت هناك عشرات الرسائل الجديدة.
رسائل من أطفال.
ومن شباب.
ومن آباء.
كل واحد منهم يحكي كيف تغيرت حياته.
وكانت آخر رسالة في الغرفة تقول
بعض الناس يرحلون من الدنيا، لكن الخير الذي زرعوه يرفض أن يرحل معهم.
وتحتها
حكاية زينب مستمرة. مرت سبع سنوات أخرى.
أصبح مركز زينب مؤسسة ضخمة، لكن العائلة أصرت على شيء واحد ألا يتحول المكان إلى مجرد مبنى كبير بلا روح.
كان كل طفل يدخل من الباب يُعامل كأنه فرد من الأسرة.
وفي أحد الأيام، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
وصل إلى المركز رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
طلب مقابلة ياسين.
وعندما دخل المكتب، وضع الحقيبة على الطاولة وقال
أنا كنت أعرف محمود.
تغير وجه ياسين.
محمود؟
أخرج الرجل صورة قديمة.
كانت تجمعه بمحمود قبل سنوات طويلة.
قال
أنا كنت مع والدكم في المستشفى بعد الحادث.
سأله ياسين
ليه ما ظهرتش قبل كده؟
أجاب الرجل
لأني كنت أبحث عنكم طوال سنوات، لكنني لم أجد العنوان الصحيح.
ثم فتح الحقيبة.
كان بداخلها دفتر قديم.
قال
محمود أعطاني الدفتر قبل ما يغادر المستشفى.
فتح ياسين الدفتر.
وجد صفحات كتبها والده بخط يده.
في إحدى الصفحات كان مكتوبًا
لو قدرت أرجع لأولادي، مش عايزهم يعرفوا إني ضيعت وقت.
ثم
عايزهم يعرفوا إن كل يوم عندهم فرصة جديدة.
جلس ياسين صامتًا.
لم تكن هناك أسرار مخيفة.
ولا أشياء تغير الماضي.
كانت مجرد كلمات رجل ندم على سنوات لم يستطع استعادتها.
أخذ ياسين الدفتر إلى إخوته.
قرأوا الكلمات معًا.
ثم قالت مريم
بابا كان عايزنا نعمل إيه بالدفتر؟
أجاب ياسين
يمكن كان عايزنا نفتكر إن الوقت أهم من أي حاجة.
ومنذ ذلك اليوم، أطلق المركز برنامجًا جديدًا اسمه
وقت يستحق أن يُعاش.
كان البرنامج يهدف إلى تعليم الأطفال قيمة الوقت، ومساعدتهم على اكتشاف مواهبهم، ومشاركة الكبار معهم في الأنشطة.
وكان ياسين يشارك بنفسه كل أسبوع.
وفي أول يوم، جلس أمام مجموعة من الأطفال وقال
أنا زمان كنت فاكر إن أهم حاجة في الحياة هي إن الواحد ينجح.
ثم ابتسم.
دلوقتي فهمت إن النجاح الحقيقي إنك تستخدم وقتك في حاجة لها معنى.
رفع طفل يده.
يعني الفلوس مش مهمة؟
ضحك ياسين.
الفلوس مهمة، بس مش هي اللي بتحدد قيمة الإنسان.
سأله الطفل
أمال إيه اللي يحددها؟
قال
اللي بتعمله لما تكون قادر تساعد.
صفق الأطفال.
ومن بعيد، كانت زينب الصغيرة تتابع المشهد.
ثم قالت
جدو كان هيحب البرنامج ده.
رد ياسين
جدو وأمك وجدتك كلهم كانوا هيحبوه.
مرت الشهور.
وأصبح البرنامج من أنجح أنشطة المؤسسة.
ثم جاءت فكرة أخرى.
قرر أبناء زينب إنشاء صندوق للمنح الدراسية باسم محمود.
قالت مريم
زينب لها المركز، ومحمود له المنح.
وافق الجميع.
وكتبوا على لوحة الصندوق
لأن الفرصة التي تأخرت لا تعني أن الحياة انتهت.
وفي يوم افتتاح الصندوق، وقفت زينب الصغيرة أمام صورة جدها.
قالت
جدو، أنت فقدت سنين كتير.
بس السنين اللي رجعتلك بعدها، خليتها مهمة.
ثم نظرت إلى صورة جدتها.
وإنتِ علمتينا إن اللي نقدر نعمله النهارده ما ينفعش نأجله لبكرة.
وفي تلك اللحظة، دخل طفل صغير إلى القاعة.
كان يحمل ورقة.
قال لزينب
ممكن أقول لك حلمي؟
قالت
طبعًا.
فتح الورقة.
كان قد رسم مستشفى كبيرًا.
قال
أنا عايز أبقى دكتور.
سألته
وليه؟
قال
عشان لما حد يتعب، أساعده.
ابتسمت زينب.
يبقى ابدأ من النهارده.
إزاي؟
ذاكر كويس، واسأل، واتعلم، وما تستسلمش.
قال
ولو فشلت؟
أجابته
تحاول تاني.
ظل الطفل ينظر إليها.
ثم قال
إنتِ بتتكلمي زي الست اللي في الصورة.
نظرت زينب إلى صورة جدتها.
وضحت.
يمكن عشان أنا اتعلمت منها.
مرت سنوات.
وأصبح ذلك الطفل طبيبًا بالفعل.
وفي أول يوم له في المستشفى، أرسل رسالة إلى المركز
أنا بدأت أول يوم في شغلي.
وأول حاجة افتكرتها كانت كلمتكم.
الفرصة لا تضيع طالما الإنسان ما زال يحاول.
علقت المؤسسة الرسالة في غرفة الذكريات.
وأصبح بجوارها عشرات الرسائل الأخرى.
ومع مرور الوقت، تحولت الغرفة إلى مكان لا يحكي قصة زينب فقط، بل يحكي قصص كل الأشخاص الذين تأثروا بها.
وفي إحدى الليالي، دخلت زينب الصغيرة الغرفة وحدها.
وقفت أمام الصورة القديمة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن دوري هو الحفاظ على اللي عملتيه.
ثم ابتسمت.
لكن فهمت إن دوري أكبر.
دوري إني أخلي الرسالة تكبر.
وضعت رسالة جديدة بجوار الصورة.
كان مكتوبًا فيها
إلى كل شخص يقرأ هذه الرسائل بعد سنوات طويلة...
لا تبحث عن أصحاب القصص فقط.
ابحث عن الرسالة.
لأن الأشخاص يرحلون.
لكن الخير يستطيع أن يستمر.
أغلقت الدفتر.
وفي الخارج، كانت أصوات الأطفال تأتي من الحديقة.
فتحت الباب.
دخل ضوء المساء إلى الغرفة.
ونظرت زينب إلى الصورة مرة أخيرة.
قالت
اطمني.
لسه بنكبر.
ثم خرجت.
وفي صباح اليوم التالي، بدأت المؤسسة مشروعًا جديدًا.
هذه المرة لم يكن المشروع للأطفال فقط.
كان للشباب الذين تربوا في المركز.
ساعدوهم على تأسيس مشروعات صغيرة، وتعلم مهارات جديدة، والاعتماد على أنفسهم.
وكان أول شخص تقدم للمشروع شاب اسمه آدم.
وقف أمام ياسين وقال
فاكر أول مرة جيت فيها هنا؟
ضحك ياسين.
كنت ساكت ومش بتتكلم.
قال آدم
دلوقتي عندي شركة صغيرة.
ثم أضاف
وعايز أشغل شباب اتربوا هنا.
نظر ياسين إليه بفخر.
وقال
إنت كده رجعت الجميل بالطريقة الصح.
ابتسم آدم.
أنا ما برجعش جميل.
ثم نظر إلى صورة زينب.
أنا بكمل الحكاية.
وهكذا، لم يعد المركز مجرد مكان يستقبل الأطفال.
أصبح بداية لحياة جديدة.
طفل يدخل خائفًا.
ثم يتعلم.
ثم يكبر.
ثم يعود ليساعد غيره.
وتتكرر الدائرة من جديد.
وفي إحدى الجمعات، اجتمعت العائلة تحت شجرة زينب.
كان ياسين قد أصبح رجلًا مسنًا.
جلس بين أبنائه وأحفاده.
قال
أنا عايز أطلب منكم حاجة.
نظروا إليه.
إيه؟
قال
لو في يوم أنا مشيت، ما تعملوش يوم حزن طويل.
سكت الجميع.
ثم ابتسم.
اجتمعوا هنا.
وأشار إلى الشجرة.
واحكوا حكاية.
واضحكوا.
وافتكروا الحاجات الحلوة.
ثم قال
عشان كده ماما كانت هتفرح.
نظر الجميع إلى الشجرة.
وفي تلك اللحظة، فهموا أن الرسالة التي بدأت مع زينب لم تعد تخص شخصًا واحدًا.
لقد أصبحت عهدًا بين أجيال.
أن يبقوا معًا.
أن يساعدوا من يحتاج.
وأن يجعلوا كل خسارة بداية لشيء أفضل.
وفي نهاية اليوم، كتب أحد الأحفاد على دفتر العائلة
اليوم فهمت ليه جدتي زينب ما زالت موجودة في كل تفاصيل حياتنا.
ثم كتب
هي لم تترك لنا بيتًا فقط.
تركت لنا طريقة نعيش بها.
وأغلق الدفتر.
وفي الخارج، كانت الشجرة تتحرك أغصانها مع الهواء.
وتحتها كان الأطفال يضحكون.
وكانت الحكاية، مرة أخرى، تفتح صفحة جديدة.
صفحة لا يعرف أحد أين ستنتهي.
لكن الجميع كانوا يعرفون شيئًا واحدًا
طالما بقي الخير موجودًا، فحكاية زينب لن تنتهي. مرت سنوات أخرى، وتغيرت وجوه كثيرة داخل المؤسسة، لكن اسم زينب ظل كما هو.
أصبح أبناء الأحفاد هم من يديرون جزءًا كبيرًا من العمل، بينما كان الجيل القديم يراقبهم بفخر.
وفي أحد الأيام، جاءت زينب الصغيرة إلى غرفة الذكريات وهي تحمل صندوقًا جديدًا.
قالت لياسين
لقيته في بيت جدتي.
نظر إليها باستغراب.
صندوق تاني؟
قالت
أيوه، وكان مكتوب عليه لا يُفتح إلا بعد مرور سنوات طويلة.
جلس الاثنان أمام الطاولة.
فتحا الصندوق.
كان بداخله دفتر كبير، وعلى الغلاف صورة قديمة لزينب ومحمود والأطفال التسعة.
فتحت زينب الدفتر.
في أول صفحة كتبت جدتها
لو بتقرأوا الكلام ده، يبقى السنين عدت.
ثم
وأتمنى تكونوا فهمتوا إن الحياة مش بتقف عند لحظة صعبة.
قلبت الصفحة.
كانت هناك صفحات كثيرة عن أحلام الأطفال التسعة عندما كانوا صغارًا.
ياسين كان يريد أن يصبح مدرسًا.
مريم كانت تحلم أن تصبح طبيبة.
خالد كان يحب الحساب والتجارة.
وكل واحد من الأبناء كان له حلم مختلف.
قال ياسين
ماما كانت بتكتب أحلامنا؟
قالت زينب
شكلها كانت بتحتفظ بكل حاجة.
وفي آخر كل صفحة، كانت زينب تكتب
سأساعده حتى يصل.
نظر ياسين إلى الدفتر طويلًا.
وقال
هي كانت عايزة تشوفنا ناجحين.
أجابته زينب
وشافتكم من خلال اللي عملتوه بعدها.
ثم وجدوا صفحة مختلفة.
كانت بعنوان
أحلام الأطفال الذين لم أعرف أسماءهم بعد.
وتحتها كتبت زينب
أتمنى أن يأتي يوم يدخل فيه أطفال كثيرون إلى هذا البيت، ويجد كل واحد منهم فرصة ليكتشف نفسه.
صمت الاثنان.
قال ياسين
ده مش حلم قديم.
ده تقريبًا وصف للمؤسسة كلها.
ابتسمت زينب.
يبقى كانت بتعرف تحلم صح.
قرروا الاحتفاظ بالدفتر في غرفة الذكريات.
لكنهم لم يكتفوا بذلك.
أنشأوا برنامجًا جديدًا يحمل اسم
حلم زينب.
كان كل طفل يدخل المؤسسة يكتب حلمه في دفتر خاص.
وبعد سنوات، يعود الطفل إلى الدفتر ليكتب ماذا حقق.
كانت الفكرة بسيطة، لكنها أصبحت من أكثر البرامج تأثيرًا.
كتب طفل
كنت عايز أبقى مهندس.
وبعد سنوات كتب
بقيت مهندس فعلًا.
وكتبت فتاة
كنت خايفة أتعلم.
ثم كتبت لاحقًا
دلوقتي أنا بدرس أطفال تانيين.
وكتب شاب
كنت فاكر إني مش هبقى حاجة.
ثم كتب
اكتشفت إني أقدر أكون أي حاجة لو لقيت فرصة.
وفي نهاية كل صفحة كانت هناك جملة واحدة
بدأ الحلم هنا.
مرت سنوات.
وأصبح أحد
تم نسخ الرابط